الإنتخابات النيابيّة الجزائريّة وتوسّع دائرة المقاطعة  المصدر: النهار العربي روعة قاسم

img

لويزه حنون

 المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
مثل قرار اعتماد الجزائر في انتخاباتها القادمة نظام القائمة المفتوحة مصدر ارتياح للعديد من الأطراف في الداخل، من أولئك الرافضين لنظام القائمة المغلقة الذي كان في رأيهم مصدراً للفساد السياسي الذي طبع الاستحقاقات الانتخابية السابقة، إذ سيتمكن الناخب الجزائري، بناءً على نظام الاقتراع الجديد، من اختيار مترشحين من قوائم مختلفة، ولم يعد مجبراً على اختيار كامل القائمة بحسب الترتيب الذي يقره هذا الحزب أو ذاك.
وسيقطع هذا النظام الطريق على من يدفعون رشى أو يتقربون من زعماء الأحزاب أو الفاعلين فيها، وكذلك على كل من لم يتم اختيارهم على أساس الكفاءة، من أن يكون وجودهم في البرلمان مضموناً بعد ترؤس القائمة الحزبية. وبالتالي لن يُنعت مستقبلاً البرلمان الجزائري ببرلمان “الشكارة والحفافات” الذي نعت به البرلمان المنحل الذي يعتبر امتداداً لنظام بوتفليقة، برغم أنه يضم الكثيرين من أصحاب وصاحبات الكفاءة العالية والمستوى المرموق.
لكن برغم هذا الرضا بنظام الاقتراع وتثمينه من بعض المتحمسين للرئيس عبد المجيد تبون، فإن انتخابات حزيران (يونيو) تواجه مقاطعة من عدد من الأطراف السياسية القديمة والجديدة على حد سواء. وستؤثر هذه المقاطعة بحسب جل المراقبين في مصداقية هذا الاستحقاق الانتخابي الاستثنائي الذي يأمل المتحمسون له، وأغلبهم من أنصار الرئيس تبون، أن ينقل الجزائر من مرحلة إلى مرحلة، بما أن الأمر يتعلق ببرلمان جديد يتم من خلاله القطع مع آخر معاقل النظام السابق أو “نظام العصابة” على حد تعبير معارضيه.
ولئن صرحت بعض الأحزاب القديمة المقاطعة للانتخابات، على غرار “جبهة القوى الاشتراكية” المعروفة اختصاراً باسم “الأفافاس”، والتي تدافع عن حقوق منطقة القبائل المتمسكة بشدة بهويتها الأمازيغية، بأن سبب مقاطعتها للانتخابات يعود إلى أن هذه الانتخابات لا تشكل حلاً للأزمة المتعددة الأبعاد التي تعيشها البلاد، ولأن الشروط الضرورية لتنظيمها غائبة، لكن الحقيقة على خلاف ذلك تماماً.
فالجبهة التي أسسها المناضل ضد الاستعمار الفرنسي حسين آيت أحمد، كانت لها “كوتا” مضمونة في البرلمان المنحل، شأنها شأن حزب “التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية” الممثل الآخر لمنطقة القبائل، ويعرف الحزبان حق المعرفة أنه لا يمكن أن تمنح لهما هذه الكوتا مجدداً، كما أنهما غير قادرين على الحصول على مقاعد في هذا الاستحقاق من دون هذه الكوتا.
كما أن حضور “الأفافاس” والتجمع محصور بمنطقة القبائل التي قررت مقاطعة الانتخابات منذ 2019 ولم تشارك حتى في الاستحقاق الرئاسي الأخير، وبالتالي لو شارك الحزبان في الانتخابات التشريعية القادمة فسيحصلان على صفر مقاعد وستكون فضيحة مدوّية بكل ما للكلمة من معنى. فالرئيس تبون قطع الطريق على حزبي منطقة القبائل حين رفض نظام الكوتا، مؤكداً أن المجال سيفتح للشباب والأولوية ستكون للقوائم الحرة التي ستنافس الأحزاب.
ولعل من أسباب مقاطعة الأحزاب القديمة الثلاثة للانتخابات التشريعية، أي حزبي منطقة القبائل وحزب العمال أيضاً، هو أن القانون الانتخابي الجديد يمنع الترشح على كل شخص أمضى عهدتين متتاليتين أو منفصلتين في البرلمان. وهو ما يميز كل نواب “الأفافاس” و”الأرسيدي” وأيضاً حزب “العمال” في البرلمان المنحل الذين استوفوا عهداتهم وباتوا محرومين من الترشح، فكانت المقاطعة إيهاماً لمناضليهم القاعديين بأنهم في تضاد مع النظام ومؤيدون للحراك الذي أطاح النظام السابق ويلقى تعاطفاً من أنصارهم.
لكن ذلك لا يمنع من القول بأن الشعارات التي رفعها “الأفافاس” مبرراً مقاطعته نابعة من نبض أمازيغ منطقة القبائل ويدغدغ مشاعرهم، ومن ذلك تأكيده ضرورة أن يمارس الشعب الجزائري حقه في تقرير المصير. وقد يبدو الأمر غريباً على هذا الحزب تحديداً، باعتبار أن زعيمه الراحل ومؤسسه حسين آيت أحمد لم يكن يوماً من دعاة انفصال منطقة القبائل أو ممارسة حقها في تقرير المصير، خلافاً لآخرين، وكان مناضلاً من الصف الأول في الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي من طينة العربي بن مهيدي وهواري بومدين وأحمد بن بلة وغيرهم.
ولعل الأزمة التي يعيشها حزب “العمال” الذي انقلب مناضلوه على زعيمتهم لويزة حنون التي هاجمتهم بدورها واعتبرتهم لصوصاً ومجرمين غرباء عن الحزب، ويرغبون في سرقة اسمه للمشاركة به في الانتخابات، ساهمت في قرار مقاطعة هذا الحزب لاستحقاق شهر حزيران (يونيو). ويبدو أن نهاية لويزة حنون هي علامة فارقة تؤذن بنهاية جيل بأكمله من السياسيين الجزائريين، وبروز جيل جديد ستفرزه الانتخابات التشريعية القادمة.
ويقاطع هذه الانتخابات أيضاً الحراك الذي أطاح نظام بوتفليقة، والذي أصبح له رموزه وممثلوه الذين يرفضون خريطة الطريق التي وضعها الرئيس برمّتها، والتي لم تراع مطالبهم بتغيير جذري في النظام السياسي القائم منذ استقلال البلاد ورحيل كل رموز النظام السابق. فالحراك يعتقد أن الغاية من تعديل الدستور وحل البرلمان وكل خريطة طريق الرئيس تبون هي إعادة إنتاج المنظومة ذاتها بوجوه جديدة من خلال إجراء انتخابات شكلية يشرف عليها أتباع الرئيس وسط مناخ يعتبر فيه منسوب الحريات، وخصوصا النقابية والإعلامية، ضعيفاً في نظر هؤلاء.
ولعل السيناريو الذي يخشاه البعض هو أن يتراجع نفوذ الأحزاب الحاكمة السابقة، أي حزب “جبهة التحرير الوطني” (الآفلان) و”التجمع الوطني الديموقراطي” (الآرندي) الذي يقبع زعيمه رئيس الحكومة الأسبق أحمد أويحيى في السجن بتهمة الفساد، ويخوض تنظيم حركة “رشاد” المصنف على أنه إرهابي الانتخابات بقائمات مستقلة، تضم وجوهاً غير معروفة في الشارع الجزائري. ويذهب أصحاب هذا الطرح بعيداً إلى حد توقع أن يتحالف المستقلون الفائزون في الانتخابات من حركة “رشاد” مع الفائزين من الأحزاب الإخوانية المعترف بها ويشكلوا جبهة قوية بدعم من أردوغان وأطراف إخوانية تونسية، لتسقط الجزائر في مستنقع الأخونة أسوة بجارتها الشرقية.

الكاتب editor Hossein

editor Hossein

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة