تواصل أنقرة ودمشق: الدوافع الروسية والمصالح التركية تقارير عربية الدوحة عماد كركص إسطنبول جابر عمر. العربي الجديد

فيدان
عقد هاكان فيدان (يسار) اجتماعات عدة مع علي مملوك في دمشق (أوزان كوز/فرانس برس)

تتزايد التسريبات المتلاحقة، ومعظمها خارجة من أنقرة، عن مزيد من التواصل بين السلطات التركية والنظام السوري، في مؤشر على أن حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان باتت تهيئ الرأي العام التركي لمزيد من الانفتاح على دمشق، في مسار تتداخل فيه حسابات متعددة لدى الطرفين قبل الوصول إلى تطبيع العلاقات.

ويبرز في هذا الإطار خصوصاً دور روسيا الساعية لهذا التطبيع، مع محاولتها تهدئة الأوضاع في سورية، والتركيز على حربها في أوكرانيا، وهي الحرب التي غيّرت أيضاً الأولويات الدولية، ودفعت الملف السوري إلى موقع متأخر في الاهتمام الدولي. وفي هذا الوضع، تندفع تركيا إلى محاولة تبني مقاربات جديدة للوصول إلى حلول في سورية، بالتوازي مع سعي أردوغان للتخفيف من استغلال خصومه في الداخل التركي ورقة اللاجئين للضغط عليه قبيل الانتخابات العامة المقررة صيف العام المقبل.

اجتماعات فيدان ومملوك… وتحولات روسيا

وفي التسريبات الجديدة، برز ما نقلته وكالة “رويترز”، مساء الخميس، عن أربعة مصادر، حول أن رئيس المخابرات التركية هاكان فيدان، عقد اجتماعات عدة مع رئيس جهاز المخابرات التابع للنظام السوري علي مملوك في دمشق خلال الأسابيع القليلة الماضية.

ونقلت الوكالة عن “مصدر إقليمي مؤيد لدمشق” قوله، إن فيدان ومملوك التقيا هذا الأسبوع في العاصمة السورية. وقال مسؤولون أتراك والمصدر الإقليمي، إن هذه الاتصالات تعكس تحولاً في السياسة الروسية في وقت تُعدّ فيه موسكو نفسها لصراع طويل الأمد في أوكرانيا، بينما تسعى لتأمين موقعها في سورية.

ونقلت “رويترز” عن مسؤول تركي كبير ومصدر أمني تركي، قولهما إن مملوك وفيدان، بحثا خلال الاجتماعات الأخيرة احتمال عقد لقاء بين وزيري خارجية البلدين في نهاية المطاف.

روسيا حثّت نظام الأسد على الدخول في محادثات مع أنقرة

وقال المسؤول التركي “تريد روسيا أن تتجاوز سورية وتركيا خلافاتهما وتتوصلا إلى اتفاقات محددة تصب في مصلحة الجميع، بما في ذلك تركيا وسورية”. وأضاف أن “أحد التحديات الكبيرة تكمن في رغبة تركيا في إشراك المعارضة السورية المسلحة في أي محادثات مع دمشق”.

كما قال المسؤول الأمني التركي، وفق “رويترز”، إن روسيا سحبت تدريجياً بعض مواردها العسكرية من سورية للتركيز على أوكرانيا، وطلبت من تركيا تطبيع العلاقات مع الأسد “لتسريع الحل السياسي” في سورية.

من جهته، قال “المصدر المؤيد لدمشق”، إن روسيا حثت نظام بشار الأسد على الدخول في محادثات مع أنقرة، في الوقت الذي تسعى فيه موسكو لتأمين موقفها وموقف الأسد إذا اضطرت لنقل قوات إلى أوكرانيا. ولفت المصدر إلى أن الاجتماعات الأخيرة، ومن بينها زيارة قام بها فيدان إلى دمشق استمرت يومين في نهاية أغسطس/آب الماضي، سعت إلى تمهيد الطريق لجلسات على مستوى أعلى.

في المقابل، ذكر المسؤول التركي الكبير، بحسب “رويترز”، أن أنقرة لا تريد أن تملأ القوات الإيرانية أو تلك المدعومة من إيران، الفراغ الذي ستخلفه عمليات الانسحاب الروسية. فيما أشار المصدر الأمني التركي إلى أن روسيا أيضاً لا تريد للنفوذ الإيراني أن يتسع لأن هذا من شأنه أن ينتقص من وجودها.

وعن الاتصالات بين أنقرة ودمشق، قال “المصدر الإقليمي المتحالف مع دمشق” ومصدر آخر رفيع المستوى موالٍ للأسد في الشرق الأوسط، إن الاتصالات أحرزت الكثير من التقدم. وقال مصدر إقليمي ثالث متحالف مع النظام السوري، إن العلاقات التركية السورية بدأت تتحسن وتتقدم إلى مرحلة “تهيئة الأجواء للتفاهم”.

أنقرة لا تريد أن تملأ القوات الإيرانية الفراغ الروسي

مقاربات تركية جديدة حول سورية

وتعليقاً على هذه التسريبات، قال مصدر مطلع في وزارة الخارجية التركية، لـ”العربي الجديد”، إن “اللقاءات الاستخبارية بين الطرفين لم تعد خفية وهي تحصل، ولكنها على مستوى متوسط وليس على مستوى رفيع جداً يرقى إلى رئيسي أجهزة الاستخبارات، كما يجري تناقله إعلامياً”، مضيفاً أن “اللقاءات لا تحصل في دمشق بل في مناطق أخرى، وهي لقاءات أولية ومستمرة”.

ولفت إلى أن “تركيا تتعامل ببراغماتية مع هذا الموضوع، في ظل التطورات الحاصلة على الصعيد الدولي والمقاربات الدولية المختلفة حول سورية، وتراجع الاهتمام الدولي بالتوصل إلى حل واقعي، على عكس السنوات السابقة”.

وأشار إلى أن “التوازنات الدولية بعد الحرب الأوكرانية الروسية والمواقف الأوروبية والأميركية، هي التي دفعت تركيا إلى محاولة تبنّي مقاربات جديدة للوصول إلى حلول حول سورية، في ظل تغيّر أجندات هذه الدول إلى مواضيع الأمن والطاقة”.

وشدد المصدر التركي على أن “المناقشات داخل أجهزة الاستخبارات مفتوحة، والأهم هو انتقالها إلى الأروقة السياسية، ومن المهم معرفة الموقف الروسي لاحقاً، وهو ما سيتضح بعد اللقاءات التي تجري بين قيادات البلدين (في إشارة إلى لقاء أردوغان وبوتين في أوزبكستان). ولهذا، فإن التعليق الرسمي حالياً على اللقاءات غير وارد، وسيكون بناءً على التطورات المقبلة”.

مصدر في وزارة الخارجية التركية: اللقاءات لا تحصل في دمشق بل في مناطق أخرى، وهي لقاءات أولية ومستمرة

بدوره، أكد مصدر آخر في الخارجية التركية، لـ”العربي الجديد”، حصول لقاء فيدان ومملوك في دمشق منتصف الشهر الماضي، مقللاً من أهمية اللقاء ونتائجه. واعتبر أن “الأهم هو الانتقال إلى الأروقة الدبلوماسية”.

وأوضح أنه “لا يمكن الحديث عن توافقات حتى الآن، على الرغم من اللقاءات التي حصلت”، مضيفاً أن “هناك محاولات لعقد لقاء سياسي على مستوى متوسط مستقبلاً”. ورأى أن “أول اختبار لنوايا النظام هو في مسألة مقاربته لعودة اللاجئين إلى مناطقهم”.

بالتوازي، قالت صحيفة “حرييت” التركية، أمس الجمعة، إن أردوغان قال في اجتماع لقيادات حزبه “العدالة والتنمية” قبل أيام، إنه كان ليلتقي بشار الأسد لو حضر الأخير قمة شنغهاي في أوزبكستان، من أجل القول له إنه سبب ما حصل في سورية.

ونقل الكاتب في الصحيفة عبد القادر سيلفي، المقرب من دوائر القرار في تركيا، تصريحات أردوغان لقيادات حزبه، بعد سؤال تلقاه وزير الخارجية مولود جاووش أوغلو، حول الحديث الإعلامي عن لقاء محتمل بين أردوغان والأسد، ليجيب الوزير بأن “الأسد غير مدعو للقمة”.

أردوغان: يا ليت جاء الأسد إلى أوزبكستان كنت التقيت معه

وعقب إجابة جاووش أوغلو، قال أردوغان “يا ليت جاء الأسد إلى أوزبكستان كنت التقيت معه، ولكنه لن يأتي، وبسبب مواقفه، باتت سورية على وشك التقسيم، ومن أجل حماية حكمه دخل بحرب مع المعارضة”.

وتابع أردوغان وفق التسريبات: “يا ليته جاء إلى أوزبكستان، كنت التقيته وقلت له كل هذا الكلام في وجهه، سابقاً قلنا له لو فعلت هذا ستتقسم سورية، لكن الأسد اعتقد أن المعارضة لا سلاح معها، لم ينتبه لما حذرنا منه، ولم يفكر بأن أميركا وروسيا ستدخلان البلاد، وفضّل حماية حكمه ولم يستطع حماية مساحة واسعة من بلاده”.

وتوقعت صحيفة “حرييت” أن تتسارع مرحلة التواصل بين تركيا والنظام السوري بعد اللقاءات التي حصلت بين أردوغان وبوتين، وإثر الاجتماعات التي جرت بين أجهزة مخابرات البلدين. وعقب لقاء أردوغان وبوتين في سوتشي الشهر الماضي، تحدث أردوغان عن مقاربة روسية تقوم على التعاون بين أنقرة والنظام لتبديد مخاوف تركيا فيما يتعلق بوحدات حماية الشعب الكردية المنتشرة في المناطق الحدودية.

وتعليقاً على هذه التطورات، رأى الصحافي والمحلل السياسي التركي، هشام غوناي، أن “التغيّر في السياسة التركية واضح تجاه سورية، وذلك بتأثير كبير من الجانب الروسي”. وأضاف في حديث مع “العربي الجديد”، أن “التطورات في مسألة التواصل بين جهازي المخابرات تأخذ منحى متسارعاً قد يصل للتطبيع الكامل، لكن بانتظار نتائج الانتخابات التركية المقبلة”، معرباً عن اعتقاده بأن “نجاح أردوغان بالعودة للرئاسة سيجعل التطبيع ممكناً”.

وتابع: “تريد أنقرة حالياً خلو الشريط الحدودي من المجموعات الكردية، وهذا ربما يكون ورقة مساومة بين أنقرة ودمشق، كما ستكون على الطاولة ورقة إعادة اللاجئين السوريين من تركيا”.

وحول ما إذا كان إخراج التسريبات بشكل متتابع هو تمهيد لهدف معيّن من قِبل أنقرة، اعتبر غوناي أن “الأمر تخطى مرحلة التسريبات وبات التواصل شبه معلن، والحكومة التركية تهيئ الشارع لمرحلة التطبيع الكامل”. لكن غوناي رأى أن “هذه الخطوة مؤجلة إلى ما بعد الانتخابات التركية، فالنظام السوري يرغب بانتظار نتائج الانتخابات ليعرف مع من سيكمل عملية التطبيع”.