كريم يونس يتحدث لـ”النهار العربي” عن ساعاته الأخيرة في سجن الـ 40 عاماً: الثوار لا يتقاعدون  المصدر: النهار العربي

الاحتفال بحرية كريم يونس
 المصدر: النهار العربي
فلسطين- مرال قطينة
  أمضى الفلسطيني كريم يونس صاحب الرقم 61444 في سجن هداريم 345600 ساعة في زنزانته، أي 14400 يوم، ما يساوي 480 شهراً.
دخل يونس السجن شاباً يافعاً طالباً في السنة الثانية في قسم الهندسة الميكانيكية في جامعة بن غوريون في بئر السبع، وخرج رجلاً يناهر الـ 64 من العمر يحاول أن يتأقلم مع العالم الذي وجد نفسه فيه، بعد سنوات لم يحضنه فيها أي شخص ولم يتمكن حتى من المشي بحرية. إنها ليست مجرد أرقام لا معنى لها، بل هي حياة فقدت ولن تعود… تمنى كريم  رؤية والدته دقيقة لا أكثر، قبل أن ترحل إلى الأبد قبل 9 أشهر بعد أن زارته نحو 700 مرة طيلة 39 عاماً ونيف.
قتل برومبيرغ
بعد اعتقال وتحقيق قاسٍ وطويل عام 1983، صدر حكم الإعدام بحق كريم ورفيقه ماهر يونس وقريبه سامي، وخفف الحكم عليهم الى السجن المؤبد، بتهمة اختطاف الجندي الإسرائيلي أفي برومبيرغ عام 1980 والمشاركة في قتله، ومقاومة الاحتلال والانتماء الى حركة التحرير الوطني “فتح”.
وفي تفاصيل التهمة التي وجهت الى يونس كما نشرتها صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، شرع ماهر وكريم بتنفيذ عملية الاختطاف بواسطة مسدس وأخذا العريف برومبيرغ من مفرق المجلس المحلي في برديس حنا في منطقة حيفا، وأطلق ماهر النار على الجندي في رأسه، ثم ألقيا جثته من السيارة وأخذا سلاحه وسلماه الى سامي العقل المدبر للمجموعة. تم الإفراج عن سامي عام 2011 خلال صفقة تبادل الأسرى المعروفة باسم شاليط ولم يكن كريم مدرجاً فيها. وعام 2012 طلب الإفراج المبكر، لكن جهاز الأمن العام “الشاباك” رفض الطلب، وذلك بالنظر الى “خطورة الجرائم” وكونه لا يزال “ينتمي الى تنظيم إرهابي هو  حركة فتح”، وبناء على رأي سري من وحدة مكافحة الإرهاب في المنطقة الشمالية وقعها المحقق “ران”، لكن في عام 2012 بعد قرار للرئيس الإسرائيلي آنذاك شمعون بيريس تم تحديد المدة بـ 40 عاماً.
للحرية طعم آخر
اختلف طعم الفرحة هذه المرة في منزل العائلة في وادي عارة في فلسطين التاريخية، بل عادت الحياة الى البلدة برمتها. حرية ممزوجة بالفرحة التي طالت وانتظرتها العائلة عمراً كاملاً، بعد انتفاضتين و5 حروب، وانتهاء نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وسقوط جدار برلين، و39 رمضاناً و10 كؤوس عالم، وبعدما تضاعف عدد سكان العالم من 4 مليارات الى 8 مليارات.
ابنة شقيقة كريم ميرفت يونس قالت لـ”النهارالعربي”: “مشاعرنا متفاوتة بين السعادة بخروج كريم ورؤيته بيننا بعد كل هذه السنوات، ومشاعر الحزن لفقدان الجدة صبحية التي انتظرته سنوات طوالاً وكانت تنتظر هذا اليوم بفارغ الصبر  وكان يجب أن تكون الى جانبه الآن”، وتابعت ميرفت: “أرى جدتي في كل أم أسير تحضر لتهنئة كريم”. وعن أول رد فعل للقاء كريم، قالت: “حضنني وقبلني وشد على يدي، كان يقوم بمقابلة صحافية لم نستطع تبادل الكلمات، لكني عدت اليه بعد انتهائه من تناول طعام الغداء وقلت له لم أشبع منك بعد، أريد أن احتضنك مرة أخرى”.
جارة كريم دلال يونس قالت: “استيقظت عند الساعة 3:00 صباحاً وقضيت الساعات الأولى بانتظار سيارة الشرطة التي ستقوم بإحضاره من السجن، هكذا توقعنا، لكن عند الساعة 5:00 فجراً حضرت أكثر من سيارة شرطة الى الشارع ووقفت بعيداً، أما والدتي المريضة التي تبلغ من العمر 88 عاماً وكانت الجارة والصديقة المقربة لوالدة كريم فقد كانت تستعد بشكل لا يوصف منذ يوم أمس، تحضر ثيابها رغم  التعب واشتداد المرض، لقد شعرت بأنها في مقام والدته التي غادرت العالم قبل أشهر من فرحتها بخروج كريم، نسيت المرض”.
 
الليلة الأخيرة في الأسر
داخل عالمه المحاصر بالأسلاك الشائكة والقضبان ورنين السلاسل، شهد كريم يونس اعتقال وتحرر آلاف الأسرى العرب والفلسطينين، ونفذ 25 اضراباً عن الطعام، وعزل وتنقل عشرات المرات بين السجون الإسرائيلية من أقصى الشمال الى الجنوب، ووقف لـ” العدد” أكثر من 40 ألف مرة، ولم يرَ الشمس ولو لمرة واحدة.
يروي كريم يونس لـ “النهار العربي” كيف كانت ليلته الأخيرة في السجن “كانت ليلة دراماتيكية بكل ما تعنيه الكلمة، لم أكن أتوقعها على هذا النحو، رغم التوقعات بأن تقوم إدارة السجون بعمل ما، فقد تعودنا على حكومة الاحتلال وسياساتها، بخاصة الحكومة الفاشية الحالية في ظل التهديدات التي تعرضت لها خلال الفترة الأخيرة”.
يتابع يونس: “قاموا بعملية إنزال على القسم عند الساعة الرابعة والنصف صباحاً، فطلبت أن أتحضر وأن استخدم الحمام، فكان الرد عليك أن تقوم بذلك بسرعة فائقة، عندما غادرت السجن، نقلوني من سيارة الى سيارة الى سيارة ثلاث مرات، كل سيارة ملتصقة بالأخرى، لم تلمس قدماي الأرض، وكأنها عملية عسكرية، اقتادوني الى مكان لا أعرفه وقالوا لي أنه موقف للحافلات، وأعطوني كل مقتنياتي التي كانت معي عند اعتقالي إضافة الى “كرت” لأستخدمه للتنقل بالحافلة، وأخبروني أني سأقوم بركوب الحافلة والذهاب وحدي الى المنزل، كانت الساعة قد تجاوزت الـ5:00 صباحاً”.
يروي يونس أنه التقى بعض العمال الفلسطينيين الذين كانوا في انتظار الحافلة للذهاب الى أعمالهم وتعرف إليهم، ويقول: “طلبت منهم الاتصال بعائلتي، اتصلت بإخوتي الذين أخبروني أنه خلال نصف ساعة سيكونون  عندي، بعد فترة خرجت من المحطة ووجدت شقيقي حكيم وزوجته حنان بانتظاري وهكذا عدت معهما الى المنزل”.
عند سؤاله لماذا كانت مشاعر القلق تغلب على رسالته الأخيرة التي كتبها قبل خروجه بأيام معدودة؟ أجاب: “المشاعر المختلطة موجودة دائماً، لكن ربما لأني مسجون منذ 40 عاماً فإن حاسة الشعور لديّ قد تكلست، عندما كتبت رسالتي الأخيرة من الزنزانة، كانت تعبر عما جال في داخلي، ليس كأسير فحسب، إنما كأسير يستعد للتحرر من القيد، قلبي كان مقسوماً بين نصف يريد البقاء مع الأسرى الذين قضيت معهم ثلثي عمري ونصفه الآخر يريد الخروج. هذا ما جعلني أكتب بالطريقة التي كتبت بها، كتبت كل ما جال في خاطري من مشاعر مختلطة تجاه تجربتي في السجن والخارج الذي ينتظرني، في الخارج عالم آخر لا يشبه عالمي … كنت أنتظر هذه اللحظة سنوات طويلة بمساعدة كل المحيطين بي حتى أتمكن من الاندماج وأتأقلم مع الواقع الجديد بأسرع ما يمكن”.
ماذا عن المستقبل؟ يجيب يونس: “ما تعلمناه في السجن كان أن قوتنا هي بوحدتنا، لذلك نتوقع من أبناء شعبنا أن يتوحدوا، لأنه ليس صدفة أن تقوم حكومة الاحتلال بتغذية هذا الانقسام، لأنها المستفيد الوحيد منه تقريباً، لذلك فهي تقوم بكل ما أوتيت من قوة للإبقاء عليه، لذلك نحن لا نقول إنها تغذيه بالتهرب من كل الاستحقاقات المترتبة عليه، لكنها تقوم بكل الانتهاكات ضد أبناء شعبنا والهجوم اليومي عليهم وممارسة القتل اليومي بحقهم”.
خلال سنوات سجنه وصل يونس الى مكانة عالية بين الأسرى الأمنيين، ساهم ذلك في ترسيخ مكانته لدى كبار ضباط مصلحة السجون الإسرائيلية، فكلماته كانت تعكس موقف الأسرى. مكث في سجن نفحة عقداً من الزمان، وفي سجن نيتسان شغل منصب الناطق باسم الأسرى الأمنيين، وكانت علاقاته جيدة مع كل الأسرى، وتمكن من الحصول على درجتي البكالوريوس والماجستير من الجامعة المفتوحة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية قبل أن تمنع السلطات الإسرائيلية الأسرى الأمنيين عن الدراسة.
