الجزائر: قانون يحظر الإضراب بالجيش والأمن وارتباط النقابات بالسياسة نقاشات بين من يرى الخطوة ضرورية ومن يعتبرها تعدياً على الحقوق والحريات علي ياحي مراسل. اندبندنت عربية

مسيرة لرجال الشرطة عام 2014 أمام القصر الرئاسي في الجزائر (رويترز)

يبدو أن “تمرد” رجال الشرطة في أكتوبر (تشرين الأول) 2014، لا يزال محفوراً في أذهان الجزائريين، بعد القانون الجديد الذي يحظر الإضراب في الجيش والأمن والمؤسسات السيادية، وبين مرحب ومنتقد به، يبقى وضع حد للاستعمال غير القانوني للإضراب وتحقيق الأمن والاستقرار من أهم أهداف هذه الخطوة.

قوانين تمنع وتحظر

وتضمنت مسودة القوانين الجديدة التي أحالتها الحكومة إلى البرلمان، نصوصاً وتدابير تمنع أي إضراب مهما كانت أسبابه في المؤسسات النظامية، كالجيش والأجهزة الأمنية والمؤسسات الحيوية والسيادية، إلى جانب قانون يخص إنشاء النقابات العمالية يشدد على فصل النقابات عن أي نشاط سياسي أو ارتباطات حزبية.

ويحظر القانون الذي ينظم الحق في الإضراب ونزاعات العمل، كل أنواع التنظيمات النقابية والمطلبية في مؤسسة الجيش والأجهزة النظامية والحساسة، ويمنع اللجوء إلى الإضراب في مجالات الدفاع والأمن أو من قبل المستخدمين الذين يمارسون وظائف السلطة باسم الدولة في القطاعات الاستراتيجية والسيادية، والمصالح الأساسية ذات الأهمية الحيوية للأمة، التي قد يؤدي توقفها إلى تعرض حياة المواطن أو سلامته أو صحته للخطر أو من المحتمل أن يؤدي الإضراب من خلال آثاره إلى أزمة خطيرة.

تمرد وخيانة

ولم تمر مسودة القانون من دون أن تترك وراءها نقاشات بين طرف يرى أن الخطوة ضرورية في ظل السياق الأمني الدولي، ومن يعتبر الأمر تعدياً على الحقوق والحريات، وقال الحقوقي عابد نعمان إنه “من حيث المبدأ لا يعتبر العسكري موظفاً ولا عاملاً نظراً لطبيعة وسبب وجود العسكري في المنظومة الاجتماعية منذ القدم، لا سيما حماية المجموعة البشرية التي ينتمي إليها، وكانت هذه المهمة من دون مقابل من باب الانتماء سوى الغنائم، وتطورت المسألة بظهور الدولة الحديثة في القرن الـ16 إلى أن أصبح الجندي يتقاضى راتباً، ما يجعله ينصاع حباً وانتماء لأوامر القادة ولسياسة الدولة وقانونها الأساسي”، وأوضح أن هذا في حد ذاته طبيعة حيوية استراتيجية للأمة تتعارض شكلاً ومضموناً مع ما للمدني من حق بالإضراب سواء كان موظفاً أو عاملاً.

أضاف نعمان أن هذا الحق ناتج عن النزاعات الخاصة بين الفئات في تصادمها بين رئيس ومرؤوس، وبين رب عمل وعامل في إطار التعاملات والمعاملات للسير الحسن للحياة المدنية بمختلف صورها، مبرزاً أن “العسكري مرتبط بالشق الأمني للمجموعة البشرية ولا يمكن أن تتقاذفه أمواج الصراعات السياسية والنزاعات المدنية الناتجة عن تصادم الفئات، ليصبح لقمة سائغة لدى الأنظمة المعادية تحت غطاء الإضراب الذي يتعارض مع مبدأ الانضباط العسكري العام، لأن هناك ما يعرف بمخالفة التعليمات في شقها البسيط والفردي للعسكري”، ولفت إلى أن “الأمر لو يتم جماعياً يصبح تمرداً وخيانة سواء تمت السيطرة على آثارها أم لا”.

