غداً ذكرى جبران تويني: كيف لا نسأل عن السيادة؟ المصدر: النهار العربي نبيل بومنصف

الشهيد جبران تويني.
المصدر: النهار العربي
نبيل بومنصف
نبيل بومنصف
  تصادف غداً الإثنين الذكرى السابعة عشرة لاغتيال جبران تويني احد ابرز الصحافيين اللبنانيين الذين صنفوا في خانة متقدمي شهداء الحريات السياسية والصحافية في مسار نضال اللبنانيين ضد الوصاية السورية وهيمنة السلاح غير الشرعي على الدولة ورمز الصحافة العريقة التي تجسدها صحيفة “النهار” اللبنانية. لا تختلف الظروف المتعاقبة منذ اشتعل في لبنان أوار أسوأ حرب اغتيالات متعاقبة عرفها بعد الحرب من حيث انعدام تحقيق العدالة وكشف فصول تلك الحرب الإجرامية العاتية التي توالت فصولها الاجرامية حتى قبل عامين مع آخر شهداء هذه الحرب الناشط والكاتب والناشر لقمان سليم الذي لقي مصيراً قاتلاً في منطقة الجنوب اللبناني. ولكن ما تحمله السنة الحالية، مع ذكرى اغتيال جبران تويني، من تداعيات ثقيلة في مسار أزمة لبنان إن على الصعيد الوطني السيادي المطلق وسط انهيار تتوالى فصوله للسنة الثالثة منذ انتفاضة  17 تشرين الأول (أكتوبر) 2019 أو على صعيد أزمة الفراغ الرئاسي التي بدأت منذ بداية تشرين الثاني (نوفمبر) الفائت يعيد بقوة الى واجهة المشهد السياسي والوطني اللبناني مسألة “المقاومة السيادية” اذا صح التعبير التي كان جبران تويني منخرطاً في كل يمت اليها بصلة إن عبر مهنته الاصلية كصحافي متمرس ورئيس مجلس إدارة اكبر صحيفة وأعرقها في لبنان “النهار”، وإن عبر مراسه الناشط سياسياً كركن ورمز أساسي من أركان الحركة السيادية التي جسدتها انتفاضة الأرز في 14  اذار  (مارس) 2005.
مع السنة السابعة عشرة لغياب جبران تويني بعد تصفيته الوحشية لا يبدو المشهد السيادي اللبناني في أحسن أحواله، ولا تبدو آفاق إعادة توحيد القوى السيادية أمام فرصة جدية وحاسمة، كما كان يفترض أن يحصل في ظل التقهقر الكبير الذي ضرب هذه القوى وجعل ميزان القوى الداخلي المختل أساساً لمصلحة القوى المنخرطة في محور الارتباط بايران والنظام السوري يتفوق في الهيمنة المستدامة على السلطة والمؤسسات مستفيداً من عهد الرئيس السابق للجمهورية ميشال عون.
مع نهاية عهد عون، سجل تطور يتيم إيجابي في مسار الصراع السيادي مع محاولات فرض رئيس جديد للجمهورية يكون من الخط السياسي إياه والانتماء الإقليمي إياه لمحور “الممانعة” عندما تمكنت القوى السيادية الحزبية التقليدية التي تضم كلا من أحزاب “القوات اللبنانية” والكتائب والوطنيين الاحرار والتقدمي الاشتراكي أن تتوحد في تقديم مرشح واحد للرئاسة هو النائب ميشال معوض، ابن الرئيس الأول الذي انتخب بعد ابرام اتفاق الطائف رينيه معوض وسقط شهيد اغتيال إجرامي أيضا قبل ان يتسلم مقاليد الرئاسة فعلاً. نجح السياديون في جعل ترشيح ميشال معوض عنوان أحدث محاولة لتوحدهم من جهة ورفع الالتزام بأصول الديموقراطية والتنافس الديموقراطي والحفاظ على الدستور عنونا للمعركة الرئاسية من جهة أخرى. مع ذلك وبعد مرور تسع جلسات انتخابية عقيمة من دون التمكن من تغيير مسار الاستحقاق الذي يواجه انسداداً سياسياً وتداعيات سلبية للغاية سيواجه الصف السيادي مجدداً التحدي الأقوى مع السنة الجديدة بحيث سيتعين عليه التنبّه لمحاذير السقوط في الشرذمة مجدداً او محظور تكرار عقد صفقة بالغة الخطورة على غرار التسوية التي أوصلت ميشال عون إلى قصر بعبدا وكانت نتائجها مدمرة. والحال أن توحد السياديين وراء ميشال معوض أدى قسطاً مهماً في المرحلة الأولى من الأزمة ولكنه لا يكفي وحده للاطمئنان إلى أن أجندة السياديين ستبقى متماسكة وموحدة في قابل الأسابيع والأشهر تحت وطأة عوامل ونقاط ضعف عديدة تشوب واقع القوى السيادية. لذا تعود مع ذكرى جبران تويني ايحاءات كثيرة من مرحلة النضال السيادي الصلب في مواجهة ظروف قاهرة وسلطة احتلال ووصاية أمكن هزيمتها بقوة ذاك الإيمان الذي جسده استشهاد جبران تويني وسائر شهداء الثورة السيادية الاستقلالية. اذ ان لبنان اليوم لا يحسد على هذا النوع من السيادة الزائفة التي تظلل شكلاً واقعه فيما يعاني أسوأ الازمات جراء ربطه بمصالح خارجية تمنعه مجدداً من تحرير مصيره وإعادة بناء دولته المستقلة حقا .