التدفئة في دمشق: كل شيء يُحرق قضايا وناس دمشق ليث أبي نادر. العربي الجديد

قطع سوريون أشجاراً للتدفئة في الأعوام الأخيرة (سامر الدومي/ فرانس برس)

تقول الناشطة الإعلامية بصمة وفا التي تقطن في عشوائيات منطقة المزة بدمشق لـ”العربي الجديد” إن “الحواجز اختفت بين الغني والفقير في دمشق ومحيطها. والمال قد يجلب الحطب أو القطع التي حولها السوريون لقوالب مثل تفل الزيتون، لكن غالبية العائلات لا تستطيع فعل ذلك إلا بالحد الأدنى”. تضيف: “للمرة الأولى منذ بدء الحرب السورية سيشعل أهالي دمشق الثياب والقمامة لتدفئة المنازل، إذ ضاقت الأمور كثيراً عليهم. شخصياً حرصت على شراء ليترات قليلة من المازوت في الصيف، كلما توفرت، وأنا أشعل المدفأة لمدة لا تزيد عن نصف ساعة ليلاً حتى ينام أبنائي، وبعدها أستعين بأغطية فقط”.

وتتحدث عن أن غالبية جاراتها وصديقاتها يعتمدن على تنويم أطفالهن الصغار في وقت مبكر جداً، وبمعدل 12 ساعة كاملة، في عملية قد تنتج جيلاً خاملاً فكرياً وتخالف مزاعم أن النوم يجلب الصحة والدفء، فهذه معلومة طبية صحيحة لكن ليس لكل هذا الوقت. ويبدو أن حكومة النظام السوري علمت مواطنيها عدم التفكير وتركتهم لمصيرهم، فاختاروا النوم الباكر الذي يوفر الطعام ووسائل التدفئة، والراحة من متابعة ضغوط الحياة والتواصل الاجتماعي.
والمحروقات شحيحة أصلاً في دمشق، علماً أن حصة العائلة لموسم الشتاء كانت قبل الشحّ الحالي 50 ليتراً من المازوت بسعر 500 ليرة سورية (0.086 دولار) المدعوم لليتر الواحد، مع إضافة 50 ليتراً أخرى بسعر التكلفة 2500 ليرة (0.142 دولار)، للمحظوظين وحدهم.
ويخبر محمد خير الله الذي يعيش على حدود حي التضامن “العربي الجديد” أن “الميسورين الذين ما زالوا يستخدمون المازوت في دمشق يشترونه ممن تخلوا عن موضوع التدفئة كلياً، ويبادرون إلى بيع حصصهم المدعومة بمبلغٍ يعينهم، ولو قليلاً، في حياتهم اليومية، على مواكبة الأسعار المرتفعة. ويشتري البعض المازوت من ناس عاديين، وآخرون من كازيات (محطات محروقات) أو من صاحب منشأة صناعية توقفت عن العمل، أو من أشخاص نافذين في حكومة النظام. أما الغالبية الساحقة فنسيت المازوت كلياً، وبدأت منذ فترة غير قليلة في الاعتماد على الحطب ومخلفات محلات النجارة من قطع ونشارة خشب تشتريها بسعر غير رخيص، لكنها تتوفر نوعاً ما. والحقيقة أن أناساً يرتكبون جرائم صحية حقيقية في حق أنفسهم وأطفالهم، نتيجة قلة حيلتهم وضعف مواردهم، بعدما باتت المدافئ في منازلهم تستوعب كل شيء قابل للحرق من كرتون وبلاستيك ونايلون وأحذية مهترئة وألبسة قديمة. وثمة من يعتمد كلياً على البطانيات فقط”.

قطع سوريون أشجاراً للتدفئة في الأعوام الأخيرة (سامر الدومي/ فرانس برس)

ويبدو أن حال الدمشقيين مع الشتاء ستسجل فصلاً جديداً من الذل وقلة الحيلة، وصولاً إلى الموت إذا ضربت العواصف الثلجية العاصمة، أو وصلت درجات الحرارة إلى الصفر، من دون أي رد فعل لمن أوصلهم إلى هذه الحال.
وتقول سوسن (58 عاماً) التي تقيم في مدينة دمشق منذ أكثر من 30 عاماً، لـ”العربي الجديد”: “كنت أظن طوال حياتي أن مدفأة الحطب ببابها الزجاجي وشكلها الفاخر وزخارفها هي ترف، وكان المازوت متوفراً، وهمنا الحصول عليها للتدفئة في الشتاء، ثم دارت عجلة الأيام، وأصبح المازوت عملة نادرة لا يمكن أن نحصل عليها بسهولة، ومدفأة الحطب التي كنا ننظر بنوع من السخرية لها أصبحت حلماً. لكن اللافت أيضاً أن التدفئة أيضاً لم تعد الهم الوحيد لنا، فهناك أشياء أخرى. وبالنسبة لي قد أتحمل البرد، وأستخدم بطانية أو أشعل ما يتوفر في المدفأة، لكن الأطفال لا يستطيعون ذلك، ومن الجيد حالياً أن درجات الحرارة لم تنخفض دون الصفر في الصباح، بل اكتفت بملامسة هذه الدرجة، فنحن لا نريد أن تتجمد أطراف أصابعنا من البرد”.

ويبرر مسؤولو النظام السوري دائماً تأخير توزيع وقود التدفئة بتأخير الإيرادات، علماً أن التحكم في التوزيع يحصل عبر تطبيقي “وين” أو “تليغرام”. يتم ملء المعلومات المطلوبة، ومنها رقم البطاقة العائلية (دفتر العائلة)، وعندما يحين موعد التسليم، يتلقى المستخدم رسالة نصية تحدد مكان التسليم، ويسدد ثمن الكمية عند الاستلام.
ويقول محمد الجوهر لـ”العربي الجديد” إنه “بالنسبة إلى المواطنين، لا يتوفر وقود للتدفئة، لكنه يوجد بكثرة في السوق السوداء وبالكاد ينقطع، والسؤال المطروح لماذا ليست المادة في متناول المواطنين المحرومين أيضاً من الكهرباء، والذين لم يبقَ أي خيار لهم إلا حرق الأحذية القديمة والملابس البالية والكرتون والبلاستيك؟”.