“عالم صوفي” وأسئلتها الفلسفية… بترجمة عربية منقّحة  المصدر: القاهرة- النهار العربي علي عطا

img

 المصدر: القاهرة- النهار العربي
مؤلف عالم صوفي

على الرغم من مرور ثلاثة عقود على صدور “عالم صوفي” للكاتب النرويجي جوستاين غاردر، مازالت الرواية تحظى برواج كبير حول العالم، يفوق ما حققته أي رواية نرويجية أخرى.

ويظلّ رواج تلك الرواية أمرًا مدهشًا، بما أنها رواية فلسفية، أو هي بالأحرى مكرسة لموضوع يبدو للوهلة الأولى نخبويًا، وهو تاريخ الفلسفة الغربية، “مستكشفة غموضها ومسلطة الضوء على ألغاز الحياة والعالم من حولنا”، بحسب ما جاء على ظهر الغلاف الخاص بطبعةٍ مصريةٍ خاصة، أصدرتها مكتبة “تنمية” في القاهرة بالتعاون مع دار “المنى”، مع تنويه بأنها “منقحة”.

صدرت الرواية في العام 1991، أما الترجمة العربية فصدرت للمرة الأولى في العام 1996 (551 صفحة من القطع المتوسط)، أنجزتها الكاتبة حياة الحويك عطية، باقتدار لافت، وهي مترجمة من أصول سورية- لبنانية، تقيم في الأردن وحاصلة على الدكتوراه في وسائل الاتصال من جامعة السوربون، ولها كتب عدة، منها: “الفضائيات الإخبارية العربية: جيوبوليتيك وخطاب”.

وهي تعتبر أنها قدمت، من خلال تعريب “عالم صوفي”، نصًا عربيًا موازيًا للعمل الأصلي، وليس مجرد ترجمة. ولكن لم يرد أبدًا في الطبعة الجديدة ما يشرح ما جرى عليها من تنقيح، وبالتالي فإن ذلك يقتضي المقارنة بينها وبين ما سبقها لفهم ما حدث على نحو واضح.

الكاتبة والمترجمة حياة الحويك

 

 

من أين جاء العالم؟

بطلة العمل طفلة تدعى “صوفي” تتلقى رسالتين، مضمونهما مختصر لا محدود في آن معًا: “من أنت” تسأل الأولى، و”من أين جاء العالم”، تسأل الثانية.

ينطلق جوستاين غاردر من هذين السؤالين ليغوص عميقا في تاريخ الفلسفة، التي تحمل في طياتها فلسفات انطلقت من نقطة أساسية من هذا الوجود. غاص جوستاين من خلال “صوفي” مع الفلاسفة وأفكارهم، في محاولة للبحث عن جوابٍ على هذين السؤالين.

ركّز الكتاب على الفلسفة الغربية، فبدا وكأنّ الفلسفة حكر على الغرب، مع أن للشرق فلسفته أيضًا ضمن الحضارة الإنسانية في مختلف مراحلها.

وخلال رحلته في أغوار التاريخ، يلاحظ غاردر في سياق روايته، أن مصطلح فلسفة يُطلق على أسلوب في التفكير، بدأ في اليونان في 600 ق. م، وكان جديدًا بشكل جذري. قبل ذلك، كانت ديانات عدة قد أخذت على عاتقها الجواب عن كل الأسئلة التي طرحها الإنسان. وكانت هذه التفسيرات الميثولوجية تنتقل من جيل إلى جيل بصورة أساطير.

وفي واحدة من الرسائل التي تجدها “صوفي” في صندوق بريدها، تقرأ أن فيلسوفا إغريقيا، عاش قبل ألفي عام، وكان يعتقد أن الفلسفة ولدت بفضل دهشة البشر، وكان يقول إن كون الإنسان حيًّا، هو شيء من الغرابة بحيث تظهر الأسئلة الفلسفية من تلقاء نفسها.

ويكمل المرسل- ويدعى “ألبرتو”- في رسالة تالية: إن الميزة الوحيدة اللازمة، كي يصبح الواحد فيلسوفًا جيدًا، هي قدرته على الدهشة. وكل الأطفال يملكون هذه الملكة. لكن لا تكاد بضعة أشهر تمضي، حتى يجدوا أنفسهم مقذوفين في واقع جديد.

ويبدو أنّ ملكة الدهشة هذه تضعُف مع الكبر. لماذا؟ هل تعرف “صوفي أمندسون”، الجواب الصحيح، بالمصادفة؟ الفيلسوف هو إنسان لم يستطع يوما أن يتعوّد على العالم. والعالم بالنسبة إليه يظل غير قابل للتفسير، شيئا غريبًا ملغزًا. يمكننا القول إن الفلاسفة يحافظون طوال حياتهم على جِلدٍ رقيق، كجلد الأطفال.

في إحدى رسائله الأولى إلى صوفي، قال ألبرتو إن ثمة قرابة بين الطفل والفيلسوف. وصوفي تحس الآن من جديد “أنها تخاف من أن تصبح بالغة. ماذا لو اختارت أن تعيش مختبئة في فروة الأرنب الأبيض الذي أُخرج من قبعة الكون العالية” (صـ 478).

غلاف الكتاب

 

 

الوضع الوجودي للإنسان

كان السرد يقترب هنا من عصرنا نحن: “فيه أشياء كثيرة مهمة على الصعيد الفلسفي. أشياء تسير في الاتجاهات كافة، وسنبدأ ببيان حاسم هو الوجودية؛ يقول ألبرتو، ويجمع هذا المصطلح حركات عديدة نجد جذورها في الوضع الوجودي للإنسان. كذلك سنتحدث عن فلسفة الوجود في القرن العشرين، حيث انطلق عدد من هؤلاء الفلاسفة الوجوديين من كيركيغارد وأيضا من هيغل وماركس” (صـ 479).

نيتشه ومارتن هيدغر وجان بول سارتر (الذي يعد زعيم التيار الوجودي على الأقل في نظر الجمهور وقد عاش بين 1905 و1980)، وسيمون دو بوفوار، المرأة الفيلسوفة.

الوجودية فلسفة إنسانية، أعلنها سارتر، وكان يقصد بذلك أنه ليس للوجوديين إلا نقطة انطلاق واحدة، هي الإنسان. لكنّ السيرورة في هذا الشكل من الإنسانية، هي أكثر قتامة منها في عصر النهضة.

لقد أثّرت الوجودية تأثيرًا على الأدب منذ الأربعينات وحتى الآن، وكذلك على المسرح، بحيث كتب سارتر مثلا روايات ومسرحيات، من دون أن ننسى ألبير كامو وصموئيل بيكيت، وأوجين أيونسكو والبولندي جومبروفيكس، والمشترك بين هؤلاء وبين كثيرين غيرهم من الكتاب المعاصرين هو ما يسمى بـ “العبثية”، باعتبار أن مسرحهم هو مسرح العبث.

“ألبرتو” يسأل “صوفي”: أنت تفهمين ما معنى العبثية؟ فتجيب: أعتقد أنها تعني شيئًا لا معنى له، شيئًا مناقضًا للعقل. ويعقب: تماما، فالمسرح العبثي، هو نقيض المسرح الواقعي، وهدفه إظهار عبثية الوجود على المسرح، لدفع الجمهور إلى الثورة.

مغزى الحياة

وبالعودة إلى البدايات يبرز سؤال: ما هي الفلسفة: ما هو الشيء الأهم في الحياة؟ وفي الجواب: إذا ما وجهنا هذا السؤال الى رجل لا يجد ما يُشبع جوعه، سيجيبنا إنه الطعام. والذي يرتجف بردًا سيقول إنها الحرارة، أما من يعاني الوحدة فسيجدها في صحبة البشر الآخرين.

ولكن هل يوجد رغم كل شيء أبعد من هذه الحاجات الأولية؟ أي ما يحتاجه جميع الناس؟ الفلاسفة يعتقدون أن الجواب نعم. إنهم يؤكدون أن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده. لا شك أن كل الناس يحتاجون إلى الطعام، وهم يحتاجون أيضا إلى الحب والحنان.

 لكن هناك شيء آخر نحتاج إليه كلنا: هو أن نعرف من نحن، ولماذا نعيش. إذن ليست الرغبة في معرفة لماذا نعيش، اهتمامًا عارضًا كالاهتمام بجمع الطوابع، والذي يطرح على نفسه هذا النوع من الأسئلة يلتقي بذلك مع اهتمامات كل الأجيال التي تسبقه.

ويبقى أن نشير إلى أن الكاتب النرويجي جوستاين غاردر (1952) حقق نجاحًا عالميًا عظيمًا من خلال رواياته التي تخاطب الأطفال والناشئة والبالغين.

نُقلت كتبه إلى ما يزيد غن خمسين لغة، وبيعت منها ملايين النسخ.

يستمد غاردر الإلهام في مؤلفاته من تساؤلاته عن الوجود التي تشكل دائما الفكرة الأم في تلك المؤلفات. وتحظى المواضيع الفلسفية التي يناقشها باهتمام القراء مهما اختلفت أعمارهم.

حصل غاردر على انطلاقته المميزة سنة 1991 مع صدور رواية “عالم صوفي” التي أصبحت عام 1995 الرواية الأكثر رواجا في شتى أنحاء المعمورة، وتسلّم العديد من الجوائز الأدبية سواء في موطنه أم خارجه. وفي سنة 2005 منحه ملك النرويج وسام “سانت أولاف”، ومنحته كلية الثالوث في جامعة دبلن دكتوراه فخرية.

الكاتب editor Hossein

editor Hossein

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة