مرسوم جديد يفرض وصمة اجتماعية على المرأة السورية المرأة إدلب عبد الرزاق ماضي. العربي الجديد

أصدر رئيس النظام السوري بشار الأسد في 14 يناير/ كانون الثاني، مرسوماً خاصاً بالأطفال مجهولي النسب، يستهدف الأطفال مجهولي الأبوين، أو مجهولي الأب معلومي الأم الذين تخلت عنهم أمهاتهم.

يرى محامون سوريون أن نص المرسوم الجديد يهدف إلى تحديد واجبات ومسؤوليات الدولة والمجتمع تجاه الطفل مجهول النسب، وضمان تمتعه بجميع الحقوق والحريات بلا تمييز عن أقرانه، إضافة إلى تنظيم شؤون رعايته، وتهيئة الظروف الملائمة لنموه، وتربيته وتعليمه، وحمايته من الاستغلال، والحفاظ على مصالحه، لكنه لا يراعي وصم الأم مجتمعياً.
تنص المادة السادسة من المرسوم الجديد على أن “الطفل مجهول النسب من ذوي الإعاقة يتمتع بالحقوق نفسها التي يتمتع بها أقرانه، ويتلقى الرعاية والعناية الخاصة التي تناسب احتياجاته أو إعاقته، وتيسير مشاركته واندماجه في المجتمع”، كما كشف المرسوم عن إحداث هيئة عامة ذات طابع إداري بهذا الشأن، تسمى “بيوت لحن الحياة”، وتتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداري والمالي، وترتبط بوزير الشؤون الاجتماعية والعمل، ويكون مقرها ريف دمشق، وستكون الجهة المخولة قانوناً بكل ما يتعلق بالأطفال مجهولي النسب على كافة الأراضي السورية.
وتعقيباً على المرسوم، يقول المحامي سامر ضيعي، لـ”العربي الجديد”، إنه “يُحدد الطُّرق التي تُفضي إلى وصول الطفل مجهول النسب إلى بيوت لحن الحياة، بداية من لحظة العثور عليه، ويحدد دور ومسؤولية كل جهة، من الشخص الذي يعثر على الطفل، إلى أقسام الشرطة والمشافي، ومن ذلك اختيار اسم مناسب له، واستخراج شهادة ولادة، وتسجيله وفق قانون الأحوال المدنية. لكن المرسوم يفرض وصمة اجتماعية على المرأة، ولا يعالج أصل المشكلة القانوني”.
يضيف ضيعي: “ظاهرياً، المرسوم يحمل في طياته أحكاماً جيدة لحل مشكلة مجهولي النسب، لكن لا يمكن قراءته بمعزل عن مرسوم قانون الجنسية الصادر في عام 1969، والذي تنص مواده على حالات منح الجنسية للأطفال من أمهات سوريات، إذ يحدد القانون هذا الحق بحالتين، الأولى لمن ولد من أم سوریة ولم تثبت نسبته إلى أبیه قانوناً، والثانية لمن ولد لوالدین مجهولین، أو مجهولي الجنسیة، أو لا جنسیة لهما، ویعتبر اللقیط مولوداً في المكان الذي عثر علیه فیه ما لم یثبت العكس”.
ويشير المحامي السوري إلى مرسوم آخر صادر في عام 2022، بتعديل المادة  28 من قانون الأحوال المدنية الصادر في 2021، والذي ينص على “عدم تسجيل مولود من زواج غير مسجل إلا بعد تسجيل الزواج أصولاً، وعدم ذكر اسم الأب أو الأم أو كليهما معا إلا بحكم قضائي إذا كان المولود غير شرعي”، إذ تم تعديل النص بإضافة بند يقول “إذا ثبت بوثائق رسمية بنوة المولود غير الشرعي لوالدته، فإنه يسجل في سجل الولادة مباشرة”، موضحاً أن هذه الفقرة تسمح بتسجيل الابن غير الشرعي بنسبته إلى والدته شريطة إثبات البنوة غير الشرعيّة، أي إثبات الزنى بوثائق رسميّة.

ويتابع ضيعي: “دراسة المرسومين السابقين تظهر أن القانون السوري لم يعط الأمهات السوريات حق منح الجنسية لأطفالهن من أب غير سوري، إلا في حال كان الطفل نتيجة علاقة غير شرعية أو مجهول النسب، وهذا يجعل القانون تميزياً بحق المرأة، وقد تحفظ النظام السوري حين صادق في عام 2003، على اتفاقية منع جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، على البند الثاني من المادة التاسعة، والتي تتعلق بأحقية المرأة بمنح جنسيتها لزوجها وأولادها”.
بدوره، يقول المحامي عبد الناصر حوشان، لـ”العربي الجديد”، إن “القانون الجديد منح دور (لحن الحياة) شخصية قانونية اعتبارية مستقلة عن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، لكنه لم يأت بشيء إضافي على القانون المعمول به، فنصوصه مستنسخة من بنود قانون الأحوال المدنية الخاصة بالنسب والطفل اللقيط، وكيفية التعامل مع توثيق ولادته، وإن اهتم بتنظيم رعاية الأطفال مجهولي النسب”.
ويرى حوشان أن هناك بعداً آخر لإصدار القانون في هذا الوقت بعد انتخاب النظام السوري نائباً لرئيس المؤتمر الدولي لرعاية الطفولة المبكرة والتربية لعام 2022، من قبل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو)، ما يعطي القانون أبعاداً مالية، ويقول: “عملية الاستقلال المالي المقصودة في القانون، ربما تهدف إلى استجرار أموال للهيئة، والالتفاف على العقوبات الدولية”.

ومنذ عام 2011، تتحمل السوريات أعباء الأزمة السورية، كونهن الحلقة الأضعف في المجتمع، كما ظهرت مشاكل قانونية بسبب زواج سوريات من مقاتلين أجانب، مثل أفراد المليشيات التي تقاتل مع النظام، أو عناصر تنظيمي “داعش” و”القاعدة”، ووفق عقود غير مسجلة في أكثر الحالات، ليتم كتمان اسم الأب وجنسيته، والتعامل باسم وهمي، لتصبح النسوة غير قادرات على تسجيل أطفالهن، أو منحهم الجنسية إلا بعد الإقرار بأن الطفل مجهول النسب، ما يجعلهن يتعرضن إلى وصمة اجتماعية.
ويرى ضيعي أن المشكلة قانونية بالأساس، وفرضتها ظروف الأمر الواقع، مشيراً إلى أن “استمرار النظام في التغاضي عن هذه المشاكل، أو تجميلها بمراسيم وقوانين تحاول تنظيم الواقع المشوه، لن يكون حلاً جذرياً للمشكلة، وإنما تأجيل وتسويف، وقد يكون له أثر كارثي على مستقبل الأطفال الذين سيكونون مجهولي النسب، حتى وإن حملوا الجنسية السورية، فجنسيتهم ستكون غير مكتملة مجتمعياً، وهو ما سيترك أثره السلبي عليهم”.