قسد” تترقب احتمال تقارب تركيا والأسد: المواجهة خيار أخير تقارير عربية باريس عدنان أحمد الحسكة سلام حسن. العربي الجديد

مع توالى التصريحات التركية بشأن إمكانية التقارب مع النظام السوري، يبرز الهدف الأهم لمثل هذا التقارب بالنسبة لتركيا، وهو محاربة التنظيمات الكردية المسلحة في سورية، والمتمثلة بـ”قوات سورية الديمقراطية” (قسد) الجناح العسكري لحزب “الاتحاد الديمقراطي”، والذي تعتبره أنقرة مجرد امتداد لحزب “العمال الكردستاني” الذي ينشط في تركيا، المصنف عندها إرهابياً.

والأسئلة المطروحة اليوم هي هل يمكن أن يتخلى نظام الأسد عن ورقة “الكردستاني” التي طالما استخدمها ضد تركيا؟ وهل هو مستعد فعلاً للانخراط مع تركيا في محاربة الحزب، وما هي مصلحته في ذلك؟

العلاقة بين “العمال” و”الاتحاد الديمقراطي”

الواقع أن العديد من كوادر وقيادات حزب “الاتحاد الديمقراطي”، ذوي الأصول السورية أو التركية، هم أصلاً أعضاء في “الكردستاني” الذي تتمركز قياداته في جبال قنديل على الحدود بين تركيا والعراق وإيران. وأتى بعضهم إلى الأراضي السورية بعد اندلاع الثورة عام 2011 وامتدادها إلى المناطق الكردية.

وتشير تقارير وشهادات عدة إلى أن النظام السوري أوكل للحزب السيطرة على المناطق ذات الغالبية الكردية بعد اندلاع الثورة، خشية وقوعها بيد المعارضة السورية المسلحة، ولتفادي انخراط المكون الكردي بهذه الثورة، وذلك في إطار التحالف القديم بين الجانبين، منذ كان النظام يؤوي قائد “الكردستاني” عبد الله أوجلان في دمشق، قبل أن يضطر إلى التخلي عنه بضغط عسكري تركي عام 1998.

وفي واحدة من هذه الشهادات، ذكرت سكينة حسن، القيادية في الحزب “الديمقراطي الكردستاني”، أكبر أحزاب المجلس الوطني الكردي، في حديث مع موقع “باسنيوز” في 28 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أن “العلاقة بين نظام الأسد وحزب الاتحاد الديمقراطي علاقة عضوية، إذ أوكل إليه نظام الأسد مهمة تحييد الأكراد عن المشاركة الفعالة في الثورة السورية، وذلك من خلال عملية التسليم والاستلام للمناطق”.

وأضافت أن المحادثات السرية والعلنية التي تجري بين الطرفين “لا تدور حول حقوق الأكراد، لأن هذه المسألة ثانوية لدى الحزب، وما يهمه هو أن يحافظ على وجوده وسيطرته على الأرض تحت أي تسمية”.

علي سعد: أي حل لا يشارك فيه أكراد سورية، لن يكتب له النجاح

وعلى الرغم من أن حزب “الاتحاد الديمقراطي” يحاول دائماً إظهار استقلاليته السياسية والعسكرية عن “الكردستاني” الذي أخذ على عاتقه تمثيل أكراد تركيا ومحاولة بناء كيان كردي مستقل في تركيا، لكن من الصعب على المراقب العثور على هذا التمايز سواء أيديولوجياً أم عسكرياً.

ويوفر “الكردستاني” غطاءً سياسياً وعسكرياً للحزب الكردي السوري، إضافة إلى التعاطف الشعبي الذي يحظى به الحزب بين الأكراد في سورية ودول الجوار، ومن شأن فك الارتباط بين الطرفين إضعاف حزب “الاتحاد الديمقراطي”.

ويرى “الكردستاني” في تحالفه مع نظام الأسد مصلحة استراتيجية ما دام ثمة عداء بين النظام السوري وتركيا، من منطلق أن “عدو عدوي هو صديقي”.

كما أن هذا التحالف مكّن الحزب من السيطرة على مناطق واسعة في شرق سورية بضوء أخضر من نظام الأسد، ووفق تفاهمات تتجلّى في مجالات عديدة مثل بيع النفط من جانب “الإدارة الذاتية” لنظام الأسد بأسعار مخفضة، ومواصلة النظام إدارة سد الفرات الواقع تحت سيطرة هذه الإدارة، فضلاً عن الانتشار العسكري المشترك في كثير من المناطق.

