المهجع رقم 11، مقابلة مع المعتقل السابق غسان المفلح حاوره: اسماعيل كردية صحيفة القبضة

img

الرقم 11 ليس رقماً كالأرقام، بل قضبانٌ قيدت حرية الملايين وحجزت ذات يومٍ أناساً لا جرم لهم سوى الحلمُ بوطنٍ تسوده العدالة والحرية والكرامة والمساواة والرفاه والتقدم.

المهجع رقم 11: سلسة مقابلاتٍ حوارية مع عدد من معتقلي الرأي السابقين في سوريا نحاول من خلالها أن نرصد وإياكم تفاصيل تلك التجربة الإنسانية الصعبة التي مروا بها وعايشوها وطبعت في ذاكرتهم، تجربةٌ ما زال يعيشها حتى يومنا هذا ما يزيد عن نصف مليون سوري يقبعون في زنازين النظام السوري وأقبيته.

انفردت القبضة بهذا الحوار مع المعتقل السابق غسّان المفلح، وهو كاتبٌ سوريٌّ من مواليد درعا 1960، لوحِقَ من قبل الأمن السّوري واعتُقل عام 1987 لما يزيد عن عقدٍ من الزمن قضى أغلبه في سجن صيدنايا الذائع الصيت.

حدثنا عن لحظة الاعتقال وما تلاها من ملابساتٍ، وما المشاعر والأفكار التي اعترتك حينها؟

قبل الاعتقال بأسبوع تقريباً أحسست بأني مراقب، وجوهٌ غريبةٌ ترصدني كيفما تحركت. وفي مساء اليوم الثامن وأثناء جلوسي في أحد مقاهي مدينة حلب، فوجئت وفوجئ زبائن المقهى بأربع عناصر أمن مدججين بالسلاح يقتحمون المقهى ويتوجهون نحوي. حاولت عبثاً الهرب، لكن هيهات. قبضوا عليَّ وقيدوني وجردوني من قميصي وجعلوا منه عصبةً تغطي عينيَّ تماماً، ثم قاموا باقتيادي إلى خارج المقهى وزجي في صندوق سيارة ثم أغلقوا الصندوق.

الرعب ولا شيء سوى الرعب والاحساس بنهاية الدنيا هو ما كان يعتريني حينها، انقضت رحلة الرعب تلك في نصف ساعة تقريباً، اخرجوني من صندوق السيارة واقتادوني إلى مبنى ووصلت الى ما أظنه بهواً، لم تمضِ دقيقةٌ على وصولي حتى انهال علي العناصر باللكمات والرفس والضربات بالعصي والهراوات وكابلات الكهرباء ووابل من الشتائم والتخوين لم يتوقف لثانية. استمر ذلك الى ما يقرب الساعة لم أستطع المشي بعدها. أحسست أن عظامي كلها متهشمة، قاموا بعد ذلك بتجريدي من كل ملابسي واقتيادي الى زنزانة صغيرة رطبة معتمة. لم أدرك أنها تحتوي على كرسي بيديه أفرنجي إلا حين جذبني أحد العناصر اليه ثم قام بدفع جسدي كله باتجاه زاوية الزنزانة، ليرتطم رأسي بكتلة الكرسي السيراميكية مما أفقدني الوعي لساعات. صحوت بعدها، لأجد أن عالمي وحياتي وما لي من ماضٍ وحاضر ومستقبل، مسجونٌ بين جدران تلك الزنزانة، أغمض عينيَّ وأفتحهما على أمل أن يكون كل ذلك كابوساً سأفيق منه في أية لحظة. لكن هيهات.

ما الذي تلا ذلك من مراحل الاعتقال وما واجهته واختبرته وعشته من تفاصيل؟

البدايةً كانت مرحلة التحقيق. كنت محظوظاً نوعاً ما فقد خرجت بأقل الخسائر. ولم أقدم أية معلومة تضر بحزبي أو برفاقي، ساعدني في تبرير ذلك مذكرةٌ حزبية تدين كسلي وعدم التزامي وتسويفي للمهام والاجتماعات وتهددني بالفصل، وقد تم إصدار هذه المذكرة بناءً على طلبي حين أحسست بأني تحت المراقبة، وكان ذلك تدبيرا حكيماً الى حد كبير. تبع ذلك وصلات تعذيب معتدلة دورية متقطعة كل ثلاثة أو أربعة أيام.

أما مرحلة السجن المديد وهي الأصعب كانت في صيدنايا، محاولات النجاة والحيلولة دون فقد العقل والجنون كانت بالقراءة لاستحضار الأمل بالحياة. ونشاطات أخرى مع الرفاق داخل السجن.

في صيدنايا، أنت مجبر على النسيان لكي تمضي في مقاومة السجن. نسيان بعض من الايديولوجيا والمعرفة لصالح الحضور اليومي في السجن. لصالح الانفتاح على سجن مديد، وأنت تعرف أنه مديد وربما تموت فيه.

هذا الاحساس الذي يراودك في زمن الأسدية “أنك مسجون لتموت هنا”، عندما تتركه يتحكم بك، يضعفك وقد يقتلك، لكنك تعود لتتوازن على اللاأفق. تعود لتتعاطى مع السجن بوصفه مصيراً عند الأسدية. ليس مصيرك كفرد معارض فقط أو كسجين، بل كوطن وشعبٍ بأكمله.

متى يمكن أن يصل المعتقل الى الانهيار؟

يكون ذلك إما تحت التعذيب أو تحت وطأة ظروف السجن. يتعلق ذلك بالإنسان بشكل عام. لأن التفاوت في التحمل سمة انسانية. هنالك من يتحمل التعذيب وهنالك من لا يستطيع تحمله. وبين الحدين هنالك حدود نسبية. مثلا هنالك من يتحمل التعذيب الجسدي ولا يتحمل التعذيب النفسي. أو لا يستطيع مقاومة السجن بينما يتحمل التعذيب الجسدي. إنه الانسان.

ما الذي تعنيه لك الثّورة السّورية كمشروع وفكرة وواقع كمعتقلِ رأيٍ سابقٍ؟

لقد خلقت الثورة لدي فهماً مختلفاً للعالم الذي نعيش فيه. الفهم الذي لا يركن لمسبقات أيديولوجية أو سياسية. قدمت لي امتحاناً حقيقياً في تقبل المختلف والتحاور معه. كما قدمت لي كمعتقل رسوخاً في رمزية قضية الاعتقال من قبل الأسدية. لقد وضحت لي المعنى الأخلاقي والقيمي أن تكون معتقلاً لرأيك في ظل نظام إبادي وقاتل. إن ترى حلمك في الثورة إمامك. الحلم الذي عاش معك قبل الاعتقال وإثناءه وبعده.

(انتهى)

غنت السيدة فيروز يوماً: (وحدن بيبقوا، متل زهر البيلسان، وحدن بيبقوا بيقطفوا وراق الزمان)، وكي لا يبقوا وحدهم، سنظل نستذكرهم ونستحضر نضالاتهم وعذابتهم وتجاربهم إلى أن يأتي يومٌ ينكسر فيه القيد، ويتحول المهجع رقم 11 الى مسرحٍ أو مقهى أو معرضٍ فني .

الكاتب editor Hossein

editor Hossein

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة