“سيرياتيل” و”mtn” تحتكران خدمات الخليوي وتتحكمان بحياة السوريين  المصدر: النهار العربي دمشق-طارق علي

مكتب لـ”سيرياتيل”.
مع الأزمات المركبة التي تعيشها سوريا من فقدان لكل المواد الأساسية والخدمات الضرورية، يأتي سوء المشغليْن الخليوييْن الوحيدين “سيرياتيل” و “mtn” وتردي خدماتهما ليضفي جانباً قائماً على أبسط  الخدمات وأكثرها أهمية في آن.
والسؤال البديهي هنا: لماذا سيكون على الشركتين المشغلتين لشبكة الخليوي التنافس على توفير خدمات للمشتركين إذا كانتا وحيدتين في الساحة؟، بخدمات أو من دونها، سيتعامل معهما السوريّ مضطراً ومرغماً وكارهاً و”كاسراً” ألف بصلة على أنفه الذي تهشم بفعل ما تكسر عليه من بصل حتى بات هو نفسه عزيزاً في الأيام القليلة الماضية بعد أن وصل سعر الكيلو منه قرابة 5 آلاف ليرة سورية (أقل من دولار واحد بقليل). فماذا سيكسر السوريّ على أنفه في الأيام المقبلة ليرضى بالحال المأسوي الذي يلفّه، ولو سأل سائل الحكومة هذا السؤال، فبلا شك ستقول: ليكسر “الكيوي”، ذلك أنّ حكومة دمشق وصلت مرحلة غير مسبوقة من التعنت والرفض والإنكار وعدم التصالح مع الذات، وصارت بحدّ ذاتها وبمفهومها الدستوري والسياسي والتنفيذي والسلطوي عبئاً على معدات السوريين الجائعة، وجيوبهم الفارغة.
تحكم السلطة وغياب المنافسة
وبالعودة الى ملف شركات الاتصال المحمول فإنّه وفي ظل طغيان تحكم السلطة بواقع الاتصالات وعدم فتح الباب لمشغلات جديدة باستثناء الحديث المتجدد عن شبكة “وفا تيل” التي يفترض أنّه كان مخططاً لها أن تبدأ عملها عام 2022 وتكتسح السوق نظراً للإمكانات والتسهيلات التي ستعطى لها، ولكن ذلك لم يحصل رغم تأكيدات متتالية من مسؤولين معنيين حينها، وهذا بحد ذاته ملف آخر.
المهم في الأمر أنه وحتى افتتاح تلك الشركة “الميمونة” فإن الشركتيْن الوحيدتين في سوريا “سيرياتيل” و “mtn” تقدمان أسوأ خدمات يمكن تصورها وصولاً إلى انعدام التغطية في معظم فترة انقطاع التيار الكهربائي التي تتجاوز 22  ساعة في بعض المناطق، ما يجعل إجراء المكالمات وتصفح الإنترنت مستحيلاً، ذلك أنّ أبراج تغطية الشبكتين يرتبط عملها بالكهرباء من جهة، وبالبطاريات الكبيرة من جهة أخرى. ويقول المعنيون إنّ البطاريات تلك وبسبب انقطاع التيار الكهربائي لا تتمكن من شحن نفسها بشكل كافٍ ليتوافر استمرار التغطية، وهذا ما يقود نحو السؤال الكبير، لماذا إذاً تتقاضى الشركتان أجوراً فلكية بالنسبة الى السوريين مقابل خدمات معدومة؟، وطالما أنّها أساساً تتقاضى تلك الأجور فلما لا تجد حلولاً لشحن بطارياتها؟، أو تؤمن خطوط تغذية كهربائية مستمرة لتلك الأبراج؟.
 
هذا الموجود
من نافلة القول إنّ ذلك مفهوم، فكيف سيتجسد الفساد المتمترس في تفاصيل السوريين لو توافرت التغطية؟، ولما ستكبد الشركات أنفسها عناء إيجاد الحلول في ظل غياب المنافسة؟.
من المعروف أن إحدى حوامل أيّ بلد هي الاتصالات، وبغيابها سيجد المجتمع نفسه أمام مشاكل حقيقية تؤثر على يومياته والتزاماته وصولاً إلى حدّ الخطر الذي قد يهدد حياته. كل ذلك يحمّل المواطن أعباء كبيرة مرتبطة بغياب خدمة رئيسية يعتمد عليها في أبسط تفاصيل يومياته وأكثرها تعقيداً أيضاً.
الحالات الطارئة
عبد الكريم سليمان مهندس يعيش في دمشق مع والدته التي أصيبت بأزمة قلبية كادت تودي بحياتها صيف العام الفائت، وعندما هرع لنجدتها وجد نفسه غير قادر على الاتصال بالإسعاف، ويقول: “سقطت أمي في المطبخ، ركضت نحوها فوراً، كانت شبه غائبة عن الوعي، حاولت إبقاءها صاحية ريثما أتمكن من الاتصال بالإسعاف، التقطت هاتفي وبدأت اتصل واتصل واتصل ولكن عبثاً… الشبكة غير متاحة، لا تغطية إطلاقاً، كان الوقت متأخراً قليلاً. فتحت باب منزلي وصرت أنادي بأعلى صوتي للجيران الذين تمكنوا من نجدتي وإسعاف أمي بسيارة أحدهم، والحمد لله وصلنا في الوقت المناسب للمستشفى الذي تكفل بالبقية”.
يروي سليمان قصته بحرقة، مؤكداً أنّه لولا همّة جيرانه وتصرفهم السريع لكان فقد أمه ربما، متسائلاً عن حال أناس يقبعون في الأرياف وقد لا تتوافر سيارات قريبة منهم في كل لحظة.
حادث سيارة
في حادثة مشابهة إلى حد ما كاد نجوان سمعان يفقد حياته إثر تعرضه لحادث مروري في ريف دمشق قبل شهرين تقريباً، إذ حاول الاتصال بالإسعاف مراراً ولكن من دون جدوى بفعل غياب التغطية أيضاً، حتى صادف مرور سيارة سارع ركابها إلى نجدته. ويقول لـ”النهار العربي”: “في تلك اللحظة العصيبة ماذا لو كنت أعاني نزيفاً داخلياً؟، كنت سأموت من دون أن يشعر أحد بي، لا لشيء سوى أنني لم أتمكن من طلب الإسعاف في الوقت المناسب، ما هذه الشركات الخليوية لدينا؟، إنّها شركات تسرقنا وبسببها قد يفقد أيّ أحدٍ منا حياته”.
وفي هذا الإطار من الجيد القول إنّ منظومة الإسعاف وضمناً الهلال الأحمر لا تزال تتمتع بسمعة جيدة واستجابة سريعة وفعالية حسنة، ولكن ماذا يفعل الإسعاف والمصاب إذا كان التواصل بينهما ينعدم في غياب الكهرباء؟.
كثير من الناس تتعطل أشغالهم وأعمالهم والتزاماتهم بفعل ذات الأمر، فمن أبسط الأشياء اليومية إلى أكثرها تعقيداً، كلّها تعتمد على الاتصالات، والحكومة تصم آذانها عن إلزام الشركتين بتقديم خدمات مناسبة تليق بالسوريين الذين لا حول ولا قوة لهم.
المشغل الجديد
كان مقرراً أن تبدأ شركة “وفا تيل” المشغل الثالث الجديد والتي يفترض أنّها أتمت مراحل جاهزيتها للعمل، العمل اعتباراً من الشهر العاشر من العام الماضي، ولكنّها لم تفعل، لأسباب لا تزال مجهولة، إذ حاول “النهار العربي” التواصل مع ممثلين للشركة ووزارة الاتصالات والهيئة الناظمة للاتصالات وجميعهم فضلوا عدم الإفصاح عن الأسباب، أو الموعد المحتمل لانطلاق العمل. وكان أكثر ما تم إفادتنا به هو امتلاك الشركة الجديدة لحصرية تقديم خدمة “5g” لمدة عامين، وفي حال لم تتمكن من تقديمها بالشكل الأمثل فسيتم السماح للشركتين القديمتين بتشغيلها، علماً أنّ الشركة الجديدة ستنطلق استناداً على معدات وأبراج الشركات القديمة بصيغة تشاركية جماعية غير واضحة المعالم.
هذا ويوجد لغاية اليوم في سوريا بحسب بيانات متعددة ما بين 15 إلى 17 مليون مشترك في شركتي الاتصالات الوحيدتين.