جنديرس السّورية المنكوبة… هل تعطي الطفلة آية أملاً بولادة جديدة من قلب الموت؟  المصدر: دمشق-النهار العربي

عمليات إنقاذ في جندريس.(أف ب)
قد تكون الطفلة آية التي ولدت تحت الأنقاض وظلت لساعات معلّقة بأمها المتوفاة عبر الحبل السري قبل انتشالها، الصورة الوحيدة التي تعطي الأمل في مشهد الدمار شبه الكلّي الذي أصاب بلدة جنديرس في ريف عفرين، شمال حلب.
جنديرس التي تعرضت في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي لغزوة عسكرية نقلت السيطرة فيها إلى “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً) وحلفائها فرقتي “الحمزة” و”سليمان شاه”، تعتبر من أكثر مناطق شمال غربي سوريا تضرراً جراء الزلزال الذي ضرب المنطقة في 6 من الشهر الجاري.
ولم يكن مستغرباً جراء ذلك أن يصل فريق إغاثي مصري إلى هذه البلدة ليكون أول جهد عربي ودولي يساهم في عمليات الإغاثة والإنقاذ في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة السورية.
وتتبع بلدة جنديرس لمدينة عفرين في ريف حلب الشمالي، وهي محاذية لخطوط التماس بين مناطق سيطرة “الجيش الوطني” المدعوم من تركيا في ريف حلب، ومناطق سيطرة “هيئة تحرير الشام” في إدلب.
وتعتبر جنديرس ناحية من النواحي السبع التي تضمها مدينة عفرين وهي: عفرين، شيخ الحديد، معبطلي، شران، بلبل وراجو.
ومع مضي ما يقارب 72 ساعة على وقوع الزلزال المدمر، بدأت تتلاشى الآمال في العثور على أحياء تحت أنقاض الدمار الهائل الذي حلّ بالبلدة، وهو ما دفع المنظمات الإنسانية والنشطاء إلى إطلاق نداءات استغاثة إلى المجتمع الدولي للمساهمة في عمليات الإنقاذ، لعل ذلك يساعد في تضييق حجم الخسائر في الأرواح.
وباستثناء الفريق المصري، لم يصل إلى المنطقة سوى فرق إغاثة محلية وفرق تطوعية وصلت من أماكن قريبة وعناصر في “الجيش الوطني السوري” العامل في المنطقة والممول من تركيا. وكان الهلال الأحمر السوري قد أعرب عن استعداده لإرسال عناصره إلى أي منطقة منكوبة، بما فيها المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة السورية في حال توفر شرطين هما المعابر والأمان، غير أن مثل هذا العرض يبقى نظرياً، لأن من المستبعد أن يحظى بموافقة الفصائل المسيطرة على المناطق المنكوبة بسبب موقفها المعادي للنظام.
وشكك أحمد أبو زيد، وهو ناشط سوري معارض، أن يكون الفريق المصري يمثل الدولة المصرية بل هو فريق من المتطوعين، بحسب قوله، مستنداً إلى أنه لم يصدر أي إعلان رسمي من الحكومة المصرية حول مشاركتها في أعمال الإنقاذ في مناطق خارجة عن سيطرة الدولة السورية.
وذكرت تقارير إعلامية سورية معارضة أن عشرات الأبنية مهدمة بالكامل، وأن عددها يتجاوز 220 بناءً بحسب شهادات محلية، وأن عشرات الأشخاص ما زالوا تحت الأنقاض بانتظار من ينقذهم.
وأضافت أن سيارات محملة بمواد غذائية وطبية وألبسة وخيام وصلت إلى البلدة، بعد حملات دعم وتبرعات أطلقها ناشطون وأهالٍ في مدن وبلدات وقرى مجاورة أقل تضرراً من الزلزال.
ووصل عدد الوفيات في البلدة إلى 715 حالة وفاة، وعدد العائلات المتضررة إلى ثلاثة آلاف و907 عائلات، و107 عائلات غير معروف وضعها حتى لحظة نشر هذا التقرير، في أحدث إحصائية حصلت عليها “عنب بلدي” من المجلس المحلي في جنديرس.
وجاء في إحصائية المجلس، أن عدد العائلات الموجودة خارج المنازل المتضررة بلغ ألفين و690 عائلة، وعدد العائلات التي غادرت إلى خارج جنديرس إلى القرى المحيطة 760 عائلة.
ويبلغ عدد الآليات التي تعمل ضمن جنديرس 42 آلية، وجرى تجهيز مخيمي إيواء لـ350 عائلة من أصل العدد الكلي للعائلات المتضررة (3907 عائلات).
وتحتاج البلدة، وفق المجلس المحلي، إلى نحو ألفين و500 خيمة إيواء، وتأمين وجبات طعام ومياه لمراكز الإيواء وسكان البلدة عامةً، وتأمين مركز ميداني للحالات الطارئة.
كما تحتاج المنطقة لتأمين سلل إغاثية من نوع “NFI”، وهي سلل “مأوى” (تضم إسفنجات وبطانيات ومواد غذائية ونظافة)، بالإضافة إلى تأمين تدفئة.
ونشر “الدفاع المدني” تسجيلاً مصوراً من بلدة جنديرس، أمس، واصفاً الأوضاع بـ”الكارثية”، وذكر أن أكثر من 300 حالة وفاة استجابت لها فرقه، وأن عدد الجرحى زاد عن 800 جريح في البلدة، وأن مئات العائلات تحت الأنقاض.
ووصف المرصد السوري لحقوق الإنسان المعارض ما يحدث في منطقة جنديرس في عفرين بأنه “كارثة حقيقة”، ولفت إلى أنه “نشر صوراً من هناك، مئات العائلات قتلت في تلك المنطقة، وهناك الكثير من المفقودين، 200 منزل تضرر، 90 منزلاً دُمر بالكامل، 2082 رقم أولي للذين فارقوا الحياة، جنديرس هي المنطقة الأكثر كارثية وتضرراً”. وأضاف المرصد أنه “من ضمن 90 مبنى تم مساعدة 12 مبنى، وهناك المئات من الضحايا في هذه المنطقة الصغيرة، هناك شكاوى كثيرة من سكان جنديرس وعفرين وبعض المهجرين قالوا ذهبنا إلى نقطة تركية لطلب المساعدة لكنهم لم يلبوا ولم يساعدونا”.
وتكاد تكون العبارة الأشد قسوة التي يرددها عمال الإغاثة وبعض النشطاء في المنطقة هي “نسمع أصواتهم، لا يزالون أحياءً لكن ليس هناك من يخرجهم” في شكوى متكررة من عدم وجود اهتمام حقيقي من أي جهة داخلية أو خارجية بإغاثة المنطقة المنكوبة، وأن أعداد الفرق التي تتولى عمليات الإنقاذ فيها لا تكفي للقيام بالحد الأدنى من النشاط الإغاثي المطلوب.
ومع ذلك فقد احتفل فريق إغاثي بعد تمكنه من إنقاذ قطة كانت عالقة تحت أنقاض أحد الأبنية منذ وقوع الزلزال، في مفارقة واضحة أنهم يعملون على إنقاذ جميع الأرواح، بما فيها أرواح الحيوانات، فيما أرواح البشر المحاصرة تحت الأنقاض لم تحرك الضمير العالمي بعد مرور كل هذه المدة.
وبالعودة إلى الطفلة آية، فقد صرح الطبيب آني معروف الذي يتابع وضعها الصحي: “أجرينا لها إسعافات أولية وأعطيناها الكالسيوم عبر الحقن الوريدي، كونها بقيت لساعات من دون رضاعة”.
وأضاف: “حالتها العامة مستقرة، لكن ثمة كدمات شديدة على جسمها”، مرجحاً أن تكون تلقتها وهي في رحم والدتها.
وتوقّع أن تكون الولادة قد تمّت بعد قرابة سبع ساعات من حصول الزلزال.
وأوضح معروف أن وزنها يتجاوز الثلاثة كيلوغرامات، وهو الوزن الطبيعي لطفل حديث الولادة، ما يعني أن أمها كانت قد اقتربت من موعد ولادتها.
وبينما الصغيرة قيد المراقبة الطبية، تم بعد ظهر الثلثاء تشييع باقي أفراد أسرتها في جنديرس، وفق ما أفاد مراسل لوكالة “فرانس برس” في البلدة.
وكانت الجثث قد نقلت بعد انتشالها إلى منزل مجاور للمبنى المدمر. ويأمل نشطاء أن يكون مصير هذه الطفلة بمثابة البشرى بأن يكون مصير بلدة جنديرس مشابهاً لها، بحيث تتواصل الحياة من قلب الموت.