فقر منسيّ في القامشلي السورية قضايا وناس هاتاي عبد الله البشير القامشلي سلام حسن. العربي الجديد

العمل صعب جداً في القامشلي (دليل سليمان/ فرانس برس)

يغادر الشاب الثلاثيني حسّان أحمد، بعد شرب الشاي، منزله الواقع بحيّ الهلالية في مدينة القامشلي عند الصباح الباكر، ويتوجه إلى إحدى ساحات المدينة الواقعة في ريف محافظة الحسكة أقصى شمال شرقيّ سورية، ويلفّ “الشماغ” حول رأسه للحماية من البرد، وينتظر في المكان قدوم شخص يحتاج إلى عمال ليبدأ يومه، ويكسب ما يستطيع لجلب متطلبات أسرته.
يرتدي لباس العمل ذاته في فصل الشتاء، وهو بنطلون جينز أزرق عليه بقايا إسمنت وطلاء وحذاء وسترة جلدية عمرها أكثر من 10 أعوام. وهو يخبر “العربي الجديد”، خلال مراقبته رواد الشارع، أن الأعوام الماضية كانت أفضل بالنسبة إليه، لأنه عمل في عدة ورش بناء، لكن العمل أصبح شبه معدوم قبل نحو شهرين، فيما لا يستطيع الجلوس في البيت والانتظار حتى يطرق العمل بابه، ويقول: “لا يبحث العمل عني، بل أبحث أنا عنه. في الأعوام الماضية كنت أستطيع شراء لحم الدجاج مرة أو مرتين في الشهر، أما حالياً فهذا أمر في غاية الصعوبة. لا أستطيع فعل ذلك لأنني لا أجد عملاً دائماً، ولا يتوافر غاز في بيتي أو مؤونة ليوم أو يومين. كل شيء مفقود من كهرباء وماء وغذاء، وحتى الخبز لم نعد نشتريه يومياً كما في السابق”. ومعظم من يذهبون مع أحمد في الصباح ينتمون إلى الفئة ذاتها.

بدوره، يقول خضر الإبراهيم لـ”العربي الجديد”: “الأوضاع سيئة للغاية. نعاني منذ عامين من المحن والجفاف، نحصل على أسطوانة غاز كل شهرين، وقد اشتريت قبل فترة اسطوانة بمبلغ 100 ألف (16.6 دولاراً). الوضع المعيشي سيئ، في وقت نعتمد على الزراعة المتوقفة بسبب الجفاف، وبالتالي لا مواسم، حتى إن العمل بالبناء توقف. قد أجني مبلغ 10 آلاف ليرة (1.6 دولار) الذي لا يكفي لتأمين ثمن خبز لعائلتي التي تضم 8 أشخاص، فكيف يمكن أن أوفر لهم سبل العيش، علماً أن التجار يحتكرون السلع والكهرباء مقطوعة، والبنزين غير متوافر لتشغيل المولد والحصول على كهرباء. وفي كل الأحوال لسنا قادرين على توفير ثمن الخبز حتى نحصل على بنزين. العائلات بالكاد تعيش هنا، ووجبة الطعام أصبحت صعبة المنال”.
يضيف: “قبل أيام حاول شخص سرقة كابلات كهرباء خاصة بمولّد عند مدخل حيّ المشيرفة، فصعقته الكهرباء، وأصابته بحروق بالغة وكسور. لا أعرف دوافع هذا الشخص، لكن إن كان الجوع أو البحث عن طعام لأطفاله، فلن ألومه، كذلك لن ألوم غيره، رغم أن السرقة عمل مرفوض، لكن قد يندفع شخص لتنفيذه كحل أخير ربما بسبب اليأس الشديد”.
أما أحمد خليل من منطقة القامشلي، فيقول لـ”العربي الجديد”: “لم يعد يكفيني المال الذي أتقاضاه كموظف. الكهرباء والمازوت غير متوافرين، وأنا أستدين من محلات السمانة، وهناك أشخاص أسوأ حالاً مني، وخصوصاً أولئك الذين ينتمون إلى عائلات لديها مرضى، أو تعيش في بيوت مستأجرة بعضها من دون كهرباء. لا يحصل أشخاص كثيرون على الحدّ الأدنى من الخبز ومواد التموين والخضار التي نضطر إلى شرائها بالدين، على غرار أمبيرات الطاقة والإنترنت. كل هذه المستلزمات بالغة الصعوبة”.

يترك الوضع الصعب احتياجات عدة مفقودة (دليل سليمان/ فرانس برس)

يعيش عدنان العبد الذي يسكن في حيّ الزهور بالقامشلي المعاناة ذاتها، ويقول لـ”العربي الجديد”: “يصعب الحصول على خبز، وبكميات قليلة غالباً، فيما تضم عائلتي 7 أشخاص، فكيف أعيش وأوفر الطعام لأبنائي؟”.
من جهته، يرى فاضل الحماد أن الأوضاع في القامشلي وباقي مناطق شمال شرق سورية تتجه إلى الأسوأ، ويقول لـ”العربي الجديد”: “لا أملك أي حلول لتوفير متطلبات عائلتي، حتى إذا عملت بكل طاقتي منذ الصباح وحتى آخر الليل. عائلتي في حال يرثى لها، ولا اهتمام بالمواطنين هنا، إذ تحوّلنا فعلياً إلى مجتمع طبقي تعيش فيه فئة برفاهية وأخرى تعتبر مسحوقة بالكامل، ولا تحصل على متطلباتها اليومية. نشعر بأننا في حقل تجارب، في وقت نتأقلم مع حياة بلا كهرباء ومياه وحتى خبز، وبلا عمل أيضاً. وفي هذه الفترة أحسد من غادر البلد وتنفس الصعداء، بعدما عثر على حياة كريمة”.
ويعيش سكان أحياء القامشلي تحت وطأة فقدان الخدمات، فالنظام السوري همّش مطالبهم قبل عام 2011، واليوم أيضاً لا تلقى هذه المطالب أي آذان مُصغية من إدارات “قوات سورية الديمقراطية” (قسد) التي تسيطر على المدينة، وتُنسى في الأدراج الأوراق التي يعرض فيها السكان احتياجاتهم على هيئات الإدارة الذاتية التي تسيطر على معظم أحياء المدينة.

ويتحدث ثائر (36 عاماً)، من أبناء حيّ حلكو، عن مواجهته مع باقي السكان مجموعة من المشكلات، ويقول لـ”العربي الجديد”: “لا أعتقد أن أحداً يستطيع اليوم أن يعيش من دون كهرباء 3 أيام متتالية، أو دون غاز للطهو. الطعام ذاته يتكرر على مدار الأسبوع، وتشمل الوجبات الأساسية المعكرونة والبرغل والبطاطا. أصبحنا معدمين وفقدنا كل شيء، حتى إننا لا نحصل على مساعدات إنسانية”.
وتضم مدينة القامشلي 21 حيّاً يعود تأسيسها إلى فترة الانتداب الفرنسي عام 1925، ويعيش فيها خليط من العرب والأكراد والسريان والأرمن، مع محافظتهم على عاداتهم وتقاليدهم.