دخان يتصاعد من قرية بليون في ريف إدلب عقب قصف جوي (أ.ف.ب)

إتهمت روسيا اليوم الأربعاء 4 مارس (آذار)، تركيا بالتقاعس عن الوفاء بالتزاماتها بموجب اتفاق لإنشاء منطقة منزوعة السلاح في محافظة إدلب السورية، وبانتهاك القانون الدولي من خلال زيادة عدد قواتها.

ونقلت وكالة الإعلام الروسية عن متحدث باسم وزارة الدفاع الروسية قوله إن “التحصينات الإرهابية” اندمجت مع مواقع المراقبة التركية في إدلب، ما أدى إلى هجمات يومية على قاعدة حميميم الجوية الروسية في سوريا”.

موسكو ترفض “ادعاءات لجنة أممية”

وكان الكرملين رفض الثلاثاء 3 مارس “ادعاءات محققين تابعين للأمم المتحدة بأن موسكو شنت غارات جوية في سوريا ترقى لجرائم حرب”، لاستهدافها مناطق مدنية من دون تمييز.

وقالت لجنة التحقيق الدولية المستقلة حول حقوق الإنسان في سوريا في تقريرها الأخير الإثنين، إنها تملك أدلة حول مشاركة طائرات روسية في غارتين جويتين في إدلب وريف دمشق في يوليو (تموز) أغسطس (آب) الماضيين تباعاً، أسفرت عن مقتل أكثر من 60 شخصاً.

وأشار التقرير الذي تتطرق إلى أحداث الفترة الممتدة بين يوليو 2019 حتى 10 يناير (كانون الثاني) 2020، إلى أن هناك أدلة تثبت أن المقاتلات الروسية شاركت في الغارتين اللتين لم تكونا موجهتين صوب أهداف عسكرية، ولذلك فإنها ترقى لـ”جريمة حرب”.

جرائم حرب

وقال دميتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين للصحافيين “نحن لا نوافق على مثل هذه الاتهامات”، مشككاً بمدى موضوعية التقرير.

وأضاف “من الواضح أنه لا يمكن لأي لجنة الحصول على معلومات موثوقة حول ما يحدث على الأرض. لا شيء يقال عن هجمات الجماعات الإرهابية، الأمر الذي يجعل أي حكم صادر عن هذه اللجنة متحيزاً”.

وأنشئت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا عام 2011 بعد وقت قصير من اندلاع الحرب، وقد وجهت اتهامات مراراً للأطراف كافة بارتكاب جرائم حرب وفي أحيان أخرى بجرائم ضد الإنسانية.

ميركل تنتقد بوتين

وفي سياق متصل، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن “قرابة 200 ألف لاجئ موجودون حالياً قرب الحدود السورية – التركية بسبب القتال في إدلب لكن عدد مَن عبروا الحدود من مناطق النزاع إلى تركيا منذ بداية العام لا يتجاوز 35 ألفاً”. واعتبرت أن “البيانات الصادرة عن تركيا والدول الغربية بشأن تدفق اللاجئين والأزمة الإنسانية في إدلب غير صحيحة”.
من جهة أخرى، قال مشاركان في اجتماع للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مع زملائها المحافظين من أعضاء البرلمان الثلاثاء، إنها أبلغتهم بتأييدها لإقامة مناطق آمنة في شمال سوريا. وأضاف المصدران، وهما من البرلمان، أن ميركل انتقدت كذلك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لرفضه المشاركة في اجتماع رباعي يضم إلى جانبهما، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بهدف خفض التصعيد في سوريا.
وكانت وكالة الإعلام الروسية نقلت عن الكرملين في وقت سابق الثلاثاء، إن بوتين بحث الوضع في إدلب خلال اتصال هاتفي مع ميركل.

 

تضييق الخناق

وقد حوّل القتال أجزاء واسعة من شمال غربي سوريا إلى مناطق غير صالحة للسكن من قبل المدنيين، الذين تضيّق المعارك الخناق عليهم في ظل ظروف معيشية بائسة، وفق تقرير نشرته ثلاث جهات غير حكومية اليوم الأربعاء.

واستند التقرير الصادر عن منظمتي “سايف ذي تشيلدرن” (أنقذوا الأطفال) والرؤية العالمية وجامعة هارفرد، إلى تحليل صور التقطت عبر الأقمار الاصطناعية لمدن ومخيمات في محافظة إدلب، أجراه برنامج تابع لمبادرة هارفرد الإنسانية.

وتشنّ قوات النظام بدعم روسي منذ ديسمبر (كانون الأول) هجوماً واسعاً ضد مناطق تسيطر عليها هيئة تحرير الشام (النصرة سابقاً) وفصائل معارضة أخرى، تمكنت بموجبه من إحراز تقدم كبير في جنوب إدلب وغرب حلب.

وأورد التقرير أنه “في المناطق التي تمّت معاينتها، يقدّر الباحثون أن حوالى ثلث المباني تعرّضت لأضرار كبيرة أو دُمّرت”، وأضاف “مع فرار غالبية سكان هذه المناطق قبل أو خلال الهجوم، فإن دمار المنازل والبنى التحتية الحيوية سيجعل من المستحيل تقريباً عودة العائلات في المستقبل القريب”.

بلدات سوّيت بالأرض

وتظهر الصور التي جرى تحليلها، حقولاً زراعية امتلأت بمخيمات النازحين خلال أشهر، وقرى وبلدات سوّيت بالأرض.

ودفع الهجوم خلال ثلاثة أشهر بحوالي مليون شخص إلى الفرار بحسب الأمم المتحدة، في موجة نزوح غير مسبوقة منذ اندلاع النزاع قبل تسع سنوات. وغادر هؤلاء منازلهم تدريجياً مع تقدم قوات النظام وتعرّض المدارس والمستشفيات في مناطقهم للقصف بشكل دوري. وتوجّه القسم الأكبر منهم إلى مناطق لا يشملها التصعيد قرب الحدود التركية شمالاً.

وقالت المتحدّثة باسم منظمة “أنقذوا الأطفال” جويل بسول “في أفضل السيناريوهات، أي وقف فوري لإطلاق النار، سيستغرق الأمر أشهراً إن لم يكن سنوات لإعادة بناء البنية التحتية المدنية، ومن ثمّ إعادة بناء ثقة هؤلاء الناس للعودة إلى منازلهم”.

“تسريع عملية السيطرة”

وذكرت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة حول سوريا في أحدث تقاريرها الإثنين أن قوات النظام تعمّدت استهداف البنى التحتية المدنية لإخافة السكان وتسهيل تقدمها العسكري، ما جعل “المناطق المدنية غير صالحة للسكن”.

وأشارت على وجه التحديد إلى مدينتي خان شيخون ومعرة النعمان في ريف إدلب الجنوبي، واللتين استعادتهما قوات النظام، معتبرة أن تسوية هذه المناطق بالأرض جاء في “محاولة واضحة لتسريع عملية السيطرة على طرق استراتيجية” في إشارة الى طريق حلب دمشق الدولي.

ولم يترك القصف الجوي على جنوب إدلب، وفق لجنة التحقيق، “للمدنيين أي خيار سوى الفرار”، واصفة أزمة إدلب بـ”كارثة إنسانية، بينما تواصل الأسر الهرب ويتجمد الأطفال حتى الموت”.

ويشكّل الأطفال أكثر من نصف النازحين خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة ويعيش عشرات الآلاف من النازحين في العراء.

تبادل إسقاط طائرات

وكانت قوات الجيش السوري أسقطت طائرة مسيرة تابعة للقوات التركية في محيط سراقب بريف إدلب الجنوبي الشرقي الثلاثاء 3 مارس، وفق وكالة سانا السورية، بعد ساعات قليلة على اسقاط الجيش التركي طائرة حربية سورية هي الثالثة منذ يداية الشهر الحالي، ومقتل قائدها في محافظة إدلب، حيث أطلقت أنقرة هجوماً ضد قوات النظام السوري.

وأورد المرصد السوري لحقوق الإنسان أن “طائرة تابعة لقوات النظام أُسقطت إثر استهدافها من قبل طائرة إف-16 تركية”، مشيراً إلى أن الطائرة سقطت في مناطق سيطرة النظام في ريف إدلب الجنوبي في شمال غربي البلاد.

وفي السياق، أعلنت وزارة الدفاع التركية أنه “كجزء من عملية درع الربيع المستمرة بنجاح، أُسقطت طائرة للنظام من طراز إل-39”.

كما ذكرت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) بدورها أن القوات التركية “تستهدف إحدى طائراتنا الحربية خلال عملياتها ضد التنظيمات الإرهابية في منطقة إدلب” .

مقتل تسعة مدنيين

وسُجل في وقت سابق الثلاثاء، مقتل تسعة مدنيين من بينهم خمسة أطفال في قصف صاروخي لقوات النظام على مدينة إدلب.

وقال مدير المرصد السوري رامي عبد الرحمن لوكالة الصحافة الفرنسية إن القصف استهدف حياً سكنياً في المدينة التي تُعد معقلاً لهيئة تحرير الشام (النصرة سابقاً).

أردوغان وبوتين

هذا وأعلنت الرئاسة التركية، أن الرئيس رجب طيب أردوغان سيزور روسيا الخميس المقبل، لبحث الأوضاع في سوريا، وسط توتر بين أنقرة وموسكو بشأن الاشتباكات المتزايدة مع القوات الحكومية السورية في إدلب.

وأعرب أردوغان عن أمله في التوصل إلى وقف لإطلاق النار في إدلب يضع حداً للعنف فيها خلال لقائه المقبل مع الرئيس الروسي.

وقال “سأذهب إلى موسكو لمناقشة التطورات (في سوريا) مع بوتين. وآمل هناك، أن يتخذ (بوتين) التدابير الضرورية مثل وقف لإطلاق النار وأن نجد حلاً لهذه المسألة”.

وطالب أردوغان بانسحاب قوات النظام السوري إلى الخطوط التي حددتها تركيا، مضيفاً أن الخسائر التي تكبدتها هذه القوات في هجمات تركيا ومقاتلي المعارضة مجرد بداية.

في المقابل، أعلن الكرملين أنه يولي “أهمية كبرى” للتعاون مع تركيا في سوريا.

وقال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف “نحافظ على التزامنا باتفاقات سوتشي، ووحدة الأراضي السورية، وندعم مكافحة الإرهابيين… وبطبيعة الحال نولي أهمية كبرى للتعاون مع شركائنا الأتراك”. وأضاف “الأهم هو أننا نتجه الآن نحو مفاوضات بين بوتين وإردوغان”.

وأكد أن “خبراءنا العسكريين يحللون ويقيمون الوضع على الأرض”، موضحاً أن الجيش الروسي سيعمل على “ضمان أمن الطيران” فوق إدلب.

في اتجاه أوروبا

وحذّر أردوغان في تصريحات متلفزة من أن “ملايين” المهاجرين واللاجئين سيتوجّهون إلى أوروبا، في وقت كثّف ضغوطه على الدول الغربية بشأن النزاع السوري.

وبعدما فتحت تركيا أبوابها أمام المهاجرين لمغادرة أراضيها في اتّجاه أوروبا الأسبوع الماضي، “عبر مئات الآلاف وسيصل العدد قريباً إلى ملايين”، وفق ردوغان، على الرغم من أن التقارير الصادرة عن حرس الحدود في اليونان تحدثت عن أعداد أقل بكثير حتى الآن.