مبرر الحقوق والحريات

وتابع الحقوقي أن خلفية الفلسفة المعادية واعتبارها معادية لمفهوم الدولة الوطنية ناتجة عن التطرف باسم حقوق الإنسان وحرية الفرد، وهي أقصى ما ذهبت إليه الديمقراطية المتطرفة، وأضاف رداً على الذين يعتبرون الخطوة مساساً بالحريات والحقوق أن هذه الثغرة يعتمد عليها الجناح الديمقراطي المتطرف، أي باسم حقوق الإنسان، وهو ما يستهدف القضاء على شعور الانتماء بين العسكري والدولة، وهذا يعني إباحة خيانته، إذ تصبح العلاقة في نظر هؤلاء وظيفية أو علاقة عمل، وهو ما يتعارض مع طبيعة العسكري التي وجدت منذ القدم وحمتها الشرائع السماوية والقوانين، وبالتالي لا مجال لاستباحة الخيانة بمبرر الحقوق والحريات.

 

من جانبه، رأى أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بريك الله حبيب أن الحكومة تستهدف إعادة ترتيب بيت المؤسسة الأمنية بكل أصنافها ومنح الهيبة التي تليق برجل الأمن والمؤسسة الأمنية، وتفادي ما وقع مع احتجاجات ومسيرة رجال الشرطة عام 2014، كما أنها تسعى إلى تحسين الأوضاع الاجتماعية والمهنية لمستخدمي المؤسسات الأمنية بكل أصنافها ورتبها في إطار قانوني.

قانون من دون أسماء المؤسسات والوظائف

وفي حين لم يذكر نص القانون أسماء المؤسسات والوظائف التي يحظر فيها ممارسة حق الإضراب، وهو ما ترك الأبواب مفتوحة أمام استجابة محتملة لبعض الانشغالات ومقترحات نواب الشعب، يبقى منع تكرار إضراب ومسيرة رجال الشرطة التي شهدتها العاصمة الجزائرية للمرة الأولى في تاريخ البلاد أهم أسباب تحرك الحكومة.

ونظم، في 14 أكتوبر 2014، عناصر الشرطة مسيرة مفاجئة من مقر ثكنة لقوات التدخل إلى مقر رئاسة الجمهورية وسط العاصمة، حيث اعتصموا هناك للمطالبة برحيل المدير العام للأمن آنذاك عبد الغني الهامل الموجود حالياً في السجن بتهم فساد، والسماح لهم بتأسيس نقابة مهنية وتحسين أوضاعهم الاجتماعية.

كما عرفت البلاد في مايو (أيار) 2021، تظاهر أعوان الحماية المدنية قرب مقر رئاسة الجمهورية في العاصمة رافعين مطالب اجتماعية ومهنية، وهو الاحتجاج الذي قالت الحكومة بشأنه “تم إغراق النشاط النقابي واستغلاله من بعض الحركات المغرضة التي تريد زرع الفتنة، والتي سبق أن تم رصدها وإدانة مخططاتها”، كما اعتبرته الداخلية “مخالفاً للقانون ومدفوعاً من أطراف عدة لها حقد على الجزائر وبأجندات مغرضة”، بينما دعا الرئيس عبدالمجيد تبون إلى حوار مع الشركاء الاجتماعيين لتهدئة الغضب.

طلب رئاسي

وسبق أن طلب الرئيس تبون من الحكومة تحديد القطاعات الحساسة لمنع إضراب العاملين فيها من خلال قانون جديد للممارسات النقابية يجري إعداد مشروعه، وجاء في بيان للرئاسة صدر عقب اجتماع لمجلس الوزراء أن رئيس البلاد وجه الحكومة لتأخذ في الاعتبار ملاحظات عدة بخصوص مشروع قانون ممارسة الحق النقابي، ومن بين التوجيهات أن يتضمن مشروع القانون بوضوح القطاعات الحساسة التي لا تجوز فيها الإضرابات، على أن يُعرض في اجتماعات مجلس الوزراء المقبلة، وأضاف أنه يجب تحديد بدقة متناهية ضمن القانون، اختصاصات وحدود ممارسة العمل النقابي تفادياً للتداخلات كما أثبتت التجارب السابقة.