فيلم “الحارة”.. الواقع كما هو لا كما نحلم به حسين عبدالحسين. الحره. نت

كارثة هي الصورة الوهمية التي يتصورها المجتمع العربي عن نفسه. أكثرية العرب يخالون مجتمعهم ملائكيا فاضلا، لا شتائم فيه، ولا ممارسة للجنس خارج إطار الزوجية، ولا مثلية جنسية، ولا احتساء للكحول، ولا عربدة، ولا كفر بالدين ولا بالذات الإلهية. يخال هؤلاء العرب أنفسهم من الصحابة والقديسين، فاضلين ملتزمين التقاليد والدين، وهي صورة محض خيال.

نحن العرب، ككل الشعوب، لسنا سواسية، ولا نتشارك في رأي واحد، ولا ذوق واحد، ولا تقليد واحد. بيننا المكتفي جنسيا في الزواج، وبيننا الزوج اللعوب أو الملعوبة . بيننا الورع التقي العفيف، ومنا الفاجر والفاسد، ومنا من هم بين بين، يوم لك ويوم لربك، يوم خمر ويوم أمر، كل مسؤول عن أفعاله، أو كما ورد في كتاب المسلمين: “ولا تزر وازرة وزر أخرى”.

الصورة الوهمية التي يتصورها العرب عن أنفسهم دفعتهم إلى ممارسة القمع الجماعي، وفرض الرقابة على الأفكار والأقوال كما على الإنتاج الأدبي والفكري والسينمائي، الدولي منه والمحلي. دوليا، كلما قدم غير مسلم رأيا أو رسما أو عملا استخف فيه بقصص المسلمين أو معتقداتهم أو شخصياتهم التاريخية، ثارت ثائرة المسلمين. غير المسلم لا يؤمن بنبوة محمد أصلا، ولا بالتوحيد، ولا بالإسلام، ويعبّر عن ذلك في رسم أو كتاب أو مقالة. ما يقوله شأنه، وإن كان في الآخرة يوم حساب، فله ما جنت يداه. لكن العرب، المسلمين منهم وغير المسلمين، يتوقعون أن يلتزم كل البشر رأيهم، وأن يمدحوا معتقداتهم، أو أن يخرس كل غير المسلم تحت طائلة الإيذاء الجسدي.

في دول العرب، القمع مشابه. ممنوع على العرب، مسلمين أو غير مسلمين، كتابة كتب أو مقالات أو إنتاج أغاني أو مسرحيات أو أفلام لا تتوافق وتقاليد البعض أو معتقداتهم، أو تؤيد المثلية، أو تُظهر أن العرب ليسوا صحابة وقديسين.

للمرة الثالثة في أقل من عام، تعلو صرخة عرب كثيرين ضد فيلم يعكس بدقّة العرب ومجتمعهم، فبعد الاعتراض على  تلميح فيلم ”أصحاب ولا أعز“ اللبناني إلى علاقات جنسية خارج الزواج ومثلية جنسية، وبعد رفع دعاوى فلسطينية ضد مشاهد عري نسائي في ”صالون هدى“، تعود جوقة الاعتراض ضد “القيم الهابطة والسقوط الأخلاقي” لتمارس صراخها وتطالب بمنع عرض ومحاسبة القيمين على فيلم “الحارة” الأردني بسبب ورود شتائم فيه والتلميح إلى ممارسات جنسية سرية بين حبيبين، فضلا عن تصوير نواد ليل تنتشر فيها الدعارة ويرتادها أرتال من الشباب العربي، من المحيط إلى الخليج.

للمرة الثانية في أقل من عام، تقف ميسا عبد الهادي في عين العاصفة، فهي التي ظهرت عارية (ومغمى عليها تحت تأثير مخدر) في “صالون هدى”، وهي التي كالت الشتائم على من حاول استدانة سلفة منها في “الحارة”.

أي عربي يعرف تمام المعرفة أن “الحارة” يصور الحياة العربية بدقة. في بعلبك اللبنانية ذات التقاليد المحافظة، والتي نشأت فيها في نفس الزمان والمكان الذي تأسس فيه “حزب الله” الإسلامي اللبناني، كانت العلاقات الجنسية، المثلية منها وغير المثلية، منتشرة، حتى في أكثر زوايا المجتمع تزمتا وتدينا، وكذلك كان استهلاك حشيشة الكيف والكحول وغيرها.

لا يعني ذلك انحلال وهبوط وانحدار، بل يعني أن الهندسة المجتمعية مستحيلة، وأن المجتمعات التي تسعى الى التعامل بواقعية مع الطبيعة البشرية وشهوتها الجنسية، وتسعى لتوعية من يمارسونها على محاسن ومخاطر هذه الممارسة، هي مجتمعات تتقلص فيها الحياة السرية في الظلام، اذ في الظلام ينمو الشر وتترعرع الجريمة، من شرف أو غيره، فيما يقلّص الانفتاح المشاكل الناجمة عن القمع، والتعييب، والكتمان، والحرمان.

حان وقت تعييب من يعيبون المنفتحين من العرب، ومن يحرّضون ضد من يحاول تصوير الحال على ما هي، ومن يحظرون الآراء التي تختلف عن رأي الجماعة. حان وقت تقديم كل الدعم والاحترام للعرب ممن يسعون لتصوير الحقيقة، والتعامل مع الناس وشؤونها على ما هي عليه، لا حسبما يتمنى الواهمون.

إن التمسك بالصورة الخيالية للمجتمع العربي الفاضل مشكلة قديمة ومزمنة بين العرب، والتمسك بالوهم عموما هو الذي فرض، وما يزال، الفشل العربي والانحطاط، فالعرب لم يخسروا حربا، وإن خسروها، فليس ذنبهم بل لتآمر العالم عليهم، وهذه مشكلة منذ هلل أحمد سعيد لنصر 1967 عبر “صوت العرب”، ليتضح أن الواقع كان هزيمة، وهي هزيمة لم تصفع العرب وتحملهم على التعامل مع الواقع، بل كرّست الوهم العربي الذي قلّل من شأنها بتسميتها نكسة، أي أنها كانت كبوة مؤقتة بانتظار الانتصار المؤكد الذي لم يأت حتى اليوم، ولن يأتي.

ومثل في مصر، كذلك في العراق الذي احترق جيشه الذي غزا الكويت، وأحرق معه النفط العربي الكويتي، وأعلن “أسد السنة” صدام حسين “النصر بعون الله” في “أم المعارك”. وكذلك في بيروت، أعلن “حزب الله” انتصارا إلهيا على إسرائيل فيما زعيمه لا يجرؤ على الخروج من مخبئه تحت سابع أرض.

إن سعي العرب لقبول الحقيقة والتعامل مع الواقع كما هو، لا كما يتمنوه، هو أساس الخروج من عصر الانحطاط الذي يعيشون فيه منذ عقود، وحسنا ما فعلت الأفلام التي أثارت هلع حراس الهيكل بتقديمها صورة الواقع العربي كما هو، بألفاظه اللطيفة كما النابية، وتصوير الخروج عن التقاليد جنسيا بين أفراد عليه القوم، كما في “أعز الأصحاب”، والأقل حظوة والمعدمين، كما في “الحارة”.

لم تأت الديانات السماوية لتعدّل فطرة البشر، بل لتساعد في التعامل معها، فإن بعدت التعاليم عن الواقع، اقتصر الدين والتقاليد على الخيال والشعر فقط، واصبح الواقع منفصلا عن الانتاج الفكري والفني والأدبي. أما الأفضل، فهو ردم الهوة حتى ترافق الشريعة السمحاء وتقاليدها الزمن الحالي، لا أن تطلب طاعة عمياء يتظاهر الأتباع بتأديتها فيما هم يعيشون سرا نقيض ما يظهرونه علنا.