لماذا كل هذا الخوف عند المعارضين السوريين من “التعافي المبكر”؟ تقارير عربية الدوحة عماد كركص. العربي الجديد

شهدت عمليات التجديد الأخيرة لآلية إدخال المساعدات الأممية إلى سورية، إقحام مصطلح “التعافي المبكر” أو “الإنعاش المبكر”، في نصّ قرار التمديد. وكان المصطلح حاضراً بالتشديد عليه في نصّ القرار الأخير الذي توصل إليه مجلس الأمن الدولي، ووافق عليه بالإجماع، الاثنين الماضي، عندما جدّد الآلية لمدة 6 أشهر، علماً أن مدة التجديد السابقة (التي كانت لستة أشهر أيضاً)، انتهت الثلاثاء الماضي، أي في العاشر من شهر يناير/ كانون الثاني الحالي.

“الإنعاش المبكر” عملية مستدامة من التعافي

وبحسب ما يشرح “برنامج الأمم المتحدة الإنمائي”، على موقعه الإلكتروني، فإن مصطلح “الإنعاش المبكر” أو “التعافي المبكر”، هو مقاربة لمعالجة احتياجات التعافي التي تبرز خلال مرحلة الاستجابة الإنسانية لأي حالة طوارئ، من طريق استخدام الآليات الإنسانية التي تتوافق مع مبادئ التنمية.

ويسمح هذا النهج، بحسب البرنامج الأممي، للناس، بالاستفادة من العمل الإنساني، لاغتنام الفرص الإنمائية وتطوير نوع من المقاومة، وإنشاء عملية مستدامة للتعافي من الأزمة. وبحسب البرنامج الأممي، فإن التعافي المبكر هو في الوقت ذاته أمران: مقاربةٌ للاستجابة الإنسانية تُركّز عبر التنسيق المعزّز على تقوية القدرة على التكيف وإعادة التأهيل، وتعزيز القدرات، والمساهمة في حلّ المشاكل المزمنة التي فاقمت الأزمة، عوضاً عن زيادتها. كذلك إن مبدأ التعافي المبكر، بحسب برنامج الأمم المتحدة للتنمية، من ناحية ثانية، هو حزمة من الأعمال المبرمجة المحددة لمساعدة الناس في الانتقال من الاعتماد على المساعدات الإنسانية إلى التنمية.

أصر الروس على تضمين أنشطة التعافي المبكر في قرارات التجديد الثلاثة الأخيرة

ويشدّد البرنامج، على أن “التعافي المبكر ليس أبداً مجرد مرحلة، بل هو عبارة عن عملية تعافٍ متعددة الأبعاد تبدأ في الأيام الأولى من الاستجابة الإنسانية”. كذلك فإنها مقاربة “تعني التركيز على الملكية المحلية وتعزيز القدرات، واختيار التدخلات بناءً على فهم عميق لظروف الأزمة لتصحيح أسبابها ومكامن الخلل من الجذور، وكذلك النتائج المباشرة للأزمة، مع تقليص الأخطار والترويج للمساواة وتجنب التمييز من خلال الالتزام بمبادئ التنمية التي تسعى إلى بناء البرامج الإنسانية وتحفيز فرص التنمية المستدامة”، بحسب البرنامج.

ويهدف التعافي المبكر، أيضاً، إلى “خلق عمليات استجابة ذاتية مرنة وبملكية وطنية لمرحلة ما بعد التعافي من الأزمة، ووضع إجراءات استعداد للتخفيف من آثار أي أزمات مستقبلية”.

تأويلات واسعة لإدخال المساعدات إلى سورية

وبناءً على ذلك، فإن مصطلح التعافي المبكر، في قرار مجلس الأمن، يرمز إلى مبدأ واسع التأويلات ويملك مروحة من الخيارات والنشاطات التي يمكن تنفيذها تحت إطار تقديم المساعدات للشعب السوري أو الجزء الأكبر منه المتضرر من الحرب، ولا سيما في مناطق سيطرة المعارضة السورية في الشمال. غير أن أنشطة التعافي المبكر التي أصرّ الروس على تضمينها في قرارات التجديد الثلاثة الأخيرة، لا تزال تستهدف المناطق التي يسيطر عليها النظام، ما يسهم في تأهيل بعض المؤسسات الخدمية أو مشاريع تلك المؤسسات التابعة لبنية النظام ومؤسساته الحكومية بشكل أو بآخر.

وينص قرار التمديد الأخير 2672 (2023) على أن مجلس الأمن “يرحب بجميع الجهود الجارية، ويحثّ على تكثيف ما يتخذ من مبادرات إضافية من أجل توسيع نطاق الأنشطة الإنسانية في سورية، بما في ذلك مشاريع الإنعاش المبكر الهادفة إلى توفير المياه وخدمات الصرف الصحي والرعاية والتعليم والمأوى والكهرباء، حيثما كانت ضرورية، لاستعادة إمكانية الحصول على الخدمات الأساسية التي تضطلع بها المنظمات الإنسانية، ويدعو الوكالات الإنسانية الدولية الأخرى والأطراف المعنية إلى دعمها”.

وتكمن الخشية في أوساط المعارضة السورية من التشديد على إقحام التعافي المبكر في قرارات إدخال المساعدات الإنسانية إلى سورية، بكونه يشكل غطاءً لعملية إعادة الإعمار التي يسعى النظام للبدء بها وتأهيل مؤسساته الخدمية والحكومية من خلالها، والإيحاء بانتهاء الحرب السورية لصالحه.

ولا تزال دول غربية، في مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية، تصر على عدم البدء بعملية إعادة الإعمار في سورية حتى الانتهاء من الحرب وفق المخرجات الأممية للحل السياسي، ولا سيما بتطبيق القرار 2254 لعام 2015، الذي لم يتوصل المجتمع الدولي حتى الآن إلى تطبيق أي من بنوده الرامية إلى إنهاء الحرب، ما زاد معاناة السوريين طوال 12 عاماً من الحرب المستمرة.

تخشى المعارضة أن يشكل الإنعاش المبكر غطاء لعملية إعادة الإعمار التي يسعى النظام للبدء بها

وكان مجلس الأمن الدولي قد اعتمد في عام 2021 مبدأ “التعافي المبكر” في سورية، أي “توفير المياه وخدمات الصرف الصحي والرعاية الصحية والتعليم والمأوى”، وهو ما يحاول الجانب الروسي الاستفادة منه للتحايل على العقوبات المفروضة على النظام. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، تخصص موسكو قسماً من المساعدات الدولية لدعم النظام اقتصادياً.

وانتقد فريق “منسقو استجابة سورية” الذي يرصد الأحوال الإنسانية في الشمال السوري، مضامين قرار التمديد، معتبراً أن النظام “هو المستفيد الأكبر من زيادة أنشطة التعافي المبكر”. ودعا الفريق المنظمات الإنسانية والمجتمع الدولي إلى “إيجاد حلول بديلة إضافية خلال المرحلة المقبلة، وذلك لغياب أي حلول سياسية للملف السوري حتى الآن”. وأشار إلى أن استمرار دخول المساعدات الإنسانية عبر خطوط التماس هو بمثابة “إعادة الشرعية للنظام السوري ورضوخ للمطالب الروسية”.

وأجاز مجلس الأمن الدولي في عام 2014 توصيل المساعدات الإنسانية إلى مناطق تسيطر عليها فصائل المعارضة في سورية من العراق (اليعربية) والأردن (الرمثا) ونقطتين في تركيا (باب السلام وباب الهوى)، لكن موسكو وبكين، اللتين تتمتعان بحق الفيتو في المجلس، قلّصتا ذلك إلى نقطة حدودية تركية واحدة (القرار رقم 2533 لعام 2020)، وهي معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا في شمال غرب سورية. كذلك نجحت روسيا بتفعيل آلية إدخال المساعدات عبر الخطوط، أي من مناطق سيطرة النظام إلى مناطق سيطرة المعارضة، وهو ما يتيح أيضاً للنظام التحكم جزئياً بعملية تمرير المساعدات إلى مناطق المعارضة أو العبث بحجمها.

البعد الإنساني أداة سياسية

يلفت المستشار الاقتصادي أسامة قاضي، إلى أن التعافي المبكر يأتي دوره عقب انتهاء الصراع أو الحرب الأهلية، بمعنى عند توقف فوهات المدافع، ولدى إقرار الحل السياسي يكون التعافي المبكر بديلاً لتقديم المساعدات للنازحين أو المتضررين من الحرب أو الصراع. ويشير قاضي، في حديث لـ”العربي الجديد”، إلى أن “التعافي المبكر جهد محلي ودولي لإعادة تأهيل البنية التحتية ووضع اللبنات الأساسية لإعادة بناء الدولة والمجتمع (بعد الحرب)، ولا سيما من الناحية المادية”.

وبرأيه، إن البعد الإنساني للتعافي المبكر يستخدم منذ سنوات من قبل الأمم المتحدة كأداة سياسية لخدمة أهداف هذه المنظمة التي تريد تعويم النظام وإعلام العالم بأن الأزمة في سورية انتهت، وأن عمليات التعافي قد بدأت بانتهاء الحرب.

ويؤكد قاضي أن التعافي المبكر لا يأتي والقصف الروسي مستمر، وقد استهدف معملاً للغاز قرب معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا (مارس/ آذار 2021). ويشدد المستشار الاقتصادي على أنه “لا يمكن اللجوء إلى هذا المبدأ مع القصف المستمر على مناطق إدلب وأرياف حلب، بما في ذلك مخيمات النازحين”، متهماً الأمم المتحدة بأنها “تتجاهل الكارثة الحالية والمستمرة لتذهب باتجاه البدء بالتعافي المبكر، لتبدو كما وأنها انتهت من الحل السياسي وعليها مساعدة الدولة القائمة في تعافيها المبكر”.

محمد صبرا: التعافي المبكر وسيلة احتيال لدعم قدرات النظام المالية

ويكشف قاضي أن خطط التعافي المبكر شملت على سبيل المثال، بناء 40 بيتاً بلاستيكياً في طرطوس الساحلية، وهي منطقة لم تشهد أي تضرر من صراع الحرب السورية، وأساساً هي منطقة تقطنها غالبية سكّانية موالية للنظام، وبالتالي إن برامج التعافي المبكر يكون وسيكون للنظام قرار فيها بالإشارة إلى مناطق تنفيذها، وضمن شبكة الفساد سيكون تحديد الأولويات في تخصيص مساعدات التعافي المبكر بيد سلطات النظام.

ويشير قاضي إلى أنه في ظلّ الدمار الذي تعرضت له مناطق سيطرة المعارضة وانتشار عشرات المخيمات في الشمال السوري، سيكون من الصعب الحديث عن البدء بعملية التعافي المبكر، معتبراً أن الترويج للتعافي المبكر، محض خيال ودعاية تخدم أهدافاً سياسية.
من جهته، يرى الخبير القانوني محمد صبرا، أن تمديد آلية إيصال المساعدات العابرة للحدود أمر حيوي وضروري لملايين السوريين الذين يعيشون في شمال سورية والذين يفتقدون أي تدفقات مالية مستمرة تكفي لسد احتياجاتهم الخدمية والمعاشية. ويعتبر صبرا أن “هذه الآلية التي استطاعت روسيا ابتزاز مجلس الأمن عبرها، وتقليصها من 4 نقاط وصول إلى نقطة واحدة، هي معبر باب الهوى، تبقى السبيل الوحيد والضروري لإرسال بعض المساعدات المعيشية”.

ويشير الخبير القانوني في حديث لـ”العربي الجديد”، إلى أن محاولات الروس والنظام للاستيلاء على بعض الأموال المخصصة للمساعدات الإنسانية تحت مسمى “التعافي المبكر”، تأتي من حقيقة فقدان النظام للأموال اللازمة لتغطية تكلفة الخدمات وإعادة تشغيل البنية التحتية في المناطق التي يسيطر عليها. ويذكّر صبرا في هذا الإطار، بأن النظام يوجه كل الأموال المتاحة له للاستمرار في تغذية آلته العسكرية، بينما يترك المواطنين السوريين الذين يقطنون في المناطق الواقعة تحت سيطرته تحت سيف العوز والاحتياجات الأساسية من ماء وكهرباء ورعاية صحية.

ويشير صبرا إلى أن تسويق روسيا لمصطلح “التعافي المبكر”، ارتبط بنهاية العمليات العسكرية الكبيرة في شمال سورية ووسطها وجنوبها، وذلك يعود في حقيقته إلى أنه على هامش العمليات العسكرية، كان النظام يستفيد من جزء كبير من الأموال، ولا سيما من العملة الصعبة (الدولار الأميركي)، التي كانت ترسل إلى الفصائل العسكرية، حيث يعلم الجميع وجود خطوط تجارة نشطة بين مناطق النظام ومناطق سيطرة الفصائل العسكرية في شمال سورية وشرقها وجنوبها.

ويلفت صبرا في هذا الصدد، إلى أن وقف التدفقات المالية للفصائل، أسهم إلى حد كبير بتقلص الأموال التي كانت تتسرب إلى النظام عبر خطوط القتال، ولذلك تحاول روسيا والنظام الاستيلاء على الأموال المخصصة لإغاثة ضحايا التهجير والقتل الذي مارسه النظام، وتحويلها لدعم قدرات النظام المالية على الاستمرار في معركته.

ويشدّد صبرا على أن هذا الأمر “مشين”، لأن تخصيص جزء من أموال المساعدات الضرورية لحياة الناس، إلى مؤسسات النظام تحت عنوان التعافي المبكر، يمثل في جوهره تقديم مساعدة من الباطن للنظام، ليستطيع أن يبقي على الكتلة النقدية المتاحة تحت يديه في تمويل مجهوده الحربي، بينما تتولى الأمم المتحدة والمانحون توفير ما يلزم لتشغيل مؤسساته الخدمية. ولهذه الأسباب، يمكن، بحسب الخبير القانوني، اعتبار مصطلح التعافي المبكر وسيلة احتيالية لدعم قدرات النظام المالية، مشدّداً على أن “لا علاقة للتعافي المبكر بالحل السياسي أو بتوفير البيئة اللازمة لإطلاق عملية سياسية جادة”.