المهجع رقم 11، مقابلة مع المعتقل السابق أحمد خليل حاوره: اسماعيل كردية موقع القبضة

img

حاوره: اسماعيل كردية

المهجع رقم 11: سلسة مقابلاتٍ حوارية مع عدد من معتقلي الرأي السابقين في سوريا نحاول من خلالها أن نرصد وإياكم تفاصيل تلك التجربة الإنسانية الصعبة التي مروا بها وعايشوها وطبعت في ذاكرتهم، تجربةٌ ما زال يعيشها حتى يومنا هذا ما يزيد عن نصف مليون سوري يقبعون في زنازين النظام السوري وأقبيته.

انفردت القبضة بهذا الحوار مع المعتقل السابق أحمد خليل، من مواليد 1966، خريج كلية الحقوق في جامعة دمشق، معتقل سابق من عام 1985 وحتى نهاية 1991. صدر له حتى الآن ثلاثة كتب: مسكون بفقدها شعر و ساحة الإعدام قصص قصيرة وكتاب المسرح يهزم الحرب. عمل في العديد من الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية السورية والعربية، مقيم منذ صيف عام 2015  في المانيا ولاية بافاريا.

حدثثنا بداية عن طرق وأساليب العمل السياسي في حقبة حافظ الأسد التي شهدت تزمتاٍ أمنيا خانقاً؟
أحد أهم الأسس التي بنى عليها حافظ الأسد دولته هو الغاء الحياة السياسية في سورية وتنظيم السوريين كلهم إن أمكن في منظمات تابعة للسلطة بدءاً من الطفولة، ومن بقي خارج منظمات السلطة كانت الجبهة الوطنية التقدمية التي ضمت أحزاباً منزوعة المخالب وملحقة بحزب البعث، وهي عملية تزيين سياسية لسلطة الأسد، ومن خرج عن طاعة السلطة كان عليه العمل في أحزاب سرية ملاحقة من قبل أجهزة المخابرات التي تعمل خارج أي قانون بصلاحيات مطلقة، وصار النضال السياسي ضد سلطة الأسد المستبدة أشبه بالانتحار وسقف النضال كان توزيع مناشير سياسية تحض الناس على التمرد ضد سلطة غاشمة، لذلك لم تتوقف حملات الاعتقال أبداً بحق التنظيمات المعارضة طوال فترة الأسدين الأب والإبن.

بينما اتجه الاسلام السياسي (الطليعة المقاتلة والإخوان المسلمون) إلى عنف مضاد لعنف السلطة مع خطاب طائفي أدى لسحق هذه التنظيمات المقاتلة وسحق كل الأحزاب السياسية الأخرى من شيوعيين وناصريين وقوميين،ما أدى لأن تكون سورية فعلا مملكة للصمت، حتى انفجار الاحتجاجات في آذار عام 2011.

الاعتقال، كيف كانت ملابساته؟
في بداية الشهر الخامس من عام 1985، اعتقلني الأمن السياسي وكنت حينها طالباً في كلية الحقوق السنة الأولى في جامعة دمشق، كوني كنت صديقا لحزب العمل الشيوعي، فلم أكن منظماً ضمن الحزب، لكن نتيجة خطأ من أحد الأشخاص ورد أسمي في أحد الأعترافات. الطريف أن أحد الأشخاص من قريتنا هو من إتصل بالمخابرات وسلمني لهم.

حدثنا عن فترة الاعتقال. تفاصيل يومك في المعتقل؟
بقيت حوالي الشهر في زنازين فرع الميسات التابع للأمن السياسي ثم تم نقلنا أنا وعدة أصدقاء إلى كركون الشيخ حسن، كانت فترة عصيبة، حيث كانت حصة كل واحد أثناء النوم 30 سم، وكنا ممنوعين حتى من إقتناء قلم رصاص، ولحسن الحظ تم إلغاء كركون الشيخ حسن، ونقلنا الى سجن عدرا ثم تم تخصيص جناح للسياسيين هو الجناح رقم 2 تشرف عليه مفرزة للمخابرات السياسية، ومنع الاتصال بيننا وبين السجن القضائي، لكن ظروف إعتقالنا تحسنت بشكل كبير عما كانت في الشيخ حسن، وتمكننا من إقتناء الصحف والكتب، والراديو والتلفزيون، وخلال فترة سجن عدرا توسعت معارفنا الثقافية والسياسية، حيث أتيح لنا استعارة الكتب من مكتبة السجن، كما تم فتح الزيارات للأهالي كل نصف شهر مرة، واول زيارة لي كانت بعد 8 أشهر من الإعتقال.

أنجزت أول مجموعه قصصيه لك بالمعتقل، ماهو العنصر الأكثر تأثيراً بالمحموعه القصصيه؟ ماهي التفاصيل التي سبقت ورافقت كتابة المجموعه القصصيه؟
أنجزت مجموعتي القصصية الأولى في السجن، وشاركت بمسابقة للقصة القصيرة أقمناها في عام 1990 حيث فازت قصتي ساحة الإعدام بالمركز الأول والجائزة كانت مئة ليرة سورية، وترأس اللجنة الصديق راتب شعبو وعدة أصدقاء كانوا أعضاء باللجنة من بينهم الصديق عبد الحكيم قطيفان والمرحوم رضا حداد وآخرين. القراءات والمطالعة والنقاشات اليومية والتأمل وتوفر الوقت كانت ظروفاً سمحت لي بالكتابة والتجريب.

كيف كنت تتخيل العالم خارج المعتقل؟
تحول العالم خارج السجن لعالم مثالي لحلم مشتهى. كنا نتخيل كيف سنمشي في الشارع وكيف سنلتقي بالناس. في السجن نتخلى عن الضغائن لكل من هو في الخارج حتى من كنا على خلاف معهم وأصبحنا نحبهم ونحلم بلقائهم. وأصبح العالم خارج السجن مع مرور الزمن عالماً مزركشاً ملوناً جميلاً، كونه تحول لحلم.

حدثنا عن رفاقك في المعتقل، علاقتك بهم، موقف لا يمحى من ذاكرتك مع أحدهم؟
العلاقة بين السجناء السياسيين داخل المعتقل يحكمها المكان الضيق والاعتياد، فتصبح التفاصيل الصغيرة والأشياء التافهة مهمة جداً. فربما نتشاجر نتيجة نقاش أو نتيجة موقف سياسي أو على تنظيم دور التنظيف للمهجع، أو على إستعارة كتاب، أو… عالم السجين عالم ضيق، وبنفس الوقت السجن هو مكان للحلم والتأمل وإجترار الذكريات.

كيف كان يوم الإفراج عنك؟ صف لنا تفاصيل ذلك اليوم؟
لحظات الإفراج هي لحظات لا تمحى من الذاكرة. هي ولادة ثانية. في العاشرة ليلاً بتاريخ 24 كانون الأول عام 1991 نزلنا من حافلة الأمن السياسي الذي أقلنا من عدرا بجانب باب شرقي بدمشق. كان المطر رذاذاً. لم نصدق أن أرجلنا لامست إسفلت الشارع. خفنا أن تكون لحظة وهم. نظرنا باستغراب إلى حافلة المخابرات وهي تبتعد عنا. كنا مضطربي المشاعر. فرحٌ غامر مع خوف مع توجس. كنا كمن يتعلم المشي، هذه اللحظات تحولت لوشم في ذاكرتنا..!!

ما الذي عنته لك الثورة عند إنطلاقتها؟ ووصولها فيما بعد الى مايشبه النكسة؟
بعد أن تلاشت أحلامنا بالعدل والحرية، صرنا نبحث عن خياراتنا الفردية، ونحاول التعويض قدر الإمكان عما فاتنا خلال سنوات الأعتقال الطويلة إن كان في الدراسة أو العمل، او بناء أسرة. إلى أن جاء الربيع العربي، ومع أول مظاهرة بالحريقة تيقظ أملنا من جديد، وكنا غير مصدقين أن مملكة الأمن يمكن أن تتحرك وتصرخ، فكنا متحمسين جداً وظننا أن سقوط النظام على مرمى حجر، فشاركنا بحماسة في مؤتمر سمير أميس الأول. ومع إشتداد القمع والقتل والمجازر عاد الخوف ليتملكنا من جديد. حيث زج النظام بكامل قوته للقضاء على الثورة، مع ظرف دولي وإقليمي ساهم في تحول الصراع بين الشعب التواق للحرية والعدل والسلطة المستبدة إلى حرب أهلية لم تبق ولم تذر. حيث سيطرت التنظيمات المتطرفة على الثورة بفعل توحش النظام وإطلاق سراح معتقلي التيار الإسلامي ليتولوا قيادة الحراك والمعارضة بينما إزداد النظام توحشا وقتلاً وتهجيراً لتصبح البلد مكاناً غير صالح للحياة أو العيش بعد أن دمرته طائرات النظام. وأصبح الشعب السوري مسحوقاً وتحت خط الفقر سواء في مناطق النظام أو المعارضة.
برأيي، الثورة عادت لتكون حلماً مشتهى فقط، فيما فشلت على أرض الواقع، فالبلد أصبح محكوماً بعصابات ومافيات ومليشيات تابعة للنظام وكذلك المناطق المحكومة من قبل الإسلام السياسي.

هل من رساله تود أن توجهها للمنظمات الحقوقيه وللمجتمع المدني حول العالم بخصوص ملف المعتقلين والمغيبين قسراً؟
ملف المعتقلين والمختفين هو الملف الإنساني الأكثر إلحاحاً، وهو الملف الذي يسبب أكبر ألم للناس ولذوي المعتقلين. هذا الملف بالنسبة للنظام هو مصدر للإبتزاز السياسي ومصدر إقتصادي لمليشياته ومخابراته كون المعتقلين مصدر للاتجار بهم عبر مساومة الأهالي. والمجتمع الدولي عاجز هو ومنظماته عن الضغط على النظام لحل هذا الملف المعقد. حيث يشكل ورقة مساومة بيد النظام مع المجتمع الدولي. ومالم يتقدم الحل السياسي حسب مرجعية القرار الأممي 2254، ستبقى كل الملفات عالقة ومنها ملف المعتقلين والمخطوفين والمختفين قسراً.

(انتهى)

غنت السيدة فيروز يوماً: (وحدن بيبقوا، متل زهر البيلسان، وحدن بيبقوا بيقطفوا وراق الزمان)، وكي لا يبقوا وحدهم، سنظل نستذكرهم ونستحضر نضالاتهم وعذابتهم وتجاربهم إلى أن يأتي يومٌ ينكسر فيه القيد، ويتحول المهجع رقم 11 الى مسرحٍ أو مقهى أو معرضٍ فني .

الكاتب editor Hossein

editor Hossein

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة