الميلاد في سوريا: الساحات تتزيّن والبيوت معتمة وسط أزمات خانقة  المصدر: النهار العربي دمشق-طارق علي

 المصدر: النهار العربي
دمشق-طارق علي
احتفال إضاءة شجرة الميلاد في حلب. (أ ف ب)
يحلّ موسم الأعياد هذه السنة في سوريا على وقع أزمة خانقة يعاني منها السوريون في مختلف المناطق، فيما التحضيرات للأعياد تقتصر على نسبة قليلة من المواطنين ومن أولئك الذين قرروا البقاء داخل بلادهم، على الرغم من كثرة الباحثين عن فرصة للسفر.
تسأل اليوم أي سوريّ عن خططه للمستقبل، فيجيب أنه يفكر بالسفر أو الهجرة، أو يبحث عن مخرج لمشكلاته وأزماته المعيشية، إذ إن ما يشهده الداخل السوريّ اليوم، يعبر عن واقع أليم ومغرق في معاناة يصعب وصفها، فكيفما تلفت ساكن البلد يجد حوله المشاكل التي يمكن بطريقة أو بأخرى أن يكون جزءاً من حلها، فيما لو قررت السلطة مشاركته “همومها” وأسرارها والأسباب الحقيقية التي أوصلت البلد إلى هذه المرحلة السيئة.
المسؤولون في مجالسهم الخاصة يتحدثون عن الواقع الأسود وغياب الحلول القريبة، ويدعون في الوقت نفسه عبر إطلالات تلفزيونية إلى الصمود والتحدي وبأن الوضع سيتحسن في وقت قريب. لكن، كيف يمكن السكوت عن الجوع أمام مواكب السيارات المهيبة والمطاعم الفاخرة والبطون الممتلئة وسادة الحرب الذين لم يكبدوا أنفسهم عناء شرح مصدر أموالهم للفقراء الذين ما عادوا يملكون قوت يومهم.
احتفالات حمص
على رغم أن الأوضاع تزداد سوءاً يوم بعد آخر، إلا أن للميلاد في سوريا على وجه الخصوص مكانته، فجرى تزيين ساحات كثيرة وانطلقت احتفالات مبكرة في ظل تمسك فئات واسعة بعادات هذه المناسبات التي تكتسب صفة مقدسة. ورغم ذلك فإن آلاف المنازل لم تستطع هذا العام شراء شجرة العيد أو تعليق الزينة على الشرفات أو داخل البيوت.
شهدت أكثر من مدينة سورية تجمعات للمواطنين احتفالاً بالميلاد، وأقيمت صلوات كثيرة يرفعها الناس للخلاص. وشهدت حمص المدينة الوسطى (شمال دمشق 160 كلم)، المكان الذي شهد أقسى وأعنف وأشرس المعارك خلال الحرب، احتفالات لافتة، أثبتت أنّها حاضرة على خط الفرح كلما استطاعت بمعزل عن الهم العام الذي يكبل البلاد كلها.
تركزت الاحتفالات هذا العام في أحياء الأرمن والحميدية في حمص، فتشارك الناس الفرحة والتجمع والتقاط الصور والاحتفاء بـ”سانتا كلوز”، برفقة أطفالهم وكبارهم، رقصوا وتبادلوا الضحكات والفرح لساعات رغم برودة طقس هذه الأيام.
تقول ميرنا الياس، وهي سيدة كانت حاضرة لإضاءة شجرة الميلاد في حي الأرمن بحمص لـ”النهار العربي” إنه “رغم قساوة الظروف ومرارتها، إلا أننا شعرنا هذا العام ببهجة الميلاد وفرحته. لوهلة دمعت عيناي، تذكرت حمص قبل الحرب، كيف كانت تحتفل بالميلاد، وتصدر صورة غاية في الدفء عن كل سوريا”.
وتضيف: “للحظة تشعر بالسكينة، لا أصوات قصف ولا قذائف، فقط أناس يتجمعون للاحتفال. الميلاد هو أعظم ما يمكن أن يجمع الناس على المحبة والألفة والتآخي”.
بدوره يقول منتصر رافع: “أنا لست مسيحياً، ولكن من قال إنّ الميلاد للمسيحيين فقط؟ منذ ما قبل الحرب كانت تجتمع كل الطوائف في حمص للاحتفال، كان حيّ الحميدية محجاً ومقصداً للسوريين، لا تفرقة بين الناس، ولكن هذه الحرب شوهت مفاهيمنا عن المقدسات والأديان يوم صار السيف على رقاب الكل قتلاً وتنكيلاً”.
وأضاف: “نحن أهل سوريا معنيون بالميلاد كثيراً، معنيون بأصول البلد الآرامية، لغة السيد المسيح الذي ينتمي إلى بلاد الشام، رسول المحبة والسلام والإنسانية”.
وفي حمص أيضاً تقول السيدة كريستين سابا إنّ الميلاد فقد بهجته في مدينتها، “صحيح أنّ الطقوس عادت بعض الشيء، ولكن من سيعيد لنا الناس الذين هاجروا أو قضوا في الحرب؟ كيف يمكننا الاحتفال ومناظر الدمار حولنا كيفما تلفتنا، ثمة أشياء لا يمكن إصلاحها بعد أن تنكسر، قلوبنا انكسرت، فنزفت، صار القلق والخوف أقوى من البهجة الموقتة”.
“رأيت صور الاحتفالات… شيء جميل، لكنني لم أشارك بها”، يقول الموظف جورج حنون لـ”النهار العربي”، مضيفاً أنّ الفرح لا يزال رفاهية، “الناس منشغلون بتأمين قوت عائلاتهم، ماذا سنفعل حول شجرة الميلاد المضاءة وبيوتنا لا تزورها الكهرباء؟”.
دمشق حاضرة
وفي مدن أخرى، ومن بينها دمشق، أقيمت احتفالات وأضيئت أشجار الميلاد، ولكن مرارة الواقع الاقتصادي ظلت طاغية على واقع الحال، زارعةً شيئاً من التشاؤم في نفوس أناس منشغلين بفك “شيفرة” معاناتهم المستمرة.
تقول السيدة جورجينا شاهين: “لم أتوقع أن يأتي يوم لا أستطيع فيه شراء شجرة ميلاد بعد أن تلفت شجرة كانت لدينا سابقاً. الشجرة الكبيرة والمعتبرة قد يصل سعرها إلى خمسة ملايين (أقل من ألف دولار بقليل)، فكيف سنشتريها ونحن قد ألغينا اللحم من قاموس غذائنا؟”.
وتضيف لـ”النهار العربي” أنّ الواقع الصعب اليوم يفرض نفسه على الجميع، “نعم هناك نوعيات أشجار صغيرة ورخيصة نسبياً، ولكنها ليست جميلة ولا تعطي انطباعاً عن الميلاد كما نعرفه”.
ومما لا شك فيه أنّ هناك تبدلاً طرأ على الميلاد بين عام وآخر، وتبدلت بعض طقوسه، فصار الاحتفال أكثر صعوبة، وزينة المنازل أقل بفعل التكلفة المرتفعة للغاية.
“سانتا كلوز”
“كنا نشتري هدايا نعطيها لشخص يرتدي ملابس “سانتا كلوز” ثم يأتي إلى منزلنا في العيد ليفاجئ أطفالي ويعطيهم الهدايا، أما هذا العام فلم نستطع فعل ذلك، لم يعد ثمة شيء رخيص أبداً، بالكاد أملك ما يكفي من المال لأصرف على أسرتي”، يقول المهندس جوني ضاهر لـ”النهار العربي” متذمراً من الأوضاع ومن سؤال أولاده متى سيزورهم “سانتا كلوز”، ويجد نفسه عاجزاً عن سوق حجج منطقية لأطفاله، فكيف، بحسب تعبيره، سيشرح لهم أنّ اقتصاد البلد المتهاوي انعكس بأشد صورة على مدخوله من عمله الخاص، وأنّه ما عاد قادراً على إسعاد أطفاله ولو بالشيء البسيط الذي كان متاحاً في سنوات خلت.
 
أشجار مضاءة في بلد معتم
بالنسبة إلى سونيا عبود، التي تعمل في مجال الترجمة، كان ردها أيضاً مملوءاً بالتذمر الممزوج بالسخرية، وتقول: “حقاً أضاؤوا بعض الساحات وبعض الشوارع، وعلقوا الزينة؟ يا لسعادتنا الكبيرة، ثمة مشكلة حقيقية بيننا وبين إضاءة بعض الزينة في بعض المواقع التي رُفعت فيها”.
وتضيف ساخرة: “ما هذا الانفصال عن الواقع، لا نرى الكهرباء في منازلنا، دقائق فقط خلال يوم كامل، ثم بكل غرابة يضيئون الشوارع؟ ماذا تريد الجهات الراعية أن تقول لنا؟ اشبعوا احتفالات، بينما تجتمع حكومتنا العتيدة لتصدر قرارات جديدة تضيق الخناق علينا أكثر”.
فرح السوريين!
تبقى التساؤلات عن فرح ينتظره السوريون ليتلقفوه مجتمعين كما في الأيام الخوالي، عن بلاد تحتفل بالميلاد رغم العتمة الطاغية على البلاد، إلا لبعض الزينة في الشوارع، عن فرح يشتهيه السوريون، كما كان تماماً في آخر ميلاد مر عشية الحرب، لطقوس ميلاد عام 2010، وكل السنوات التي سبقته.
ورغم ذلك يجمع الميلاد السوريين في إحياء طقوس الأيام المقدسة والتي تحاكي بلادهم من دون حرب متناسين للحظات أو لساعات أن ما قبل الاحتفال وما بعده واقع أسود يلف يومياتهم ويحيط بتفاصيلهم حارماً إياهم كل سبل العيش… إلا تلك التي لا تكلف شيئاً، كصلاة أو ابتسامة أو جلسة سمر عائلية.