“أنا امرأة، أنا أمّ، أنا مسيحية”…جيورجيا ميلوني تحمل اليمين المتطرف إلى أبواب السلطة في إيطاليا  المصدر: النهار العربي شادي طنوس

جيورجيا ميلوني تلتقط صورة “سيلفي” خلال مهرجان انتخابي. (أ ف ب)
تعيش إيطاليا حالة من عدم الاستقرار السياسي، وسط ترقّب لنتائج الانتخابات النيابية المبكرة التي ستجري في 25 أيلول (سبتمبر) بعد استقالة رئيس الوزراء ماريو دراغي في 21 تموز (يوليو) 2022، أو “ماريو الخارق” كما تصفه المرجعيات السياسية، بعد سحب 3 أحزاب هي حزب سيلفيو برلوسكوني اليميني، حزب ماتيو سالفيني اليميني المتطرّف وحزب حركة 5 نجوم الشعبوي، دعمها في حكومته الائتلافية.
في هذا الامتحان الصعب، ووسط التساؤلات عن الضغوطات والتداعيات، تشق شخصية نسائية معارضة هي زعيمة حزب “فراتلي ديتاليا” اليميني المتطرّف أو “إخوان إيطاليا” جيورجيا ميلوني، طريقها لكي تكون الشخصية الأوفر حظاً التي تتولّى رئاسة الوزراء بعد تصدّرها الاستطلاعات قبل أيام قليلة من الانتخابات المقررة ف 25 أيلول (سبتمبر)، لتصبح، إذا انتخبت، أول امرأة تتولّى هذا المنصب في تاريخ إيطاليا.
من هي؟
ولدت ميلوني في روما عام 1977 وكانت تبلغ من العمر سنة واحدة فقط عندما غادر والدها فرانشيسكو العائلة وانتقل إلى جزر الكناري. كان فرانشيسكو يسارياً أما والدتها آنا فقد كانت يمينية الهوى، مما أثار التكّهنات بأن طريقها السياسي يشكّل رغبة في الانتقام من والدها الغائب، وإن تكن ميلوني تنفي هذه “النظرية”.
انتقلت العائلة إلى غارباتيلا لتصبح قريبة من جدّيها. هناك وإذ كانت تبلغ من العمر 15 عاماً، دخلت المراهقة الإيطالية السياسة من باب شباب “الحركة الاجتماعية الإيطالية”، وريث حزب بينيتو موسوليني الفاشي الذي  أشادت به في مقابلة لها عبر “فرانس 3″ عام 1996، واصفة إيّاه بـ”السياسي الجيد”. إلا أنها أكدّت الآن أنها لا تحافظ على أي تبعية للديكتاتور ولا تترك مكاناً لأولئك الذين يشعرون بالحنين إلى الفاشية في صفوفها، حتّى أن العديد من “المتمرّدين” طُردوا من حزبها في السنوات الأخيرة، وفق مسؤولين فيه.
بدأت ميلوني مشوارها السياسي عام 1992، في زمن الاغتيالين المتتالين للقاضيين المناهضين للمافيا جيوفاني فالكوني وباولو بورسيلينو واللذين هزا استقرار إيطاليا.
“المدمنة” على العمل إلى حدّ “الجنون”، سرعان ما ارتقت في عملها السياسي حتى وصلت في سن الثلاثين لتكون نائبة، ووزيرة للشباب عام 2008. فهل ستفوز في سن الخامسة والأربعين بالجائزة الكبرى؟
تأسّس حزب “فراتلي ديتاليا”  عام 2012، مع  جذور سياسية في الحركة الاجتماعية الإيطالية (MSI)، وريثة موسوليني. حتّى أن شعار الحزب مماثل لشعار أحزاب اليمين المتطرّف في فترة ما بعد الحرب: اللهب ثلاثي الألوان، الذي يُنظر إليه غالباً على أنه النار المشتعلة في قبر الزعيم الفاشي.
“أم للبلد وحامية للقوانين”
يتصدّر الحزب استطلاعات الرأي، ومن المرجّح أن يكون الكتلة السياسيّة الأقوى في 25 أيلول (سبتمبر) على رأس تحالف يميني إلى جانب رئيس الوزراء الأسبق سيلفيو برلسكوني والزعيم اليميني المتطرّف ماتيو سالفيني. إذ تشير استطلاعات الرأي  إلى احتمال فوز الائتلاف اليميني بنسبة 48% من أصوات الناخبين. وللمفارقة، لم يكن لحزب “فراتلي ديتاليا” وزن سياسي ثقيل، إذ بالكاد حصل على أكثر بقليل من 4% من الأصوات في انتخابات 2018.
وفق ميلوني، “البلد بحاجة إلى حكومة من الناس الأحرار، الذين ليس لديهم أسياد، ولا يمكن شراؤهم. أستطيع أن أقود مثل هذه الحكومة”. انطلاقاً من شعارها “الله، البلد، العائلة”، تلتزم ميلوني بمبادئها الثابتة: “أنا جيورجيا، أنا امرأة، أنا أمّ، أنا مسيحية”.
استطاعت ميلوني استقطاب مؤيدين كثر، وهو أمر يصير أكثر وضوحاً مع كل إطلالة علنية لها حيث  يتحول إعجاب المؤيدين إلى حماسة وهم يهتفون “بارك الله فيك يا جورجيا”. وحتى المتقاعدين، لا  يترددون في الاشتباك مع رجال أمن للاقتراب منها أو الركض خلف سيارة “الزعيم” بحثًا عن توقيع منها أو صورة سيلفي.
أمام مؤيديها، تتغلّب ميلوني على تعبها فتبدو واثقة بكلماتها وتصرّفاتها، وصريحة.
برنامجها الانتخابي واضح: رفض سياسة الهجرة لوزيرة الداخلية لوسيانا لامورغيزي. مهاجمة السياسة الاقتصادية لدراغي. وعد بإعادة التفاوض على خطة الاسترداد الأوروبية وإعادة التنقيب عن الغاز في البحر الأدرياتيكي المجاور. الدفاع عن الصناعات المحليّة وتحرير طاقات الشركات من قيود الضرائب وتفضيل الجدارة على المحسوبية.
وتضيف: “نعم للعائلة الطبيعيّة، لا لجماعات مجتمع الميم. نعم للهوية الجنسيّة، لا للأيديولوجيا الجندرية، نعم لثقافة الحياة، لا لثقافة الموت”.
وستكون ميلوني، في حال فوزها، المرأة الأولى في تاريخ إيطاليا التي تتمكّن من تبوؤ  منصب رئاسة الوزراء. إلا أن الناشطين الإيطاليين لم يتّفقوا على فكرة تولّيها أعلى منصب سياسي، إذ برز المؤيد والمعارض. فمنهم من اعتبر أن وصول امرأة إلى سُدة المسؤولية سيكون حدثاً فريداً ومنهم من أبدى قلقه لوصول اليمين المتطرّف إلى الحكم.
إلا أن رسالة اطمئنان من المستشار المقرّب لميلوني والمؤسس المشارك للحزب غويدو كروسيتو، وعد بأن تكون ميلوني “أماً للبلد وحامية للقوانين”، مضيفاً: “قبل عشر سنوات، كانت مهتمة كثيراً بالقضايا الاجتماعية. اليوم، أصبحت ميلوني أكثر حساسيّة تجاه قضايا العمل والاقتصاد واستراتيجية الشركات الإيطالية”.
حتى أن  الفاتيكان، بدأ يتأقلم مع فكرة “ميلوني رئيسة للوزراء”. وفق محلّلين، هناك “انسجام قوي” بين مواقفها ومواقف الفاتيكان.
حافظ الحزب اليميني المتطرّف على “تماسكه”، فهو بقي على مسار واحد طوال هذه السنوات وبالأفكار نفسها، حتّى أن ميلوني رفضت التضحية بمبادئها من أجل تسوية سياسية. وفي كل محطة سياسيّة، كانت تفضّل المعارضة. وبالتالي، سمح هذا الخيار الاستراتيجي لـ”فراتيلي إيطاليا” بجذب الناخبين المترددّين.
روسيا مرحّبة؟
إلا أن ما يزيد من علامات الاستفهام في ايطاليا الحديث عن “دور” روسي وترحيب بانتقال قيادة السياسة في روما إلى اليمين.
حليف ميلوني المندّدة بالهجوم الروسي على أوكرانيا، ماتيو سالفيني، له علاقات وثيقة بروسيا. فهو ارتدى سابقاً قميصاً تحمل صورة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وفي أوائل حزيران (يونيو)، كان عليه أيضاً الدفاع عن نفسه بعد الكشف عن أنه تناول العشاء، في الأول من آذار (مارس) مع السفير الروسي في إيطاليا، بعد أيام فقط من بدء الحرب في أوكرانيا.
دراغي “المستقيل” والمعروف بموقفه الحازم ضد روسيا، وافق على إرسال أسلحة إلى كييف ودعم العقوبات الأوروبية ضد موسكو. وفتحت استقالته باب التساؤل عن مدى “نفوذ” موسكو في الشأن الإيطالي الداخلي، وإعجاب السياسيين بشخصية بوتين!
وفي مقال عبر وكالة “بلومبرغ” أشارت الكاتبة ماريا تايدو إلى أن “ميلوني رئيسة حزب “فرتيلي “، وحليفها النائب في البرلمان الأوروبي سيلفيو برلسكوني، “صديق بوتين”، ما يعني أن برلسكوني “سيلعب دوراً مركزياً في مثل هذه الحكومة”.