الرئيس اليمني الأسبق علي ناصر محمد يكشف أسرار محطات تحقيق الوحدة وحقيقة أحداث يناير (2-1 ) اُستخدمت الوحدة كحصان طروادة لإسقاط النظام في عدن… وهذا ما قاله علي عبد الله صالح جمال شنيتر  صحافي ومراسل تلفزيوني اندبندنت عربية

img
حوارات 0 editor Hossein

الرئيس اليمني الأسبق علي ناصر محمد (اندبندنت عربية)

 

قبل 36 عاماً ترك الرئيس علي ناصر محمد رئاسة الدولة والحزب الاشتراكي في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، بعد أحداث دامية شهدتها عدن بين فصيلي الطغمة والزمرة بالحزب الاشتراكي ذي المرجعية الماركسية اللينينية.

كان ناصر في ستينيات القرن الماضي، أحد قادة ثورة أكتوبر (تشرين الأول) في إطار تنظيم الجبهة القومية لتحرير الجنوب من الاحتلال البريطاني، وتدرّج بعد الاستقلال في عدة مناصب ومسؤوليات وحقائب وزارية، ومن ضمنها رئيس للوزراء، حتى تقلّد قيادة الحزب والدولة عام 1980.

خلال ربع قرن من عمر الدولة الجنوبية السابقة، شهدت أحداثاً دراماتيكية وصراعات متعددة، لكن في المقابل شكّلت استقراراً اقتصادياً وأمنياً ومعيشياً بنظر آخرين.

مراقبون يصفون مرحلة تولي الرئيس ناصر رئاسة الدولة والحزب خلال السنوات الخمس الأولى من الثمانينيات، بأنها فترة “الاعتدال والانفتاح في مسيرة الدولة الجنوبية”.

في حديثه لـ “اندبندنت عربية” يتحدّث الرئيس الأسبق علي ناصر محمد، عن تجربة الدولة السابقة بسلبياتها وإيجابياتها، وخطوات الوحدة بين شطري اليمن التي كان أحد صنّاعها الأوائل، ويكشف للمرة الأولى عن حقائق ومعلومات عن أحداث يناير (كانون الثاني)، والعلاقة مع الاتحاد السوفياتي ودول الجوار العربي، وتجربة اليمن الديمقراطية إجمالاً.

أحداثٌ وليست حرباً
كانت أحداث يناير العام 1986، أكثر المحطات مأساوية في تاريخ اليمن الجنوبي، حينما نشبت مواجهات مسلّحة بين أجنحة الحزب الاشتراكي اليمني الحاكم، استمرّت عدة أيام، وانتهت بمغادرة مجموعة الرئيس ناصر عدن.

يشدد ناصر على ضرورة التوصيف الدقيق لما حدث في يناير قبل الولوج في تفاصيل تلك الذكرى، قائلاً: “إنها ليست حرباً، وما حدث بعدن في ذلك التاريخ من العام 1986 تدخّل في إطار الأحداث التي لها مثيل في اليمن وبلدان العالم الثالث عموماً، التي تؤدي إليها مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية، والاختلاف في الرؤى والسياسات بين عناصر الحكم، وعدم وجود تقاليد ديمقراطية، ولهذا من الأصح أن نسميها (أحداث 13 يناير)، واصطلح عليها هكذا منذ البداية، وهي امتدادٌ لأحداث مرّ بها اليمن منذ الاستقلال عام 1967 بين أجنحة الحكم في الجبهة القومية، ومن ثمّ الحزب الاشتراكي اليمني، بدءاً باستقالة الرئيس قحطان الشعبي من السلطة العام 1969 مروراً بإقصاء ومقتل الرئيس سالم ربيع علي العام 1978، بعد مقتل الرئيسين الحمدي والغشمي في الشمال”.

يناير والموقف من الوحدة
يربط الرئيس ناصر بين أحداث يناير والموقف من الوحدة اليمنية، مشيراً إلى أنّ قضية الوحدة “كان لها دورٌ مؤثرٌ في نشوب أحداث يناير، إضافة إلى السياستين الداخلية والخارجية، وتندرج في ذلك استقالة عبد الفتاح إسماعيل في أبريل (نيسان) 1980 عقب حرب فبراير (شباط) 1979 بين الشمال والجنوب، التي هي امتدادٌ لحرب عام 1972، وأيضاً بسبب قضية الموقف من الوحدة، وحروب المنطقة الوسطى التي استمرّت أكثر من 12 عاماً أيضاً تندرج ضمن المضمون نفسه”.

ويُسهب مفصلاً تلك المسألة قائلاً: “العامل الرئيس في أحداث يناير هو الموقف من الوحدة اليمنية، بل وطبيعة العلاقات بين دولتي اليمن، والحروب التي دارت بينهما في 1972 و1979، وحروب المناطق الوسطى وحرب الوحدة والانفصال 1994، والحرب الأخيرة عام 2015، وليس حول الوحدة بحد ذاتها، من حيث إنها هدف عظيم، ومطلب محق للشعب اليمني في الجنوب والشمال، بل حول طريقة تحقيقها، بين مَنْ يرى تحقيقها بالطرق السلمية، ومَنْ يرى بقوة السلاح وعبر الحرب.

الاختلاف نفسه كان موجوداً لدى أجنحة السلطة والنخب في الشمال، لكن بعد صراعات وحروب وتجارب مريرة على مستوى الجنوب والشمال وبينهما راح ضحيتها الآلاف من خيرة أبناء الوطن شمالاً وجنوباً بمن فيهم الرؤساء: إبراهيم الحمدي، وأحمد الغشمي، وسالم ربيع علي، لكن في الأخير كان لا بدّ من الوصول إلى قناعة لدى الجميع بالاحتكام إلى الحوار، بدلاً من لغة السلاح من أجل الوصول إلى الوحدة اليمنية عام 1990.

ومع الأسف أن البعض في القيادة كان يعارض تحقيق الوحدة بالطرق السلمية، ويصر على إسقاط النظام في صنعاء برؤية برنامج الحزب الاشتراكي اليمني، الذي كان يتنافى مع دستور دولة الوحدة، الذي اُتفق عليه 1981 بعد حوار طويل، وكان يمثل قواسم مشتركة بين النظامين، وكذلك كان هناك في الشمال مَنْ يريد تحقيق الوحدة بالقوة وإسقاط النظام في عدن”.

سألته، إذن لماذا أخذت أحداث 13 يناير كل هذا البعد من دون بقية كل الأحداث والصراعات في الجنوب، هل بسبب كثرة عدد الضحايا؟! قال: “توجد مبالغة كبيرة في تضخيم أحداث يناير، وفي أعداد ضحاياها من الطرفين، وكان لديّ الشجاعة بأن أعلنت حينها بأننا نتحمّل مسؤوليتها جميعاً، وللمرة الأولى يجب أن نعترف بأن العدد بعد التدقيق أقل بكثير جداً من الأرقام التي أعلنها كل طرف، علماً أن مقتل شخص واحد يعد خسارة ومصدر ألم لنا جميعاً.

طبعاً، كانت أرقاماً وهمية، حاول كل طرف أن يبالغ في الأعداد، لكسب التعاطف والتعويضات التي تُدفع لأسر الشهداء، كما أنّ القوى المعادية التجربة في الجنوب على المستويات: المحلية والإقليمية والدولية كان لها مصلحة في تضخيم الأحداث وأعداد الضحايا للتشهير بالتجربة في اليمن، مع أنّ الحروب بعد 1986 خلّفت ضحايا كثيرة، وفي شمال الوطن أيضاً جرت صراعات وحروب أدّت إلى الآلاف من الضحايا بعد ثورة 26 سبتمبر (أيلول) بين الملكيين والجمهوريين، وغيرها من الصراعات والحروب.

وما يحدث اليوم في اليمن أكثر بكثير من أحداث يناير، وأدّى إلى ضياع الوطن والدولة والأمن والاستقرار وتشريد الملايين في أصقاع الأرض، لكن هناك من يريد التركيز على أحداث يناير في الجنوب من دون غيرها مما جرى في اليمن شمالاً وجنوباً، لأهداف معروفة لا تخفى على أحد، ويستدعيها في كل وقت بمناسبة ومن دون مناسبة، لكن الشعوب التي تقف عند الماضي فقط ولا تستفيد من دروسه لا تستطيع التفكير في تغيير الواقع أو حتى في المستقبل”.

صراع الوحدة واتفاق القاهرة
ويلفت الرئيس ناصر إلى أنّ الصراع من أجل الوحدة اليمنية بدأ منذ وقت مبكر، وتحديداً في العام 1968، ويشرح ذلك بالقول “كانت البداية في فترة حكم الرئيس قحطان الشعبي (أول رئيس للجنوب بعد الاستقلال)، عندما طالب البعض في صنعاء عبر الإذاعة بتحقيق الوحدة. مثل هذا العمل غير المدروس والارتجالي لم يكن له علاقة بالوحدة، أو بنيات صادقة لتحقيقها وتحقيق حلم اليمنيين في الوحدة، بقدر ما كان صادراً عن مواقف متطرفة لا تخدم حينها إلا أعداء الوحدة والنظام في عدن.

وكان ردّ الرئيس قحطان أننا نرحب بالوحدة اليوم قبل الغد، لكن لا بدّ من تهيئة الظروف، وحدد عشر نقاط لتحقيقها، كان الحديث عن الوحدة في عدن وصنعاء يجري عبر الإعلام، ما كان يصعّد من التوترات من دون أن يحدث لقاء بين المسؤولين في الدولتين لمناقشة أسس تحقيق هذه الوحدة”.

ألم يكن بالإمكان تفادي كل ذلك الصراع والحروب لو جرت الوحدة مباشرة بعد استقلال الجنوب في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 1967؟ يقول “أتذكر أنني كنت وفيصل عبد اللطيف الشعبي ومحمد أحمد البيشي (من القياديين البارزين في الجبهة القومية) في لقاء مع القاضي عبد الرحمن الأرياني نهاية 1967 في منزله بالقاهرة، حينها لم يكن رئيساً، لكنه كان يعدُّ من القيادات التاريخية لثورة 1948 وحركة الأحرار والنضال ضد الإمامة، ومن القيادات البارزة في الصف الجمهوري.

كانت الثورة في الجنوب على أبواب النصر في عدن، ونريد معرفة رأي الأخوة في الشمال حول الموقف من استقلال الجنوب وقيام الدولة، لهذا سأل فيصل القاضي الأرياني: ما موقفكم من قضية تحقيق الوحدة، خصوصاً أن الجنوب على أبواب الاستقلال؟

فكان رد القاضي الأرياني: لا تستعجلوا، نحن نريد أن تكون عدن عمقاً للنظام في الشمال الذي كان يواجه حينها حرباً مع الملكيين، وكانوا على أبواب عاصمتها صنعاء. وبعد أن أصبح الأرياني رئيساً للنظام الجمهوري في الـ5 من نوفمبر 1967 أرسل وفداً برئاسة حسن مكي لتهنئة الرئيس قحطان الشعبي بالاستقلال، وقيام الدولة في الجنوب، وهذا اعتراف منه حينها بأنهم ليسوا متعجلين في قضية الوحدة.

لكن، في ما بعد اُستخدمت الوحدة كحصان طروادة لإسقاط النظام في عدن، وجيلنا يذكر بيانات وزير خارجيتهم آنذاك يحيى جغمان، ما كان يهيئ أرضية للتوتر وقرع طبول الحرب أكثر مما يخلق فرصاً وأرضية صالحة للحوار والبحث في أسس سليمة لتحقيق الوحدة، واستمرّ التوتر بين الشمال والجنوب، ما أدّى إلى حرب عام 1972 عندما طالب النظام في صنعاء بتحقيق الوحدة سلماً أو حرباً، وكان هذا أيضاً عبر الإعلام.

وأتذكر أننا أوقفنا تلك الحرب، بعد وساطة جامعة الدول العربية، عبر مكالمة هاتفية جرت بيني ومحسن العيني رئيس الوزراء ووزير الخارجية في صنعاء في أثناء وجود وفدها في مكتبي بعدن، واتفقنا على إيقاف إطلاق النار، واللقاء في صنعاء أو عدن، بحضور وفد الجامعة العربية، لكن الأخوة في صنعاء فضّلوا أن يكون اللقاء بالقاهرة ورحبنا بذلك.

واستقبلت جامعة الدول العربية وفدَين من الشمال والجنوب برئاستي ومحسن العيني، وأدّت المباحثات التي جرت بيننا إلى التوصل إلى اتفاقية الوحدة التي عُرِفت منذ ذلك التاريخ باتفاقية القاهرة 1972، التي أصبحت الأساس لجميع الاتفاقيات اللاحقة بما في ذلك تحقيق الوحدة في مايو (أيار) 1990″.

اتفاق الكويت… لم ينفذ
يأسف الرئيس ناصر أنّ الصراع بين الشمال والجنوب لم يقف عند ذلك الحد، بل نشبت حربٌ جديدة بين الشطرين عام 1979، تمخّض عنها توقيع اتفاق آخر للوحدة في الكويت بين الرئيسين عبد الفتاح إسماعيل وعلي عبد الله صالح، لكنه لم ينفذ.

ويتذكّر ناصر هنا دوره في بقية محطات تحقيق الوحدة قائلاً: “توجهتُ إلى صنعاء في نهاية 1979 نائباً للرئيس حينها، والتقيت القيادة برئاسة علي عبد الله صالح، وتحدّثت معه شخصياً حول إمكانية تحقيق الوحدة، وسألته: هل أنتم جاهزون الآن لتحقيق الوحدة خلال ستة أشهر كما نصّ اتفاق الكويت؟! فقال صالح: لا، إذا وقعنا الاتفاق في هذا الطابق الذي نجلس فيه، فسيبدأ القتال من الطابق الأسفل، فتأكّد لي أنه لم يكن جاداً بالوحدة آنذاك، وأكدنا حينها أنه يجب أن لا نكذب على الشعب بتحديد موعد محدد للوحدة، وتركنا موضوع تحقيقها للظروف المواتية، وبدأنا باتخاذ خطوات عملية بوقف الحرب بين الشمال والجنوب، وإيقاف العمليات في المنطقة الوسطى، التي كانت تقودها الجبهة الوطنية ضد نظام الرئيس صالح، واتفقنا على إنجاز دستور دولة الوحدة، وكلفت لجنة برئاسة محمد الفسيل وعمر الجاوي وغيرهما لإنجاز دستور الوحدة، وبعد ذلك اتفقنا على خطوات توحيد مناهج التعليم في التاريخ والجغرافيا والمشروعات الاقتصادية المشتركة.

وبعد زيارة الرئيس صالح عدن في 30 نوفمبر عام 1981 اتفقنا على قيام المجلس اليمني الأعلى، وكانت هذه خطوة مهمة على طريق تحقيق الوحدة بخطوات مدروسة متأنية وخلق شبكة مصالح اقتصادية”.

الثورة والدولة
كانت اليمن الديمقراطية الجمهورية الاشتراكية الوحيدة في شبه الجزيرة العربية ومنطقة الخليج، وشهدت علاقاتها بجيرانها توترات وأزمات، لا سيما أنها دعمت بعض الحركات الشيوعية المعادية دول المنطقة، وحول علاقة اليمن مع الجيران الخليجيين، يعبر الرئيس ناصر عن أسفه أيضاً من بعض قادة الحزب والدولة، الذين لم يستطيعوا أن يفرّقوا بين حدود الثورة وحدود الدولة، يقول: “عندما تكون في موقع الدولة فأنت أمام التزامات، يجب أن تراعيها وتلتزمها بموجب القانون الدولي، وقواعد العلاقات بين الدول والقائمة على احترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والمصالح المتبادلة، وهذا يتطلب منك إقامة علاقات حسن جوار مع الجيران، ليس من مهمتي كدولة إسقاط الأنظمة، وعندما أقمنا علاقات مع عمان والسعودية وبقية دول الخليج، لم يستوعب البعض ذلك، واتهموني ببيع ثورة عُمان والجبهة الشعبية بعد تطبيع علاقتنا مع سلطنة عُمان عام 1982.

كان البعض يرى أنه كان لا بدّ من استمرار الدعم للثورة في عُمان والخليج، وكانوا ضد تطبيع العلاقات مع دول الخليج، مع أنّ هذه العلاقات التي أقمناها مع دول المنطقة والعالم لم تكن على حساب السيادة والقرار الوطني، ولا على حساب العلاقة مع أصدقائنا في المعسكر الاشتراكي، وطبعاً هذه السياسة تستجيب إلى المصالح الوطنية العليا لشعبنا اليمني وشعوب المنطقة، وفي مصلحة الأمن والاستقرار بالمنطقة، وفتحت الأبواب لعلاقات الاتحاد السوفياتي مع دول الخليج، خصوصاً السعودية والإمارات وعُمان، وكل هذه الأمور أدت إلى أحداث 13 يناير 1986″.

هيبة الدولة
يقول ناصر “اليمن الديمقراطية كانت دولة مهابة في المنطقة بحفاظها على السيادة الوطنية وحدودها من خلال جيش وطني ولاؤه للوطن والدولة، لم يكن قوامه يزيد في كل وحدات الأسلحة على 85 ألف جندي، ومن خلاله كنا نحافظ على السيادة والحدود، وكان بإمكان الجندي المرابط على بعد 2500 كم من عدن أن يتسلّم راتبه آخر كل شهر، وإذا لم يتمكّن لسبب ما يعود راتبه إلى وزارة الدفاع ليتسلمه لاحقاً.

لم تكن هناك أرقام وأعداد وهمية في قوام الجيش أو الشرطة مما نراه اليوم. باختصار لم يكن هناك فساد في المؤسسة العسكرية أو المدنية، إلى درجة أن الأموال التي تتجمّع طوال السنة من راتبه تدفع له نهاية العام، وكان هناك ضبط واحترام للنظام والقانون والخدمة العسكرية والمدنية، وكانت الترقية تُجرى وفق معايير نظام الخدمة العسكرية أو المدنية، ويجب أن نعترف أننا استفدنا من النظام البريطاني الذي ورثناه، وبنينا عليه بما يخدم تجربتنا في المجالين المدني والعسكري”.

الكاتب editor Hossein

editor Hossein

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة