اختصاصية فرنسية: الرئيس الروسي مستمر في الهروب إلى الأمام تاتيانا كاستويفا جان: مصير الحرب في أوكرانيا سيحدد مصير بوتين شخصياً. الشرق الاوسط

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اليوم (أ.ف.ب)
باريس: ميشال أبو نجم

تُعدُّ تاتيانا كاستويفا جان من أبرز الباحثين في الشأن الروسي بفرنسا، وهي تدير «مركز دراسات روسيا والدول المستقلة حديثاً»، التابع ﻟ«المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية» الذي يُعد أحد أبرز مراكز البحث على الصعيد العالمي.

وفي موضوع مطول نشرته في صحيفة «لوموند» الفرنسية المستقلة، تسلط الباحثة الضوء على سياسة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والحرب التي أطلقها على أوكرانيا في 24 فبراير (شباط) الماضي ودوافعها العميقة، والأسباب التي تجعله مصراً على مواصلتها مهما يكن الثمن الذي يتعين عليه دفعه في الداخل والخارج.

ترى الباحثة أن بوتين «مستمر في الهروب إلى الأمام». والإشكالية الرئيسية التي تتبدى من خلال مراجعة التطورات التي حدثت منذ نحو 11 شهراً وحتى اليوم، تبين أن بوتين «لا يأخذ في الحسبان الحسابات العقلانية والموازنة بين الخسائر والمنافع، بل تقوده نزعة متأصلة من كرهه لأوكرانيا؛ تحوّلت إلى هوس، وللغرب بشكل عام، وهو كره يتجذر مع مرور الوقت».

ولأن هذا هو واقعه؛ فلا فشل هجومه على كييف في بداية الحرب، ولا الصعوبات التي يواجهها في فرض سيطرة قواته على منطقة الدونباس، ولا أعداد القتلى بالآلاف من قواته، ولا العقوبات الغربية التي تكبّل الاقتصاد الروسي، جعلته يعيد النظر في هذه الحرب التي يبدو أكثر فأكثر أنه قد يخسرها بسبب الدعم اللامحدود الذي يقدمه «الغرب الأطلسي» لأوكرانيا؛ سياسياً ومالياً؛ وخصوصاً عسكرياً. وتؤكد تاتيانا كاستويفا جان، أن هدف بوتين الذي لا يتغير هو «الاستيلاء على أوكرانيا، وإلحاق الهزيمة بشكل غير مباشر بالغرب».

ترى الباحثة أن 3 أسباب رئيسية تبرر هروب بوتين إلى الأمام: أولها «اعتباره أن مصير الحرب سوف يقرر مصير روسيا ومصيره الشخصي»، ومصير الطموحات التي حملها وعنوانها: «إعادة الاعتبار لروسيا وتعزيز مواقعها بمواجهة الغرب والولايات المتحدة تحديداً، وضرب هيمنتها على العالم»، فضلاً عن أن صراعه مع الغرب «نزاع حضاري». وفي العديد من خطبه، يشدد بوتين على أن الغرب استكمل ما فعله بالاتحاد السوفياتي، وأضعف روسيا لفترات طويلة. ولذا؛ فإن التكلفة والخسائر التي تدفعها روسيا في هذه الحرب؛ بما فيها البشرية، «يمكن تبريرها في النظرة التاريخية؛ لأنها تندرج في ما بدأه قياصرة روسيا منذ مئات السنين». وفي المحصّلة؛ فإن هذه الحرب «لم يكن ممكناً تلافيها»، مما يبرر أن «بوتين هو من فضّل أن يضرب أولاً».

السبب الثاني في هروب بوتين إلى الأمام، يتمثل في قناعة بوتين، رغم الهزائم التي لحقت بقواته حتى اليوم، بأنه «قادر على الانتصار؛ لأنه لا يمكن لقوة نووية كروسيا أن تُهزم». وفي سردياته، يستعيد الرئيس الروسي أدبيات الحرب التي خاضتها روسيا بقيادة ستالين ضد ألمانيا النازية، بالتركيز على أنها حرب وجود. وبالتوازي؛ يبدو بوتين مطمئناً للدعم الذي يتلقاه في الداخل؛ وبالتحديد دعم النخبة الروسية. لكن هذا الواقع لا يمكن أن يغطي على الانقسامات التي برزت داخل قياداته العسكرية، والتي ظهرت من خلال إقالة قادة كبار لفشلهم في المعارك. لكن الباحثة تنبه إلى أن مزيداً من الخسائر الميدانية، سيضاعف الضغوط الداخلية على بوتين.

أما السبب الثالث؛ فتعيده الباحثة إلى أن بوتين لا يكنّ للغرب أي احترام أو تقدير، والدليل على ذلك أنه يعمل على إحداث انقسامات داخله، وفي جناحه الأوروبي بوجه خاص، إنْ من خلال الضغط عبر مبيعات الغاز والنفط، وإنْ من خلال رشوة بعض الشخصيات والأحزاب الأوروبية، والتعويل على تمرد دول مثل المجر…

وإذا كان ضم 4 مناطق أوكرانية رسمياً (دونيتسك، ولوغانسك، وزابوريجيا، وخيرسون)، كان غرضه وضع الغرب أمام واقع جديد، فإن في وسع بوتين اللجوء إلى أسلحة جديدة؛ كإعلان الحرب رسمياً، أو التعبئة العامة، إنْ على كامل الأراضي الروسية أو في المناطق الحدودية وإغلاق الحدود، أو عبر التهديد باللجوء إلى السلاح النووي التكتيكي، إضافة إلى ما يقوم به منذ شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي من استهداف البنى التحتية المدنية ومحطات الكهرباء والمواصلات في أوكرانيا…

تبدو الباحثة الفرنسية متأكدة من أن بوتين «لن يتراجع أو ينكفئ»؛ الأمر الذي يطرح على واشنطن والعواصم الغربية سؤالاً رئيسياً؛ هو: إلى أي حد ستبقى المجموعة الغربية – الأطلسية متماسكة وعازمة على دعم أوكرانيا في مواجهة التصعيد الروسي بما فيه النووي؟ خصوصاً أنه لا شيء في الأفق يشي بوجود مبادرة تفضي بالطرفين إلى العودة لطاولة المفاوضات، بالنظر إلى تباعد المنطلقات والأهداف، ولغياب وسيط قادر على التقريب بين الفريقين المتواجهين.