ويعرف عن يونس أنه شخصية حساسة للغاية، يحب الجلوس في ركنه، ويمكن وصفه بالرقيب بسبب خبرته الطويلة خلف القضبان، كما أنه تجنب المناصب القيادية خلال السنوات الماضية.
التحريض الإسرائيلي ضد يونس 
التحريض الإسرائيلي ضد يونس لا ينتهي، بعد أن تقدمت عائلة الجندي برومبيرغ بطلب للمحكمة العليا الإسرائيلية قبل أيام من انتهاء محكوميته في محاولة لعدم الإفراج عنه كونه قتل إسرائيلياً، وأنه بعد قضاء كل هذه المدة لا يزال يشكل خطراً على المجتمع الإسرائيلي و الإسرائيليين في الشوارع.
طلب آخر تقدم به وزير الداخلية آريه درعي رئيس “حزب شاس” الديني  الذي ينتظر قراراً من المحكمة الإسرائيلية خلال الأسبوع الحالي للبت في قرار تعيينه وزيراً للداخلية، مطالباً المحكمة العليا الإسرائيلية بسحب الجنسية الإسرائيلية من كريم كونه من فلسطينيي 1948، لكنه رفض أيضاً كون كريم لا يحمل أي جنسية أخرى.
وبحسب ما نقلت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية فإن هناك توجهاً إسرائيلياً بتقديم طلب آخر لمحاكمته كونه تلقى أموالاً من وزارة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينيين، إضافة الى موجة من التحريض يقودها وزيرا الأمن القومي المتطرف ايتمار بن غفير ووزير الدفاع يوآف غالانت اللذان طالبا بإعادة اعتقال كريم يونس بحسب ما نشر موقع “واللاه نيوز” العبري.
وأوضح الموقع أن بن غفير طالب المفوض العام للشرطة الإسرائيلية ياعكوف شبتاي بإجراء تحقيق في أعقاب الاحتفالات التي رافقت الإفراج عن يونس من رفع الأعلام الفلسطينية والأغاني الوطنية، بعد أن أمر الوزير الشرطة بمنع الاحتفالات، وسيجري المفوض تحقيقاً داخلياً ويعرض نتائجه على الوزير. ويذكر أن وزير الدفاع قرر مساء السبت بسحب تصاريح 3 من القيادات الفلسطينية هم روحي فتوح وعزام الأحمد ومحمود العالول بسبب استغلالهم تصاريح الدخول الى إسرائيل وزيارة يونس في منزله وتهنئته.
وأعلن رئيس الائتلاف ولجنة الكنيست عن حزب “الليكود” أوفير كاتس  الاثنين، انه يعتزم دفع لسن قانون يقضي بسحب المواطنة أو الإقامة من الأسرى الفلسطينيين، بدعوى القيام بنشاطات أرهابية، وأن هذا التشريع سيتم بشكل خاطف وسريع خلال أسبوعين.
ومن المتوقع أن يتجاوز هذا القانون الإجراءات المتبعة في سن القوانين، بحيث لا يخضع لفترة انتظار ينص عليها قانون الكنيست بين المصادقات على القرارات، ويقضي مشروع القانون بسحب المواطنة أو الإقامة من كل “ناشط يحصل على تعويض عن تنفيذ عمل إرهابي – ويثبت تلقيه أموالاً من السلطة الفلسطينية، وسيعتبر أنه تنازل بمبادرته عن مواطنته أو إقامته وسيقوم وزير الداخلية بإلغاء مكانته، وهذا يعني أنه عند الإفراج عن الأسير سيتم إبعاده مباشرة الى مناطق السلطة الفلسطينية”.
في بلد يقتل فيه الجنود الإسرائيليون كل يوم تقريباً فتية وشباناً فلسطينيين كلهم أبرياء- يبرز السؤال الإسرائيلي دائماً لماذا يسمح للفلسطينيين بأن يروا كريم يونس بطلاً- بل أكثر من ذلك لماذا يتم السماح لهم بالفرح بإطلاق سراحه؟
في مجتمع يعتمد المعايير المزدوجة ويقدس كل جندي يقتل فلسطينياً، بل أكثر من ذلك يتوج كل جندي يرتكب جريمة حرب بطلاً، بينما لا يفهم الإسرائيليون أن كريم وأمثاله هم جنود ناضلوا من أجل التحرر الوطني – لا يفهم الإسرائيليون هذه الحقيقة ولا يشعرون بأي مشاعر أنسانية ولا يفكرون حتى بموضوعية، بكل بساطة لأنهم لا يرون في الطرف الفلسطيني سوى إرهابي لا يستحق الحياة، ويعيشون حالة مستمرة من إنكار الاحتلال وتبعاته.