توجس كردي من التقارب بين تركيا والأسد

اللافت عدم صدور مواقف واضحة من “قسد” و”الإدارة الذاتية” حتى الآن بشأن المعطيات المتواترة حول التقارب بين تركيا ونظام الأسد، في ما يبدو أنه ترقب لمعرفة حقيقة هذا التقارب.

وفي إطار هذه المواقف الحذرة، قال علي سعد عضو المكتب السياسي في “هيئة التنسيق الوطنية – حركة التغيير”، المنضوية ضمن “الإدارة الذاتية”، لـ”العربي الجديد”، إنه بعد الحرب في أوكرانيا، برزت معطيات واصطفافات جديدة في المنطقة، وتركيا إذا أعلنت عزمها الانفتاح على نظام دمشق، إنما هي في الواقع تتحاور مع كل من موسكو وطهران، لأن نظام الأسد هو المعتمد لدى الإدارتين الروسية والإيرانية.

وأضاف سعد: “نحن في الإدارة الذاتية وكقسد ومسد (الجناح السياسي لقسد) مع الحل السياسي، ولا نعتقد بوجود حل عسكري، وقد طرقنا باب النظام عدة مرات، لكننا وجدنا أنه غير جاهز للحل السياسي والتحول الديمقراطي”.

ورأى سعد أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان “يتذرع بحماية الأمن القومي التركي، لكن هدفه هو القضاء على تجربة الإدارة الذاتية في شرق سورية، بوصفها التجربة الناجحة الوحيدة في سورية، أمام التجربتين المظلمتين تحت سيطرة النظام الديكتاتوري في دمشق، أو التنظيمات المتطرفة في إدلب”.

وأعرب سعد عن اعتقاده أن التقارب بين تركيا ونظام الأسد لن يتم، وإن كان الجانبان يحاولان إرضاء روسيا، مضيفاً أن “أي حل لا يستند إلى القرارات الدولية ولا يشارك فيه أكراد سورية، لن يكتب له النجاح”.

وحول الخيارات أمام “قسد” و”الاتحاد الديمقراطي” فيما لو مضت أنقرة ونظام الأسد قدماً وقررا التعاون عسكرياً ضدهما، قال سعد: “نحن مع الحل السياسي، لكن نحن قوة موجودة على الأرض، وإذا فُرض علينا الحل العسكري فسنضطر للمقاومة”.

وبشأن موقف الولايات المتحدة والتحالف الدولي، رأى المسؤول الكردي أن واشنطن تغض النظر عما تفعله أنقرة، ولكن “نحن طالما بقينا ملتصقين بشعبنا، سنبقى أقوياء، ونحن نؤمن بالحل مع النظام، وحسن الجوار مع تركيا”.

وحول إمكانية التعاون مع المعارضة السورية، قال “نرحب بالتعاون مع كل الديمقراطيين في المعارضة السورية، ولكن المرتبط والمرتهن للتركي لن نكون نحن خياره”.

الهدف هو القضاء على “الإدارة الذاتية”

من جهته، قال حسن كوجر، نائب الرئاسة المشاركة للمجلس التنفيذي في “الإدارة الذاتية”، إن “التقارب بين الحكومتين السورية والتركية سيعمق الأزمة السورية، وسينتج عن ذلك تقسيم البلاد”.

وذكر كوجر، في كلمة نشرها موقع “الإدارة الذاتية”، أن التقارب بين الجانبين “يهدف إلى ضرب وإنهاء مشروع الإدارة الذاتية”، مشيراً إلى أن النظام السوري يسعى للسيطرة الكاملة على الطريق الدولي “إم 4” (طريق حلب ـ اللاذقية) واستعادة محافظة إدلب بالكامل، في مقابل السماح لتركيا بتصعيد هجماتها ضد “الإدارة الذاتية” ومناطق في الشمال السوري.

حسن كوجر: التقارب بين الحكومتين السورية والتركية سيُقسّم البلاد

واعتبر كوجر أن هذا التقارب “والاتفاقات الخطيرة، ستفتح مجالاً لإطالة أمد الأزمة السورية وتعميقها، وتسهم في إعادة تنشيط تنظيم داعش، وهو الأمر الذي يهدد الأمن العالمي والمحلي، وستعود سورية إلى المربع الأول في أزمتها”.

وقال: “سنقاوم هذه الاتفاقات وسنحمي مكتسباتنا، ونحن قدّمنا الكثير من الشهداء لتحرير شمال وشرق سورية، وسنحارب إذا فرضت الحرب علينا”، مشيراً إلى أنه “لم يحصل في التاريخ أن تتفق دولة على مواطنيها مع دولة أخرى معادية”. ورأى أن “تركيا تخلت عن حديثها لتغيير رأس السلطة في سورية إلى إمكانية الحوار والتقارب معه لضرب مشروع الإدارة الذاتية”.

في المقابل، انتقد المحلل السياسي والأكاديمي الكردي فريد سعدون موقف “قسد” من هذه التطورات، معتبراً أنها لا تقوم بما هو مطلوب منها لمواجهتها.

وقال سعدون، في حديث مع “العربي الجديد”، إن “قسد” لا تأخذ التصريحات التركية بجدية كافية، وهي تسير في اتجاه واحد، ولا تأخذ في الاعتبارات ما يجري حولها، وهو ما حصل في مرات سابقة في عفرين وتل أبيض حين تجاهلت التحذيرات من أن تركيا ستقوم بعملية عسكرية في تلك المناطق.

ورأى سعدون أن “قسد” تدفع في كل مرة ثمن هذه السلبية، مشيراً إلى أن التصريحات التركية الأخيرة بشأن التقارب مع النظام لا تأتي من فراغ، بل تعكس حاجة حكومة أردوغان لوضع مستقر قبل الانتخابات المقبلة، وهي تسعى للحصول على ثمار تدخلاتها في سورية، ولا تهمها الوسيلة ما دامت النتيجة تخدمها، والتقارب مع النظام ليس مشكلة لديها.

ورأى المحلل الكردي أن “قسد، وبدل تمتين الجبهة الداخلية، نراها تسهم في زيادة الأزمات الاقتصادية والخدمية والأمنية، ما يجعل الجبهة الداخلية هشة قابلة للتفكك أمام أي خطر خارجي. يضاف إلى ذلك أنها تعمد إلى توتير علاقتها مع إقليم كردستان، المنفذ الوحيد لمناطق شرق سورية، كما أن قسد تعادي الحزب الوطني الكردي، الذي يمثل نصف المجتمع الكردي”.

وأضاف أن “قسد فشلت أيضاً في التوصل إلى اتفاق سياسي مع النظام السوري، وتقتصر التفاهمات بينهما على الجوانب الأمنية، مثل ما فشلت في التفاهم مع المعارضة السورية التي نراها اليوم تصطف إلى جانب تركيا، ضد قسد”.

وختم بالقول إن “قسد تبدو اليوم وحيدة، وحتى التحالف الدولي غير راضٍ عن أدائها، إذ يركز التحالف على محاربة تنظيم داعش، بينما تنشغل قسد بحروب أخرى جانبية، ما يقلل من دعم التحالف الدولي”.

ومع عدم اتضاح المدى الذي سيقف عنده التقارب المحتمل بين تركيا ونظام الأسد، خصوصاً في ظل المطالب المتبادلة بين الجانبين وفق ما نشرت بعض الصحف التركية، وهي مطالب قد يصعب على كل طرف تلبيتها، فإن “قسد” و”الإدارة الذاتية” ما زالتا في موقف الترقب، مع إجراء اتصالات من تحت الطاولة مع كل من النظام السوري وروسيا والولايات المتحدة، لمحاولة بناء موقف إزاء التطورات المحتملة.

ورأى المحلل السياسي الكردي إبراهيم حسن أنه ليس لدى القوى المسيطرة في شرق سورية سوى الانتظار إلى حين انجلاء الصورة بشكل أوضح، قبل المبادرة إلى اتخاذ مواقف نهائية، مشيراً في حديثٍ مع “العربي الجديد” إلى أن الخيار الذي كان مطروحاً دائماً هو محاولة التوصل إلى صفقة مع نظام الأسد، قبل أن تتوصل تركيا إلى مثل هذه الصفقة، وهو ما يقوي موقف النظام في ظل هذا “التنافس” بين القوى الكردية وتركيا لعقد الصفقات معه، وذلك بتشجيع من روسيا التي تدفع كلا الجانبين للتفاهم مع نظام الأسد، وتقديم تنازلات له، لقطع الطريق على الطرف الآخر.

وأضاف حسن أن الأكراد في سورية يدركون أن النظام لن يتردد في بيعهم إذا وجد ضالته لدى تركيا وروسيا، لكنهم يعتمدون، في المقابل، على الدعم الأميركي حيث تقع حقول النفط والغاز تحت الحماية الأميركية، ولن تفيد أي صفقة يعقدها النظام مع تركيا أو مع الأكراد في الوصول إلى تلك الحقول.

وختم قائلاً إن الصورة معقدة إلى حد ما بالنسبة لجميع الأطراف، لأن الثقة مفقودة بينها، والتحالفات متبدلة، وإن كانت المصالح ثابتة، لكنها تبدو متعارضة في كثير من الأحيان، ما يجعل الوصول إلى تفاهمات جديدة أمراً تكتنفه الكثير من العراقيل، وقد لا يتم أبداً.