الشرطة ضدّ الشرطة… صدام بين وزارة الداخلية والنقابات الأمنية يقلق تونس  المصدر: النهار العربي تونس-كريمة دغراش

 المصدر: النهار العربي
تونس-كريمة دغراش
من مواجهة الشرطة التونسية لاعتصام النقابات الأمنية.
اشتدّ التوتر في تونس خلال الأيام الأخيرة بين وزارة الداخلية ونقابات الأمن، وسط مخاوف من تصعيد محتمل قد يلقي بظلاله على الوضع الأمني في بلد مثقل بأزماته، ما أعاد الجدال حولها إلى الواجهة مجدداً.
ونهاية الأسبوع الماضي، تدخل رجال شرطة بالقوّة لفضّ اعتصامات لزملاء لهم ينتمون إلى نقابات أمنية مختلفة في محافظات عدة.
وتناقلت مواقع التواصل الاجتماعي فيديوات لاشتباكات باستعمال العصي والغاز المسيل للدموع، بين رجال شرطة بالزيّ الرسمي وأعضاء نقابات أمنيّة اعتصموا داخل خيام رفضوا رفعها.
ومنذ أيام بدأ نقابيون من رجال الأمن تنفيذ احتجاجات ضد قرار حلّ نقاباتهم ومنعهم من القيام بأنشطة نقابية، وحصر دورهم في العمل الاجتماعي ضمن هيكل موحّد، إضافة إلى إحالة اثنين منهم على القضاء.
وخلّفت الصدامات عدداً من الإصابات في محافظة صفاقس استوجبت نقل بعضها إلى المستشفى، وهذه هي الحادثة الأولى من نوعها في تونس التي يواجه فيها رجال الشرطة محتجين ينتمون إلى سلكهم.
وقالت الناطقة الرسمية باسم وزارة الداخلية، في مؤتمر صحافي، إن “ممارسة العمل النقابي يجب أن تكون مع عدم المس بضوابط العمل الأمني”، لافتة إلى أنه “تم تجاوز هذه الضوابط من خلال بعض ممارسات النقابات الأمنية”.
لكن الناطق باسم نقابة قوات الأمن الداخلي شكري حمادة يؤكد أن “نصب الخيام شكل من أشكال الاحتجاجات السلمية التي لا تخرج عن ضوابط العمل النقابي المكفولة بالدستور”.
 
المواجهة
وتأتي التطورات الأخيرة بعدما أعلن وزير الداخلية توفيق شرف الدين، في مؤتمر صحافي، وقف الاقتطاعات المالية لفائدة النقابات الأمنية من رواتب رجال الشرطة، متحدثاً بلهجة فيها الكثير من الصرامة عن إخلالات رافقت هذه العملية طيلة أكثر من عشر سنوات، حوّلت وزارة الداخلية “إلى شركة استخلاص ديون” وفق تعبيره.
وقال الوزير التونسي إنّ قيمة هذه الاقتطاعات بلغت 40 مليون دينار (15 مليون دولار)، مؤكداً أنها أضرّت بالوضع المادي لكثير من رجال الشرطة.
وتوعد شرف الدين، وهو من أبرز المقربين من الرئيس قيس سعيّد، بملاحقة مرتكبي التجاوزات قانونياً.
خطوات تصعيدية
في المقابل، أعلنت النقابات رفضها تلك القرارات، واعتبرتها “محاولة لتركيعها عبر تجفيف مواردها المالية تمهيداً لحلها”، وقرّرت الدخول في سلسلة من الاعتصامات أمام المقار الأمنية في كل مدن البلاد، مهددة باتخاذ خطوات تصعيدية أخرى خلال الجلسة العامة يومي 6 أيلول (سبتمبر) الجاري و7 منه.
وسبق للرئيس سعيّد أن انتقد الشكل الحالي لهذه الهياكل، ودعا في أكثر من مناسبة إلى توحيدها ضمن هيكل موحّد، واقتصار دورها على العمل الاجتماعي فقط.
ويمنع الدستور التونسي الجديد الذي تم التصويت عليه في 25 تموز (يوليو) الماضي الأسلاك الحاملة للسلاح من الإضراب، ونصّ الفصل 20 على أن “الحق النقابي وكذلك حرية العمل النقابي واختيار المهنة والحرية المهنية مضمونة في حدود القانون، ولا ينطبق هذا الحق على الجيش الوطني، وليس لقوات الأمن الداخلي والديوانة (الجمارك) الحق في الإضراب”.
وفي شهر آب (أغسطس) الماضي، عبّر سعيّد عن امتعاضه من امتناع رجال الشرطة عن تأمين العرض المسرحي للممثل لطفي العبدلي في مهرجان صفاقس، بأمر من النقابات الأمنية، بحجة “تضمّنه مقطعاً يسيء اليهم”، معتبراً أن ما حدث “إضراب مقنّع”.
مخاوف
ويخشى كثيرون أن يتحوّل التوتّر بين نقابات الأمن ووزارة الداخلية إلى مواجهة. ويرى المحلل السياسي محمد بوعود أن ما حدث خطير، لأنه يضع أفراد مؤسسة مهمة في مواجهة بعضهم بعضاً.
ويقول خصوم سعيّد إنه يسعى لتقليم أظافر النقابات الأمنية، في إطار مسار كامل لضرب كل الأصوات المخالفة.
في المقابل، يستبعد العميد المتقاعد والناطق الرسمي السابق باسم وزارة الداخلية خليفة الشيباني احتمال بلوغ مرحلة المواجهة.
ويقول لـ”النهار العربي” إن هناك أطرافاً سياسية تحاول توظيف ما حدث وتصويره على أنه مواجهة بين الشرطة والرئيس، وذلك في إطار صراعها معه، لافتاً إلى أن أعضاء هذه النقابات رجال أمن يخضعون وجوباً لسلطة رئيس الجمهورية باعتباره رئيساً لكل الأسلاك الحاملة للسلاح.
ويشدد على أن هناك مغالطات كثيرة بشأن ما حدث، قائلاً إن ”هناك من يحاول أن يخرج الأمر على أن هناك دولة داخل الدولة”.
 
جدال متواصل
وتأسست النقابات الأمنية في 2011، بمقتضى المرسوم الرقم 42 لعام 2011 المؤرخ 25 أيار (مايو) 2011، الذي حل محل القانون المتعلق بضبط القانون الأساسي لقوات الأمن الداخلي، ونص المرسوم على أن “لأعوان قوات الأمن الداخلي الحق في ممارسة العمل النقابي وتكوين نقابات مهنية مستقلة عن سائر النقابات المهنية واتحاداتها”.
 لكن كثيراً ما كانت هذه الهياكل محلّ جدال كبير، بعد تعاظم دورها وتحوّلها إلى طرف سياسي، إذ تتعالى الأصوات المنادية بحلّها، ودائماً ما وجّهت المنظمات الحقوقية الانتقادات لها، مؤكدة أنها “أصبحت تمثل تهديداً حقيقياً لأبسط حقوق الإنسان وللحريّات”.
ويرى كثيرون أن نقابات الأمن تجاوزت الدور الاجتماعي والنقابي نحو التدخل في العملية السياسية.
ويقول الشيباني إن المؤسسة الأمنية في تونس لم تخضع للإصلاح رغم كل الادّعاءت التي تم الترويج لها خلال العشرية الماضية، مضيفاً أن تعدّد هذه النقابات كان مدخلاً لاختراق المؤسسة الأمنية من جهات سياسية.
ويرى أن العمل النقابي داخل المؤسسة الأمنية يجب أن يراجع، وأن تحدد له ضوابط معينة، لأن “هذه المؤسسة حسّاسة ولها خصوصياتها التي تختلف عن باقي المؤسسات والقطاعات”.