المحرّك” الفرنسي – الألماني… هل يعمل مجدداً؟  المصدر: النهار العربي أسعد عبود

 المصدر: النهار العربي
أسعد عبود
بذل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني أولاف شولتس جهداً كي يتغلبا على مرحلة الفتور التي تسود العلاقات بين باريس وبرلين، وذلك من خلال إحياء الذكرى الستين لـ”معاهدة الصداقة” بين فرنسا وألمانيا التي وقعها الرئيس شارل ديغول والمستشار كونراد إديناور، بعد 18 عاماً من انتهاء الحرب العالمية الثانية.
وإذا ما قيست العلاقة بين ماكرون وشولتس على تلك العلاقة التي كانت تربط الرئيس الفرنسي والمستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل، فإنه سرعان ما سيتبدى ذلك النوع من الحذر المستحكم بين ماكرون وشولتس.
أسباب كثيرة تقف وراء ذلك. يعتبر مراقبون أن شولتس من النوع الذي يمضي في سياسة “ألمانيا أولاً”، بينما كانت ميركل تلتزم سياسة “أوروبا أولاً”، وتضطلع بدور قيادي في هذا المجال. وهذا ما جعلها تتناغم مع ماكرون الذي ينتهج سياسة أوروبية بامتياز.
والخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي عام 2019، حتّم على فرنسا وألمانيا بذل مجهود كبير من أجل إبقاء الفكرة الأوروبية حية. وهذا ما فعله ماكرون وميركل، عبر لقاءات أسبوعية تقريباً منتظمة.
ومن سوء حظ شولتس أن الحرب الروسية-الأوكرانية انفجرت بعد أشهر من توليه منصبه. هذا التطور الخطير باغت شولتس الذي وجد نفسه مجبراً على إتخاذ قرارات خطيرة، ذات طابع داخلي من دون العودة إلى بقية زعماء الاتحاد الأوروبي، ولا سيما ماكرون.
مثلاً، قرر شولتس رصد أكثر من مئة مليار يورو لتحديث الجيش الألماني من دون التشاور أو التنسيق مع ماكرون. وكذلك فعل عندما خصصت الحكومة الألمانية 200 مليار يورو لمساعدة المستهلكين والشركات على مواجهة أزمة الطاقة الناجمة عن الحظر الأوروبي على واردات النفط والغاز الروسيين. فوجئ ماكرون بهذه الخطوة التي اعتبرها غير متوازنة بالمعايير الأوروبية، لأنها ستمنح الشركات الألمانية أفضلية على نظيراتها في فرنسا وفي بقية الدول الأعضاء في الاتحاد.
ولم يخف المسؤولون الفرنسيون استياءهم من توجه شولتس نحو شراء أسلحة أميركية في سياق خطته الضخمة لتحديث الجيش الألماني، وعدم الالتفات إلى الشركات الفرنسية في هذا المجال.
كما أن شولتس أظهر ميلاً إلى تعميق التعاون مع الصين، في وقت كان ماكرون يفضل أن يتم التعامل مع بكين بحذر وبخطوات محسوبة، في ضوء مواقفها من الحرب الروسية-الأوكرانية.
ولم تكن فرنسا راضية على تردد شولتس في تزويد أوكرانيا بالأسلحة الألمانية في الأشهر الأولى للحرب، قبل أن يتم تجاوز هذه المسألة لاحقاً عبر إرسال برلين صواريخ مضادة للدبابات وأنظمة للدفاع الجوي إلى كييف. لكن ذلك تجدد اليوم في ضوء عدم اتخاذ ألمانيا قراراً بتزويد أوكرانيا بدبابات “ليوبارد-2”.
مجمل هذه المواقف، جعلت ماكرون يتجه إلى تعميق التعاون مع دول أوروبية أخرى، مثل إسبانيا التي وقع مع رئيس وزرائها بيدرو سانشيز الأسبوع الماضي معاهدة للصداقة من أجل رفع مستويات العلاقات الفرنسية-الإسبانية إلى مستويات أعلى. وربما كان في توقيع هذه المعاهدة رسالة إلى ألمانيا جوهرها أن باريس تبحث عن شركاء آخرين في أوروبا.
ومن الملاحظ أيضاً أن ماكرون كان أول زعيم أجنبي يزور روما بعد تسلم رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني مهامها الخريف الماضي. وكانت تلك إشارة ذات مغزى في سياق التطورات المتسارعة في أوروبا.
ومع ذلك، لا تزال الفرصة متاحة أمام فرنسا وألمانيا للحفاظ على دور “المحرك” للاتحاد الأوروبي، في أصعب مرحلة جيوسياسية تمر بها القارة منذ الحرب العالمية الثانية. ولفرنسا وألمانيا دور أساسي في تقرير مصير الحرب أو في الدفع نحو خيارات دبلوماسية.
وعندما دعا ماكرون خلال الاحتفال بالذكرى الستين لمعاهدة الصداقة، إلى لعب الاتحاد الأوروبي دوراً جيوسياسياً كبيراً، صناعياً ودفاعياً من أجل تحقيق “سيادة أوروبية”، فإن ذاك كان التحدي الكبير الذي رفعه الرئيس الفرنسي أمام شولتس، ويكون قد رمى الكرة في الملعب الألماني.