“الوطنيّة” اللبنانيّة والأحزاب والميليشيات الطائفيّة: دور المغتربين بإحياء ثورة وطنيّة  المصدر: النهار العربي رياض قهوجي  

img
راي 0 editor Hossein

 المصدر: النهار العربي
ثورة 17 تشرين اللبنانية
يتساءل كثر في لبنان وخارجه عن سبب تراجع زخم ثورة 17 تشرين وتضاؤل عدد المنتفضين، برغم أن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في لبنان هي اليوم أسوأ بأضعاف مما كانت عليه عام 2019. ولمقاربة هذا الاستفسار، علينا أن نقدّم تعريفاً لمفهوم الوطنية. فهذه الثورة أو الانتفاضة كانت حركة عفوية وطنية عابرة للطوائف والأحزاب. و”الوطنية” هي الحالة التي تجعل الشخص يشعر بانتماء الى أرض والى مجموعة من الناس، تجمعه معهم قيم وتقاليد وشعارات تشعرهم بالتميز عن غيرهم، بل بأنهم أهم وأعلى شأناً من مجموعات لا تنتمي إليهم ولا تعيش ضمن مساحتهم الجغرافية – الوطن.
الشعور بهذا يولّد ما يُعرف بالهوية الوطنية لدى الفرد. وتستخدم القيادات السياسية شعارات وطنية وتحيي تقاليد قديمة من أجل إبقاء الروح الوطنية عالية في صفوف شعبها، بخاصة في المناسبات الوطنية والحملات الانتخابية. فهذه الأحزاب والقيادات السياسية تريد أن يعتبرها الشعب الجهة الأكثر حرصاً على الوطن ومصالحه.
لكن في لبنان الوضع مختلف كلياً. فالأحزاب الحاكمة اليوم هي جميعها طائفية بلا استثناء حتى ولو كانت تتنكر بزي الوطنية. وقادة هذه الأحزاب يشكلون المنظومة الحاكمة للبلد. فرئيس الجمهورية لا يزال مرتبطاً بـ”التيار الوطني الحر” الذي يفاخر في خطاباته بأنه من يسعى لإعادة حقوق المسيحيين، وهذا مختلف تماماً عن حقوق اللبنانيين مجتمعين. ورئيس مجلس النواب هو الرئيس الفعلي لحركة أمل “الشيعية” وأهم أهدافه المعلنة هي تعزيز مكانة الطائفة، وهذا أيضاً يختلف عن تعزيز مكانة الوطن ككل. ورئيس الحكومة المكلّف هو رئيس “تيار المستقبل” الذي أعلن جهارة أنه يمثل السنّة في البلد، وهذا مختلف عن تمثيل الوطن مجتمعاً. والأحزاب الأخرى من “قوات لبنانية”، و”حزب تقدمي اشتراكي”، و”كتائب” و”تيار مردة”، هي جميعها طائفية “وعلى رأس السطح،” وبالتالي شعاراتها وتقاليدها ومصالحها تعني المنتمين اليها فقط دون باقي اللبنانيين.
عندما نتحدث عن لبنان الوطن، فنحن نتحدث عن شعار محدد وهو العلم اللبناني، وعن إرث ثقافي وتاريخي محدد متمثل بأمور، مثل عيد الاستقلال وعيد الشهداء والدبكة والميجانا، ورموز وطنية مثل رجالات الاستقلال والمير بشير والأمير فخر الدين وغيرهم ممن أجمع اللبنانيون على أنهم يمثلون تاريخهم وحضارتهم التي تمتد حتى الفنيقيين.
لماذا توقف اللبنانيون عن الاحتفال بعيد الشهداء، وبات كل حزب يحتفل بعيد شهدائه؟ كم من اللبنانيين يعلم اليوم القصة وراء نصب الشهداء في الوسط التجاري وأسماء الشهداء الذين شُنقوا هناك؟ لماذا توقف اللبنانيون عن الاحتفال بعيد الاستقلال بعرض عسكري له رمزية مقدسة، إذ إنها تعيد إحياء الروح الوطنية لدى الشعب؟ أين أغاني التراث اللبناني والدبكة اللبنانية التي كانت تتنافس فيها مكوّنات الشعب اللبناني من بعلبك الى جبيل الى طرابلس وبيروت والجنوب؟
طبعاً، الإعلام في لبنان لا يساعد إطلاقاً على تعزيز الروح الوطنية. فمحطات التلفزيون والراديو مملوكة من جهات لها توجهاتها الحزبية ومصالحها المترابطة مع القوى السياسية الطائفية. فهي تقدم احتفالات الأحزاب الطائفية بذكرى شهدائها (مع الاحترام الكامل لذكراهم) على أنها احتفالات وطنية. وكل لها مشاهدوها ومستمعوها تمدّهم بمعلومات تتناسب مع الأجندات السياسية والاجتماعية للأحزاب المالكة لها. وطبعاً شكلت الأحزاب جيوشاً إلكترونية لتسيطر على التوجهات في وسائل التواصل الاجتماعي، إذ إنها تروّج لكل ما يغذّي الفتن الطائفية والمذهبية، وتربط الانتماء الحزبي – الطائفي بالعمل الوطني. أي بمعنى آخر هي تساوي بين الهوية الحزبية والهوية الوطنية، وهما أمران لا يلتقيان أبداً. “الوطنية” هي الولاء للوطن أولاً وآخراً، لكن في لبنان الهوية الحزبية غالباً تعني الانتماء الى الطائفة أولاً وآخراً. وبما أن أعضاء الأحزاب يشكلون جزءاً مهماً من العاملين في القطاع العام، فإن إمكانات الدولة هي بتصرف الأحزاب، ومن هنا تظهر أهمية المحاصصة لدى الأحزاب عند تشكيل الحكومات. فهذه الوزارات هي مصدر دخل وقوة للأحزاب في لبنان.
وجود ميليشيات مسلحة في لبنان يزيد من تعقيد الموقف وخطورته. تتواجد ميليشيات في دول عدة حول العالم، لكن يكون وجودها عادة لخدمة مصلحة الدولة والوطن. فعلى سبيل المثال، تسمح باكستان بوجود ميليشيا في كشمير لتستخدمها في إطار النزاع الحدودي القائم مع الهند. وهناك دول عدة تسمح بظهور ميليشيات طائفية أو إثنية لخدمة مصالحها القومية، بخاصة في حالات وجود نزاع حدودي أو أيديولوجي مع دول مجاورة. لكن الوضع مختلف في لبنان، إذ إن الميليشيات باتت أقوى من الدولة، بل وتؤثر في قرارات المنظومة الحاكمة والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الوطن بأسره.
السلاح غير الشرعي يفقد الأجهزة الأمنية هيبتها وفعاليتها. وفي بعض الحالات تستخدم المنظومة الحاكمة في لبنان – أي الدولة – الميليشيات لحماية نفسها ومكتسباتها. فكم مرة هاجمت مجموعات منظمة الثوار والمنتفضين لردعهم من دون أن يُلقى القبض على أحد؟ كم مرة تم إطلاق الرصاص المطاطي والحي على متظاهرين من دون أي عواقب؟ لا إمكان لحدوث ذلك من دون تواطؤ بين الميليشيات وقادة الدولة (الأحزاب الحاكمة) مجتمعين. وكغيره من مؤسسات الدولة، بات القضاء مسيساً والأمثلة على ذلك لا تعدّ ولا تحصى.
على مجموعات الحراك أن تراجع استراتيجيتها وتبحث عن رموز وتقاليد وشعارات وطنية تعيد جمع الثوار تحتها وعبرها. يجب الابتعاد عن كل ما له ارتباط بأحزاب طائفية، بغضّ النظر إن كانت 8 أو 14 آذار. فأحزاب كلتا المجموعتين منقسمة أيديولوجياً، لكنها متفقة على تقاسم الحكم ومنظومة المحاصصة، وعليه، فإن شعار “كلن يعني كلن” يجب أن يستمر. يجب التركيز على إنشاء منظمات غير حكومية لتؤسس روابط مع أهم مصدر قوة للثورة وهو المغتربون اللبنانيون. لطالما كانت الشعوب في بلاد الاغتراب أهم مصدر لتقوية الروح الوطنية والحركات الوطنية في بلادها، وآخر مثال على ذلك هم الأكراد. فلقد أجمعت عشرات الدراسات خلال العقدين الماضيين على أن المغتربين الأكراد في أوروبا لهم الفضل الكبير والأساسي في استمرار الحركة الوطنية الكردية وتطوّرها، ما انعكس إيجابياً على أوضاع الأكراد في شمال العراق وأماكن أخرى.
المغتربون اللبنانيون هم قوة بشرية ومالية وثقافية هائلة، تتمتع بنفوذ سياسي في أماكن عدة حول العالم، وغالبيتهم ناقمون على المنظومة الحاكمة لما وصلت اليه أحوال لبنان، ولضياع أموال العديد منهم في المصارف اللبنانية. يجب تواصل مجموعات الحراك والمنظمات غير الحكومية فيه مع الحركات الثقافية والاجتماعية للبنانيين المغتربين لتشكيل آلية للضغط على المجتمع الدولي للتحرك ضد المنظومة الحاكمة، ولمدّ المجموعات اللبنانية بما تحتاجه من دعم إعلامي ومعيشي وتنظيمي لإشعال نار الثورة مجدداً. يجب البحث عن رموز وشعارات من التقاليد أو حتى ابتداع بعضها، لجمع اللبنانيين تحتها في حراك وطني موحد.

الكاتب editor Hossein

editor Hossein

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة