عمر حمدي malva رسم الحصاد والمناجل وعيناه تبحثان عن ظلال امرأة أنجبته …..محمود حسن الحاج قاص وكاتب سوري كردي………

img
عمر حمدي malva
رسم الحصاد والمناجل وعيناه تبحثان عن
ظلال امرأة أنجبته
…………..
مشاركة الكاتب والقاص السّوري الكردي محمود حسن الحاج في ملف خاص عن الفنّان عمر حمدي malva للعدد الثالث من مجلّة السَّلام.
خالص الشُّكر والإمتنان للكاتب والقاص محمود حسن الحاج لمشاركته في العدد القادم!
يرسم الحصاد والمناجل وعيناه تبحثان عن ظلال امرأة أنجبته
تحمله الرِّيح إلى الأقاصي فيرسم بكلِّ شغفٍ رحلته الأخيرة
كل شيء بعمر يصرخ بالكردي، ومنذ اللَّحظة الأولى في ذلك البيت الطِّيني المفعم برائحة الوجع .. حين قذفته “نورة” في تلك اللَّيلة الشِّتائيّة الباردة إلى التُّراب، وتركته يستمدُّ الدِّفء من شفق بعيد … وكانت الرّضعة الأولى … والصَّرخة الأولى والدَّمعة الأولى. في شمالٍ يئنُّ من الجُّوعِ والقهرِ والحرمانِ … هذا الشِّمالُ الّذي أدمنَ الصَّمتَ والخوفَ والاختباء، شمالٌ يلهثُ أمام الدَّرك الَّذين يتجوَّلون على الخيول والأحصنة، ويضربون النَّاس لأيِّ سبب .. وبدون سبب ولكلِّ واحد نصيبه .. مهرِّب التَّبغ، والشَّاعر والسِّياسي والّذي يحلم بعالم أفضل .. ووطن أجمل .. وراية ملوّنة.
في هذه القرية، يكتشف عمر كغزال برِّي السُّهول .. والفصول .. والجِّهات .. وقسوة الأيام. يبعثر التُّراب .. يلعب مع العقارب والأفاعي .. يمتطي الغروب وينتشي لأسراب القطا ويرحل صوب المدينة بثيابه المرقَّعة .. حافياً.. منكسراً … جريحاً وعاشقاً لِلَمْسات “نورة” الَّتي تعاني من قسوة الأب والفقر والزَّمن وكأنّها بداية رحلة .. حين يدير ظهره للحنطة والعجاج والدُّروب .. ويسير صوب الخابور، النَّهر النَّاطق باسم جزيرة تمتدُّ حتَّى آخر حدود الجِّراح وكأنّها بداية رحلة … سيرسم من خلالها أوجاع أمّة أصرّت ألّا تنهض أبداً من السُّبات والخنوع ويكبر عمر .. وتكبر المعاناة .. وتشتعل ريشته .. تسرق ألوانها من الغروب وضفاف النّهر والحقول .. ويركض عمر في شوارع المدينة .. بتحدٍّ صارخ لكلِّ جديدٍ .. يرى الكثير من الأشياء للمرّة الأولى، الفاكهة .. واللِّباس .. والألعاب وهو ابن يد قصيرة لا تطال ما يشتهيه وترميه “نورة” مرّة أخرى .. يبيع الكعك .. يحمل السَّلّة .. يعمل في المطاعم … في دور السِّينما وتبدأ الرِّيشة تأخذ طريقها … تكتسب ألوانها .. وتختار مضامينها… ليرسم الحصاد والمناجل .. في زمنٍ كان الكردي فيه محاصراً ومحارباً ومتَّهمِاً.. وسجيناً ومعذَّباً وفقيراً.
كان عمر يدرك هذا .. ومع هذا كان حلمه يتجسَّد ويتوسَّد رأسه مخدَّة مبلَّلة في ليل طويل ويرحل إلى دمشق بلوحاته الَّتي تحمل الملامح الكرديّة القاسية والبيوت الطِّينيّة …والأغاني .. والأماني ولفافات التَّبغ والتَّجاعيد .. وكانت اللَّوحات تشير إلى انتمائه الكردي … بل كان عمر بهذه اللَّوحات كرديَّاً حتّى النِّخاع ثمَّ يحمل حلمه .. إلى هناك، خلف البحار.
يرسم وجه “نورة” على جدران الحدائق .. وصفحة الأنهار .. يدندن بأحزانه كصوفي في طور التَّجلِّي .. ويحن إلى جذوره بجنون وكلّ أعمال عمر تقول هذا وينثر تراب الجِّزيرة السُّوريّة .. وقرية “تل نايف” يمسح فضاءات العالم … ويعرِّف كلّ شعوب الأرض بالكردي …عاشق اللّون والبحر والطّيور، ثمّ يختفي رويداً .. رويداً. وبعيداً عن عناق الدُّروب مع الأفق، عيناه تبحثان عن ظلال امرأة .. أنجبته، ثمَّ حملته الرِّيح إلى الأقاصي ليكمل رحلته الأخيرة .. غريباً .. وحيداً في سماءٍ غريبة تنثر فوق مساراته بعضاً من أحزاننا وآهاتنا، لترقد روحك بسلام في قبرك الَّذي أتمنَّى أن يكون مزاراً ومنارة للفنِّ والإبداع.
وداعاً عمر، … وداعاً “مالفا”.
يا بن ترابنا وهوائنا … وسمائنا .. يا بن شمال لا يزال ينجب المبدعين، فهناك خليل عبد القادر وزهير حسيب وروكانيرو كاباريوس وعنايت العطار والرَّائع سليم بركات وصالح حيدو ولقمان أحمد وبشار عيسى وغيرهم من المبدعين.
فهل يموت شمال، هؤلاء أبناؤه؟
ألا تستحقُّ هذه الأسماء الَّتي تنير مساحات العتمة، وطناً ورايةً ونشيداً!
محمود حسن الحاج
قاص وكاتب سوري كردي

الكاتب editor Hossein

editor Hossein

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة