الأسبوع الأخطر على الاتفاق النووي الإيراني  المصدر: النهار العربي

المبعوث الأميركي الخاص لشؤون إيران روبرت مالي.
مع انتهاء الجولة الأخيرة في مفاوضات فيينا، توزعت وفود الدول الموقعة على الاتفاق النووي الإيراني للعام 2015 (روسيا، الصين، فرنسا، بريطانيا، ألمانيا إضافة الى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) على عواصمها، وغادر الوفد الإيراني عائداً إلى طهران ليرفع النص النهائي الذي توصلت إليه الوفود في فيينا خلال أربعة أيام شاقة من التفاوض المباشر وغير المباشر (بالنسبة إلى الولايات المتحدة)، إلى القيادة الإيرانية التي سيتعين عليها أن تدرسه خلال أيام معدودة من أجل العودة إلى طاولة فيينا والتوقيع عليه.

وقد كان الأوروبيون واضحين عبر ما سربه ممثلهم في المفاوضات انريكي مورا، قائلاً: “انتهت المفاوضات ولن نعود للتفاوض على النص مجدداً”. أما كبير المفاوضين الروس ميخائيل أوليانوف فقد تحدث بعد انفضاض اجتماعات فيينا قائلاً: “من الصعب التنبؤ بنتيجة المفاوضات لكن على ما يبدو أن الولايات المتحدة وافقت على النص الذي اقترحه الاتحاد الأوروبي لكن إيران لم تعلق عليه”.

من الواضح في مكان ما ان جميع الدول المعنية بالاتفاق النووي للعام 2015، والجهود لإحيائه تنتظر الرد الإيراني الذي يفترض ان يأتي بموافقة على نص يعتبر نهائياً. لكن المؤشرات الظاهرة قد لا تكون مطابقة لحقيقة الموقف الإيراني. ففي الأوساط المحافظة في النظام الإيراني مناخ معاد لأي اتفاق نووي، ويهمه أن تبقى إيران في مسارها الحالي الذي سيقودها إن لم يتم ايقافها بأي وسيلة كانت الى انتاج قنبلتها النووية الأولى. هذا ما تعبر عنه ضمناً وجوه من الفريق المحافظ الأصولي في النظام مثل النائب في البرلمان علي خضريان الذي نشر قبل أيام تغريدة على موقع “تويتر” يقول فيها: “للأسف مسودة نص إحياء الاتفاق النووي بعيدة كل البعد عن سياسة البلاد”. وتابع: “إن النص يعتبر تصريحات (الرئيس) جو بايدن هي الضامن (لعدم الانسحاب مجدداً من الاتفاق النووي) كما يكلف أميركا للتحقق من رفع العقوبات بدلاً من إيران”.

هذا المناخ حقيقي، فإيران لم تتوقف عن انتهاك الاتفاق من الناحية التقنية، إلى درجة أنها رفعت نسبة تخصيب اليورانيوم إلى مستويات شبه عسكرية، وطورت أجهزة الطرد المركزي التي بحوزتها وكأنها تقول إن مفاوضاتها في فيينا لم تعد تكفي لمنعها من الاستحواذ على قنبلة نووية، على الرغم من أن المرشد علي خامنئي سبق له أن أصدر فتوى بتحريم انتاج قنبلة نووية. لكن العديد من العواصم المعنية بالملف النووي الإيراني تعتبر أن فتوى المرشد لها بعد دعائي أكثر مما تمثل عمق السياسة الإيرانية التي كانت ولا تزال تتمسك بمسار نووي سري لأغراض عسكرية كان يديره العالم السابق محسن فخري زاده الذي اغتيل قبل نحو عامين في قلب طهران.

