«الوزاري الأوروبي» بين خيار التصعيد ضد طهران والتخوف من التبعات (تحليل إخباري). الشرق الاوسط

بوريل على هامش اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل نوفمبر الماضي (إ.ب.أ)
باريس: ميشال أبو نجم

يلتئم مجلس الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي في بروكسل صباح الاثنين المقبل برئاسة جوزيب بوريل، مسؤول الشؤون الخارجية والأمن في الاتحاد، وعلى جدول أعماله، النظر في القرارين اللذين صوّت عليهما البرلمان الأوروبي في اجتماعه الأربعاء الماضي في مدينة استراسبورغ.

وينص الأول على إدراج المرشد الإيراني علي خامنئي، والرئيس إبراهيم رئيسي، والمدعي العام الإيراني، وجميع كيانات «الحرس الثوري» على قائمة العقوبات وذلك في إطار السلة الرابعة منها التي يتهيأ وزراء الخارجية الأوروبية لفرضها على طهران. والثاني، يتناول إدراج «الحرس الثوري» وما يتفرع عنه من تنظيمات على اللائحة الأوروبية للمنظمات الإرهابية.

وحتى اليوم، وحدها الولايات المتحدة تعد «الحرس» تنظيماً إرهابياً، تُضاف إليها كندا التي أصدرت قانوناً يمنع القيادات الإيرانية المختلفة وعلى رأسهم مسؤولو «الحرس» من دخول أراضيها كما تفرض عليهم عقوبات مختلفة.

وحتى اليوم، فرض الاتحاد ثلاث مجموعات من العقوبات أبرزها ما أُقر في 12 ديسمبر (كانون الأول) الماضي حيث استهدف بعقوباته 150 شخصية وهيئة «منهم وزير الداخلية، وقادة القوى الأمنية، والحرس الثوري، والتلفزة…» الذين جُمِّدت أصولهم ومُنعوا من الدخول إلى بلدان الاتحاد الـ27.

ومن العقوبات الإضافية طرد إيران من لجنة المرأة التابعة للأمم المتحدة وتحريم تصدير معدات حساسة يمكن أن تساعد النظام في عمليات القمع التي يصفها الاتحاد بـ«الوحشية».

بيد أن مَن وما يستهدفه البرلمان الأوروبي يُدخل العلاقة بين طهران والمجموعة الأوروبية في حالة من التوتر الشديد التي يمكن أن تكون لها انعكاساتها على أكثر من صعيد.

ولهذا سببان: الأول، أنها تستهدف الشخصيتين الرئيسيتين في الجمهورية الإسلامية وهما المرشد علي خامنئي الذي له اليد العليا على الشؤون الاستراتيجية في إيران، ورئيس الجمهورية الذي يليه أهمية. ومعنى فرض العقوبات عليهما أنه سيكون من المستحيل لاحقاً أن يتعاطى الاتحاد الأوروبي معهما لأن العقوبات تعني تجميد أصولهما «إذا كانت لهما أصول في الاتحاد» ومنعهما من الدخول إلى أراضيه. وهذا يعني حالة من القطيعة الدبلوماسية المستقبلية بين الطرفين، وبالتالي دفع التوتر الموجود راهناً بينهما إلى أبعاد جديدة. أما بالنسبة إلى «الحرس الثوري»، الذي يعد درع النظام في الداخل وذراعه الضاربة في الخارج، فإن وضعه على اللائحة الإرهابية يعني منع التعاملات المصرفية والمالية والتجارية معه مباشرةً أو مع الهيئات المرتبطة به أو التي قد يلجأ إلى إيجادها لاحقاً. يضاف إلى ذلك تجميد «وربما» مصادرة موجوداته وعزله ومنع التواصل معه تحت طائلة القانون.

وتجدر الإشارة إلى أن مسألة رفع العقوبات الأميركية عن «الحرس الثوري» كانت إحدى العُقد الرئيسية التي أجهضت التوصل إلى اتفاق حول إعادة إحياء الاتفاق النووي بين إيران والغرب.

والسبب في ذلك أن «الحرس» يمثل، وفق التقديرات المتوافرة، إضافةً إلى وزنه الأمني في الداخل والخارج، ما لا يقل عن نصف الاقتصاد الإيراني «شركات ومؤسسات وهيمنة على القطاع النووي والتسليح…»، وبالتالي فإن جعله منظمة إرهابية على مستوى ثاني أكبر اقتصاد في العالم وفي نظر 27 دولة أوروبية التي يمكن إضافة بريطانيا إليها، سيعني توجيه ضربة موجعة للنظام ولاقتصاده.

ومن المفيد الإشارة إلى أن الرغبة في المزيد من معاقبة إيران ليس مصدرها فقط الإعدامات والقمع وأعداد الضحايا المدنيين وكل ما تمارسه السلطات منذ أربعة أشهر، بل أيضاً الدور الذي تلعبه في الحرب الروسية على أوكرانيا من خلال تزويدها بمئات المسيّرات. وتفيد معلومات استخبارية في باريس بأن ما لا يقل عن 500 مسيّرة من طراز «شاهد» تصل إلى روسيا من إيران أسبوعياً.

بالنظر إلى ما سبق، يمكن فهم ردة الفعل الإيرانية التي جاءت على لسان كثيرين من المدنيين والأمنيين وعلى رأسهم وزير الخارجية حسين أمير عبداللهيان الذي نبّه أمس، في إطار اتصال هاتفي مع بوريل، من «العواقب السلبية» المترتبة على قرارات أوروبية كهذه. وجاء في بيان صادر عن الخارجية الإيرانية أن عبداللهيان «انتقد بشدة النهج المتوتر والانفعالي للبرلمان الأوروبي»، وعده سلوكاً «غير مدروس وخاطئاً». وبرأيه، فإن الاتحاد «يطلق بذلك النار على قدمه». وعسكرياً، جاء الرد من هيئة الأركان التي أصدرت أمس، بياناً نبّهت فيه من تأثير القرار الأوروبي على «الأمن والسلم على الصعيدين الإقليمي والدولي ويجب على البرلمان الأوروبي أن يكون مدركاً لهذه العواقب».

يمكن النظر لردود الأفعال على أنها «استباقية» وغرضها ثني وزراء الخارجية الأوروبيين عن تبني نهج البرلمان أو على الأقل التأثير على عدد منهم ،لحملهم إما على رفض القرار البرلماني وإما على تأجيل اتخاذ القرار. والمعروف أن إجراءات من هذا النوع تفترض الإجماع بين الأعضاء الـ27، كما تتطلب موافقة اللجنة القانونية داخل الاتحاد على تدبيرٍ من هذا النوع. ثم إن هناك مجموعة عناصر يتعين توافرها للتمكن من وضع «الحرس الثوري» على اللائحة الإرهابية. وأشار وزير خارجية فنلندا قبل يومين إلى «وجود جدل» بين الأوروبيين بشأن ملف «الحرس»، مؤكداً في الوقت عينه الحاجة إلى «رد حازم» على قمع السلطات. وذهب نظيره السويدي في الاتجاه عينه عندما عدّ فرض عقوبات «ثقيلة» على «الحرس» أكثر فائدة من ضمه إلى لائحة الإرهاب. وفي المقابل، فإن رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، أعربت أول من أمس، من دافوس، عن «تفهمها ودعمها» لمطلب البرلمان وهي بذلك تجاري وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك التي تعد الأكثر حماسة على هذا الصعيد. من هنا، فإن اعتبار وضع اسم «الحرس» على لائحة الإرهاب أمراً مكسوباً يعد رهاناً غير مضمون ويعني النظر فيما سيحصل في الأيام القليلة التي تفصلنا عن اجتماع وزراء الخارجية الأوروبيين لرصد اتجاه الريح.

يبقى السؤال: ما الذي يمكن أن تكون عليه ردة الفعل الإيرانية؟ من الناحية النظرية، يمكن افتراض أن الرد الإيراني سيتناول مزيداً من التشدد في الملف النووي الموجود راهناً في البراد، وذلك من ثلاث جهات: الأولى، إبقاء المفاوضات مع الغربيين بشأن إعادة إحياء اتفاق العام 2015 حيث هي، أي في الطريق المسدود. والثانية، التشدد في التعامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن المواقع الثلاثة غير المعلنة سابقاً التي عُثر فيها على آثار جزيئات نووية مخصبة. والثالثة، مضاعفة جهود التخصيب بنسب عالية «60 في المائة وما فوق» خصوصاً في موقع «فوردو» بالغ التحصين ما سيشكّل ورقة ضغط على الغربيين بشكل عام. ثم إن إجراءً أوروبياً كما يطلبه البرلمان سيكون من تبعاته دفع إيران إلى الالتصاق أكثر فأكثر بروسيا ومدها بأسلحة أخرى غير المسيّرات كالصواريخ مثلاً التي تمتلك منها إيران كميات ونماذج كثيرة. وثمة من يرى أن التدبير الأوروبي في حال إقراره سيدفع النظام الإيراني إلى مزيد من التشدد والقمع في الداخل والعمل على زعزعة الاستقرار في جواره الإقليمي بوجه خاص وهو ما يستشف بوضوح من بيان هيئة الأركان الإيرانية.

بين الرغبة في إبراز العضلات الأوروبية من جهة والتخوف من التبعات من جهة ثانية، ستدور مناقشات وزراء الخارجية. وما سيخرج من مداولاتهم سيدل على الاتجاه الذي ستسلكه العلاقات الأوروبية – الإيرانية في الأشهر والسنوات المقبلة.