من هنا الخشية الكبيرة التي لا تفارق العواصم الأوروبية الساعية بكل الوسائل لإعادة إحياء الاتفاق النووي للعام 2015. هذا ما قد يفسر ما سربته صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية من أن الأوروبيين يريدون (حتى بعد الانتهاء من جولة التفاوض على النص النهائي) “تقديم تنازل جديد مهم” لإيران من أجل إحياء الاتفاق النووي. وحسب الصحيفة الأميركية فإن التنازل المقترح يهدف الى أن تنهي “الوكالة الدولية للطاقة الذرية” على نحو سريع تحقيقاً تجريه في أنشطة إيران النووية السابقة. والمقترح يعالج بنداً خلافياً رئيسياً على جدول أعمال مفاوضات فيينا يتعلق بتحقيق للوكالة حول مواد نووية جرى اكتشافها في ثلاثة مواقع لم تعلن عنها إيران. هذا كله في الوقت الذي يصدر تصريح على إحدى القنوات التلفزيونية الأميركية لمستشار الشؤون الإيرانية في البيت الأبيض روبرت مالي يقول فيه: “إن إيران على بعد أسابيع من حيازة مواد كافية لصنع قنبلة نووية”! لكن مالي قال في المقابلة عينها بالنسبة الى التحقيق الذي تجريه الوكالة: “سيتم اغلاق هذه القضايا عندما تقدم إيران إجابات صالحة تقنياً لـ”الوكالة الدولية للطاقة الذرية”. بمجرد قيامها بذلك وإرضاء الوكالة سنعبر نحن عن رضانا”.

هذا المشهد الذي يرتسم مع اقتراب الجميع من ساعة الحقيقة، قد يكون أحد الأسباب في ارتفاع مستويات الحذر من أن تكون الأيام الآتية وربما الأسبوعان المقبلان مرحلة عالية الخطورة، وخصوصاً أن للاتفاق أعداء لا يخفون موقفهم الحقيقي منه. فالموقف الإسرائيلي لا يحتاج لأي أدلة. كما أن الجهد الإسرائيلي لتفخيخ أي اتفاق محتمل حاضر في كل الحسابات. لكن أعداء الاتفاق، أي اتفاق يوقف مسار إيران نحو أن تصير دولة نووية تنتج قنبلتها النووية الأولى في المدى القصير يقيمون في قلب النظام الإيراني. قد يكون المرشد أول أعداء المفاوضات لإحياء الاتفاق النووي. فهو في طور رسم معالم مرحلة ما بعد رحيله، من خلال محاولة فرض نجله مجتبى مرشداً بعده يستند الى تحالف العسكر ورجال الدين الأصوليين، وتكون القنبلة النووية ضمانة لبقاء النظام وعدم تعرضه لأي خطر خارجي محتمل. كما يمكن أن تكون القنبلة ضمانة لإجهاض أي تحرك حقيقي في الداخل يحاول أن يلقى صدى في الخارج، من خلال إشاعة الرعب النووي في حال دخول البلاد في حالة من الفوضى السياسية، والفراغ في السلطة إذا نشبت موجة واسعة من الاحتجاجات في وقت معين.

إن السلاح النووي بالنسبة الى النظام الإيراني حاجة للمستقبل. ومن يراقب اكتشاف مؤامرتين لاغتيال كل من مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون، ووزير الخارجية السابق مايك بومبيو بهذا التوقيت بالذات يمكن أن تستوقفه “الصدفة”. لكن “الصدفة” التي لا يمكن تجاهلها، أو استبعاد علاقتها في مكان ما باحتمال التوصل الى اتفاق حول الملف النووي الإيراني، هي محاولة اغتيال الكاتب الهندي البريطاني سلمان رشدي، مؤلف رواية “آيات شيطانية”، قبل أيام على يد شاب من أصول لبنانية وصاحب ميول لإيران و”حزب الله” في قلب الولايات المتحدة، فضلاً عن ارتباطات أقلها عاطفي، ورد الفعل العالي النبرة في الأوساط الأصولية المحافظة في إيران لا سيما في الصحافة المعبرة عن مناخ المرشد علي خامنئي، مثل “كيهان” التي احتفلت بمحاولة الاغتيال، لكنها توعدت بأن “الدور سيأتي على ترامب وبومبيو (الانتقام لمقتل قاسم سليماني) وأن الهجوم على سلمان رشدي ناقوس خطر للمسؤولين عن اغتيال سليماني. وهؤلاء الأفراد حتى إذا كانوا تحت حماية مشددة، فإن الانتقام سيكون قريباً منهم”!

كل ما تقدم يثير التساؤل، وخصوصاً أن “الصدف” تتوالى، وتتقاطع بالنسبة إلى تبعاتها. من هنا ثمة مخاوف كبيرة في هذه المرحلة التي تتسم بمخاطر كبيرة محتملة.