ألكس تومسن([1])                                                         

ترجمة: خالد حسين

تناولَ جاك دريدا في عَملهِ الأَخِيْرِ مَوضوعاتٍ أَسْاسيةَ في الفلسفةِ السياسيّةِ مثل طبيعةِ السُّلطةِ السّياسيةِ والعلاقةِ بين السِّياسةِ والعَدالةِ والقانونِ. بيد أنّ أسلوبَ كتابتِهِ وفكرِهِ في هذهِ الحقبةِ يمكنُ أن يشكّلَ مانعاً لفهمَ مَشْروعِهِ. وفي هذا المقالِ سَأسَعى لاستعمالِ كتابِ دريدا “المارقون” Rogues مثالاً، بِعِنْوَانِهِ الفرعيّ “مقالتان عن العَقل”، للكشْفِ عن الطَّرائقِ التي تثيرُ بها تحليلاتُهُ أسئلةً عميقةً ومثيرةً للقلق، ولكنهَّا تؤدّي وظائفَهَا أيضاً بصورةٍ مباشرةٍ أكثر بوصفها اعتراضاتٍ سياسيةٍ. وبُعيدَ النَّظر أولاً في صِيْغةِ فِكر دريدا، سأستمرُّ وأتأمّلُ العَلاقةَ بين الدِّيمقراطيّةِ والعَدالةِ، قبل التّحوّل إلى العَلاقةِ بين الديمقراطيّةِ والسّيادةِ، وأَخِيَراً [أتوقفُ] عند فِكْرةِ الوَعْدpromise. ولكي ندركَ الآثارَ المترتّبة عَلَى كلتيهما [الدِّيمقراطية والسّيادة]، ينبغي أنْ نأخذَ بحسبانِنا الرَّوابطَ بينهما واستخدامِ عِبارة “الدِّيمقراطية القادمة”democracy to come طوالَ عملهِ في هذهِ المرحلة.

إنَّ الدّيمقراطيّةَ هي مفهومٌ متنازعٌ عليه بقوّةٍ في كلٍّ من النِّظريّةِ السّياسيّةِ و[مجالِ] المُمَارَسَةِ. وطوالَ مُعْظَمِ تَاريخِهِ، حَمَلَ المُصْطَلحُ دلالةً ازدرائيةً، وبدْءاً من منتصفِ القرن التَّاسعِ عشر، انتهى الأمرُ بالمصطلح ليكتسبَ مَوْقَعَاً مَرْكزياً في القَاموس السياسيّ الحديث. وكما يَرْصُدُ المنّظرُ السّياسيُّ جُوْنْ دُنْ، فإنّ وجودَ “اسمٍ واحدٍ على النِّطاقِ العالميِّ للأساسِ القانونيِّ للسُّلطةِ السياسية” هو “حقيقة مذهلة” (Dunn 2005: 15). وفي كتابهِ “المارقون” يُنبِّهُنَا دريدا إلى هذا التّحَوّل إذ يَسْرُدُ سلسلةً من الاتّهاماتِ التي وُجِّهَتْ للديمقراطيّةِ من قِبلِ الفلاسفةِ خلالَ القُرُوْنِ: من حيثُ إنّها غيرُ مستقرةٍ، فوضويةٌ، إباحيةٌ، مضطربةٌ. ويمكنُ متابعتُها ذلكَ في تاريخِ الفَلسفةِ. ولأنَّ الديمقراطيةُ تفترضُ المساواةَ الأساسيّةَ بينَ مواطنيها، فإنّها تُهدّدُ بإلغاءِ وَعْدِ الفلسفةِ لجعْلِ التمييزات عَلى أَسْاسِ التَّفوقِ، ومن ثمَّ تحديدُ النّظام الأفضل. كذلكَ لكونِ القراراتِ يجبُ أنْ تستندَ إلى إحصاءِ الآراء، بدلاً من تعيينِ الحقيقة، فالديمقراطيةُ بناءً على ذلك  لنْ تَرْقَى إلى مِسْتَوى المِثَال الفَلسَفيّ. وهَذَا قَدْ يقودُ الفلسفةَ إلى رَفْضِ الدَّيمقراطيّةِ ـــ إمّا بالانْسِحابِ من السّياسةِ، أو بالسّعي لقَلبِ الديمقراطيّةِ باسم الحقيقةِ، وذلك بمساواةِ قوّةِ العَقْلِ مع قوّةِ السُّلطةِ. يُذكّرَنَا دريدا ببعضٍ مِنْ هَذَا التَّاريخ، ربّمَا عَلَى سَبيل التَّحْذِيرٍ: “ثمة في النّهايةِ عددٌ قليلٌ من الخِطاباتِ الفلسفيّةِ إلى حَدٍّ ما، وَذَلكَ بافتراضِ وجودِ أيّةِ خطاباتٍ فلسفيةٍ على الإطلاق، في التَّقليدِ الفلسفيّ الطّويلِ الذي يَمْتدُّ من أَفْلَاطُوْن إلى هَايدغر، إذ انحازتْ إلى جَانبِ الديمقراطيةِ دونَ أيّةِ تَحفظاتٍ” (R: 41).

بيدَ أنّهُ قد ارتبطتْ مسألةُ الدّيمقراطيةِ دائماً، في تَفْكير دريدا، بصورةٍ مباشرةٍ مع الفَلسَفةِ. إذْ يكتسبُ المصطلحُ أولاً نبرتَهُ المميّزةَ في عَملِ دريدا وذلك في مقالٍ نُشِرَ عام 1990 حولَ “الحقّ” في الفلسفةِ، وهو انعكاسٌ لحملاتِهِ السّياسيَةِ المتنوعةِ لدعمِ تَدريسِ الفَلسفةِ في المدارسِ الفَرنسيّةِ.

وهنا يشيرُ بصورةٍ عابرةٍ إلى أنُّهُ “ليسَ ثمّةَ ديمقراطيةٌ عموماً دُوْنَ [الحقّ في الفلسفةِ]” وبخلافِ ذلكَ، فإن “الدِّيمقراطيةَ، الدِّيمقراطيّةَ التي تظلُّ قائمةً، هي أيضًا مفهومٌ فلسفيٌّ”(WP: 29). ومن حيثُ المبدأِ، تُعَرِّفُ الفَلسَفةُ نَفْسَهَا بأنَّها مُمَارسةُ العَقْلِ، وَمِلْكِيّةُ أيِّ شَخْصٍ، ومن ثمَّ تقتضي ضِمْنَاً المساواةَ والشُّمولية على حدٍّ سواء.  وَفِعْلياًّ، فإنَّ مفهومي الدّيمقراطيّةِ والفَلسفةِ اللذين نَرِثُهُمَا قد وُلِدَا معاً في أَثِيْنَا القَدِيْمَةِ. وهَذا يقودُنا إلى المُشكلةِ الثّانيةِ التي أُشيرَ إليها أَعْلَاه وجرى تطويرُها في كتاب “المارقون“: أيْ الهيمنةِ العَالميةِ الرّاهنةِ للديمقراطيةِ بوصفها اسماً للسّياساتِ الشّرعيّةِ. إنَّ التأكيدَ َعلَى هَذا الميراثِ المزدوج يَعْني إعْطاءَ الأفضليةِ “لما يُسمَّى بالتقليد الأوروبيِّ (أي التقليدِ المسيحيِّ ــ اليونانيِّ والعَولمةِ في الوقتِ ذاتهِ) الذي يُهيمنُ عَلى المفهومِ العَالميِّ للسِّيَاسَةِ”(R: 28). ومن الممكنِ أنْ تكونَ هذه إيماءةٌ قَويّةٌ. وَتَبَعَاً لدريدا، فإنَّ هذا الخطرَ لَهُ ما يُسّوِّغُهُ، نظراً لأنَّ الديمقراطيةَ هي “الاسمُ الوحيدُ لنظامِ، أو حتّى شبهِ نِظامٍ، منفتحٍ على تحوّلهِ التاريخي الخاصِّ، ليكتسبَ مرونتَهُ الجوهريةَ وقابليتَهُ الذَّاتيّةَ عَلَى الانتقادِ اللامتناهي، بل، إذ يَتَسَنَّى للمرءِ أنْ يقولَ، حتّى تحليلِهِ اللامتناهيّ “(R: 25).

ومن هنا؛ فإنَّ العَلاقةَ بينَ مَفْهُوْمَي الدّيمقراطيةِ والفَلسَفَةِ مُعَقَّدَةٌ، فَكَلُّ مِنْهُمَا يَقْتَضِي الآخَرَ، لكنْ كلٌّ مِنْهما يُهَدِّدُ الآخَر في الوقتِ ذاتهِ. وبالإضافةِ إلى ذلك، فكلٌّ مِنْهَا كونيٌّ من حيثُ المبدأ، ومنتشرٌ عَبر العَالم عَلَى صَعِيْدِ المُمَارسةِ، فكِلَاهما يَنْطَوِي عَلَى تناقضٍ وَاضِحٍ بِخصوصِ إدعاءاتهما وذلك بإنصافِ تعدُّديةِ الأصواتِ المتساويةِ، وحقيقةِ أنّهُ يمكنُ تَفْسِيرهُمَا عَلَى كَوْنِهِمَا هيمنةَ صَوتٍ أوْ تقليدٍ واحدٍ عَلَى الآخَرين. وبملاحظةِ هَذهِ البُنيةِ المُعقّدةِ، يُمْوْقِعُ دريدا نَفْسَهُ دَاخِلِهَا: ومن ثمَّ العملُ في نطاقِ الفَلسفةِ والتَّأكيدِ عَلَى غُمُوْضِ عَلاقَتِهَا بالدِّيمقراطيّةِ، مَعَ الاحتفاظِ تأكيداً عَلَى حَقِّ الفَلسفةِ في انتقادِ الدِّيمقراطيةِ بصورةٍ لانهائيّة. وهو يَعترفُ أيضاً بأنَّ هَذهِ إشارةٌ سياسيّةٌ مُتَوَرِّطِةٌ في عَلَاقاتِ القوَة: ومن ثمَّ إدراجُ علامةِ استفهامٍ بمواجهةِ ادّعاءِ إِحْداهُمَا: الفَلسفةِ أو الدّيمقراطيةِ بِأنَّها مُحَصَّنَةٌ من عُنفِ النَّضالِ السِّياسيِّ. وَهَذَا يتيحُ لنا التوصلَ إلى فهمٍ أوليِّ للطريقةِ التي يَشْرَعُ بها دريدا التفكيرَ في السّياسةِ. وفي مقابلةٍ معطاةٍ في عام 1989 أَوضحَ أنّ ندوتَهُ الرّاهنة “مُوَجّهَةٌ نحو التَّفكيرِ حولَ الدِّيمقراطيّةِ”. بل إنَّ الدِّيمقراطيّةَ الّتِيْ مِنْ أَجْلِهَا تَعْملُ المفاهيمُ الحاليّةُ عَلَى تَعْريْفِ الدِّيمقراطيّةِ غيرُ كافيةٍ. وَقَدْ يَقُوْلُ المرءُ إنّهُ تَقْويضٌ لما هو دائمًا مَفْهومٌ مُعْطَى للدِّيمقراطيّةِ“(N: 178، التشديد من دريدا). لذلكَ يَشْرَعُ دريدا بالتّشكيكِ في المفَاهِيمِ التي نَسْتخدمُهَا لفهمِ الدِّيمقراطيةِ، بقصدِ إيجادِ أوْ استعادةِ شيءٍ قد نقيسُ إزاءَهُ ليسَ فقط مَدَى كفاءةِ أنظمتِنَا السّياسيّةِ الدّيمقراطيّةِ الحَاليّةِ، ولكنْ كذلك المفاهيمُ التي بوساطتِهَا بالفعلِ نَنْتَقِدُ الدِّيمقراطيةَ وَنْفْهَمُهَا. وَهَذَا يَبْدو إلى درجةٍ كبيرةٍ مثلَ صيغةٍ من النّقدِ بالمعنى الذي مَنحَهُ إياه إيمانويل كانط لأوّل مرةٍ، الذي لا يزالُ يعزّزُ فكرةَ الفَلسفةِ النَّقديّةِ بصورةٍ عامّةٍ: أيْ البحث في شُروطِ إمكانيّةِ الدِّيمقراطيّةِ، مِمَّا يُتِيْحُ لنا بتعريفِ ديمقراطيّةٍ مِثاليّةٍ قَد نُوَجِّهُ أَنْشِطَتِنَا السّياسيَةَ نَحْوَهَا. ولكنّنا يَنبغي أن نضعَ في الحِسبانِ تحذيرَ دريدا في كِتَابهِ “أشباح ماركس“، من حيثُ إنَّ فكرَهُ يأخذُ صِيْغةَ “نَقْدٍ جَذْريٍّ أعني التّأهّبَ الإجرائيَّ للقيام بانتقادهِ ــ ذَاتيّاً.  وَيَبْتَغِي هَذَا النَّقدُ أن يكونَ ذاتَهُ من حيثُ المبدأ ومُنفتحَاً صَراحةً عَلَى تحوّلِهِ الخاصّ به وإعادةِ تَقْيِيْمِهِ وإعادةِ تفسيرِهِ الذّاتيِّ”(SM: 88، التشديد من دريدا). إنَّ الراديكالية  Radicalismتعني الرُّجوعَ إلى الجذور(في اللاتينية: radix = الجذر) وهَذَا يَعْنِي العَوْدَةَ، ليسَ للتدْمِيرِ وإنّمَا لإعادةِ البِنَاءِ. وَكَمَا صَرّح في مقابلةِ عام 1989: “ما يَهمُّني هَو أنْ أدركَ كيفَ نشأتْ فكرةُ الدِّيمقراطيّةِ في الغَرْبِ وفي الوقتِ نفسهِ ما الّذِي يُمْكِنُ ويَنْبَغِي أن يُصَانَ منها”(N: 179).  إنَّ الانفتاحَ على انعطافِ فِكْرِ دريدا الشِّديدِ الإفراطِ في النّقدِ   hyper-critical thoughtيعني التّشكيكَ في تناقضِ المثل الأعلى الديمقراطيّ مع الدِّيمقراطيّةِ القائمة بالفعلactual-existing democracy، بينما يُرجِىءُ النقدُ الذاتيُّ زعمَ الفيلسوفِ بأنه يمتلكُ الإجاباتِ عَلَى الأسئلةِ السّياسيّةِ، أو أنّهُ يُحدِّدُ اتِّجَاهاً لِلْمُجْتَمعِ بوصفهِ كلّاً.

وَمَا يَكْشِفُهُ تفكيرُ دريدا الشَّديدُ الانتقادِ للديمقراطيةِ هو مَا يُسمّيه بـ”الديمقراطية القادمة”، وهو الوعدُ بصيغةٍ من السّياسَاتِ التي تتخطَّى الفلسفةَ الديمقراطيةَ القائمةَ وممارستَهَا. وتشيرُ الصِّياغَةُ [الديمقراطية القادمة] إلى صِلَةِ الاهتمامِ بالزَّمنِ الذي يَمْتَدُّ طَوَالَ عملِ دريدا: فما سَيَأْتِي (à-venir) يُوْمِىءُ إلى الافْتتاحِ الذي يُمَيّزُ صِيْغَةِ الزّمَنِ عَلَى هَذَا النَّحْو، لذلكَ فهوَ ليس مسْتقبلًا معينّاً (avenir)، أو شيئاً من هَذَا القَبِيْلِ ربما يَصِلُ، ولكنَّهُ انفتاحُopen-endedness التَّاريخِ نَفْسِهِ. وأحياناً يربطُ دريدا تجربةَ الوَعْدِ هَذهِ بِفكرةِ “المسيانية من غير مسيانية”([2])، وهو يلمِّحُ بذلكَ إلى أنَّ عملَهُ قد يتخذ شكلَ شهادةٍ أو تَعبيرٍ عن الدِّيمقراطيّةِ، ولكنَّ هَذَا يَنْبَغي أنْ يكونَ مُخْتَلِفَاً عن أيِّ يقينٍ أو حتى تفاؤلٍ بأنَّ تحسُّناً محدّداً في ديمقراطياتنا أمرٌ ممكنٌ أو محتملٌ. وطوالَ عملِهِ في تلكَ الفَترةِ، فإنَّ محاولتَهُ لِتَحْدِيْدِ “الدِّيمقراطيّةِ” من خِلالِ تقديرِ التّهديداتِ والفُرَصِ المعَاصرةِ للدِّيمقراطيّةِ، وكذلكَ الطُّرق التي   بموجبها يغدو التحوّلُ المعاصرُ للتّجربةِ السّياسيّةِ ــ على سبيل المثال تقنياتِ الاتصالِ المتقدّمةِ ــ دائمًا تعبيرًا عن هذهِ البُنيةِ الوَعْدِيّةِpromissory structure : أيْ خطرِ الدّيمقراطيةِ الأقلّ، وإمكانيةِ المزيدِ مِنْهَا كِلَيْهِمَا. وفي كتابه “المارقون”، يمضي إلى حَدِّ تصوير الديمقراطيّةِ بِوَصْفِهَا “انْتِحَاريةً”، وبصورةٍ عامّةٍ يَسْتَهْدِفُ تفكيرُ دريدا إقْلَاقِنَا. وفي إحدى لقاءاتِهِ الرئيسيةِ الأخيرةِ بَعْدَ هجماتِ الحادي عَشَر من سبتمبر مباشرةً، يَرْبِطُ دريدا المستقبلَ بفكرةِ الصَّدْمةِ. فأيُّ حَدثٍ سيكونُ صَادِمَاً لأنّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى تندُّبِ نسيجِ التَّاريخِ وتَغْيِيْرِهِ وإتلافِهِ، ومن ثمَّ نشوءُ الجَديْد. وَهَذَا قَدْ يَوْحِي لنَا في عبارةِ “الديمقراطية القادمة” أنَّه لا يَنبغي أنْ نسمعَ عن أمنِ مستقبلٍ ديمقراطيٍّ متألقٍ مكفولٍ من خِلالِ تَوسيعِ العَدالةِ العَالميّةِ، بَلْ عن شيٍءٍ يُشْبِهُ الانتشارَ المستمرَ لحدثٍ مؤلمٍ من الصّراع السّياسيِّ. وانعطَافَاً عَلَى سرديةٍ سابقةٍ للدِّيمقراطيّةِ فِيْمَا يَتّصِلُ بإمكانيّةِ العَدَالةِ، يبدأُ دريدا بالتَّساؤل عن مفْهومِ المساواةِ ذاتِهِ الذي تتأسّسُ عَليهِ الدّيمقراطيّةُ.  وإذا كان مفهومُ المساواةِ إشكالياً، فَمَاذَا يَعني ذَلكَ بالنسبةِ للنِّظامِ السّياسيّ المحدَّدِ بالمقارنة معها؟ وباتخاذِ هَذَا [الأَمْر] كنقطةٍ انطلاقٍ، يمكنُ النَّظرُ إلى دريدا بأنّه يُطِّورُ مَوضوعاتٍ من فِكْرِ إيمانويل ليفيناس[3]، الذي تحدَّى التّفكيرِ الفَلسفيِّ باسم الأَخْلاق. وهكذا فمسؤوليتُنَا تجاهَ الآخرين تملكُ هيمنةً أساسيةً علينا إذ تتحدّى المساواة وذلكَ عبر مطالبتِنَا بوضعِ احتياجاتِ الآخرين قبلَ احتياجاتِنَا الخاصّةِ؛ فَالمساواةُ بينَ الكائناتِ العَقلانيّةِ المفترضةِ عَبْرَ الفلسفة ستكونُ غيرَ مؤهلةٍ جَذْرياً لِهَذِهِ التّجربةِ من التزامِنِا الأخلاقيِّ. وفي غُضُونِ السّعي لتجنُّبِ بناءِ أولويةٍ هرميةٍ للتجربةِ الأخلاقيّةِ عَلَى الفَلسفةِ، أصرَّ دريدا طَوَالَ عملِهِ منذً الثمانينياتِ فصاعداً، عَلَى أنَّ مَفْهومَ المسؤوليةِ يفترضُ مُسْبقاً شَيْئاً فَائضاً: إنَّه يَنْبَغِي أنْ يَعْنيَ أكثرَ منْ مجرّدِ إتمام مجموعةٍ محدودةٍ من المهَام، أو إنّهُ لا شيءَ عَلَى الإطْلَاق. لكنَّ هَذَا الإفراطَ في الممارسةِ يُضْعِفُ منْ إمكانيةِ التَّحليلِ الصَّارمِ للمسؤوليةِ من النَّاحية النّظريَة: وفضلاً عن ذلكَ، ومن الناحية العملية، فإنَّ تنظيمَ العَالم الاجتماعيِّ عن طريقِ القوانين (سواءٌ أكانتْ عُرفيّةً أو قانونيةً) فإنها تحدُّ من لانهائيةِ مَسْؤولِيَتي بطرقٍ تجعلُ ذلكَ مُمْكِنًا لأَرْتَقِيَ على الأقلّ إلى مِسْتَوَى بعضِ مسؤولياتي. وبفجاجةٍ، يمكننا أن نأخذَ هَذَا عَلَى أنَّهُ تَوْصِيْفٌ للعاَلم الاجتماعيّ والسياسيّ المعطى ــ مُسْبَقَاً، الذي يُوْلَدُ فيهِ الأَفْرَادُ. فأنا لستُ مُتساوياً مع مَطْلَبِ الآخَر بِكِلَا مَعْنَيي المُصْطَلَحِ: إذ لا يُمْكِنُني أنْ أطمحَ إلى مِسْتَوى التزام مُلِحٍّ للغايةِ، وأنْ أَرَى ذاتيَ على قَدَمِ المسَاواةِ مَعَ الآخرين فَسَيَكُوْنُ بالفِعْلِ فَشَلَاً أَخْلَاقيًا. إنَّ الوضعَ الذي نَأْلَفُ أنفسَنا فيهِ هو بمنزلةِ مَأزقٍaporia ــ وهو تناقضٌ كاملٌ يُمْكِنُ أَنْ نَخْتَبِرَهُ ولكنَّ [تقديمَ] تَوْصيفٍ عَقْلانيٍّ مُفَصَّلٍ لهُ غيرُ ممكنٍ. وَهَذَا المَأْزَقُ هُو قيمةٌ تقريبيةٌ لمِاَ يُسَمّيه دريدا بالعَدالةِ: أيْ الطَّلبِ غَير المشروطِ وغَيرِ القَابلِ للوفَاءِ المفروضِ عَلَى كَاهِلي عَنْ طَريقِ حقيقةِ الوجودِ fact of existing في عَالَمِ الآخرين، العَالم الذي جَرَى تخفيفُهُ من خلالِ القَوَانينِ التي تَضعُ قيوداً عَلى مَا يُتَوَقَّعُ مِنّي، وَمِن ثَمَّ يمنحُني مساواةً مع الآخرين الذينَ يضلّلونَ دائماً الدعوةَ غير المتماثلةِ لمعاملةِ الآخرين بوصفهِم أكثرَ مساواةً منّي. يتلخّصُ مَغْزى هَذِهِ المُشْكِلةِ بالنِّسبةِ لدريدا كَمَا في “قوةِ القانون: الأُسُس الغَامضة للسّلطة”، فهو يجادلُ بَأنَّ “العَدَالةَ في حِدِّ ذَاتِهَا، هذا إذا كانَ هَذا الشَّيءُ موجوداً، خارجَ القانون أو ما وراءَهُ، لا يُمْكِنُ أنْ تكونَ قابلةً للتقويضِdeconstructible. فهي ليستْ أكثرَ من التَّقْويضِ نَفْسِهِ. التقويضُ عَدَالةٌ “(FL: 14-15). لم يمنحْ قراءُ دريدا اهْتَمَامَاً كافياً لهَذا الأمْر كمدْخلٍ بديلٍ إلى تفكيرِهِ في الفَلْسَفَةِ السّياسيّةِ: ههنا يَحْصُلُ تَأسيسُ شرعيةِ القَانُونِ ليسَ عَلَى أَسَاسِ عَدَالتِهِ، ولكن في تقييدِهِ الفعّالِ لِمَطلبِ العَدالةِ الذي يجعلُ   أيَّ شيءِ ممكناً من مثلِ وجودِ هيئةٍ اجتماعيةٍ وسياسيّةٍ.

وفي كتابِهِ “سياسات الصَّداقة”، وهو كتابٌ يَرتَكِزُ عَلَى حَلَقَاتِهِ الدِّراسيّةِ عام 1994، يَسْتَكْشِفُ دريدا مسألةَ العَلاقةِ بينَ الدِّيمقراطيّةِ والعَدَالةِ. من حيث إنَّ الدِّيمقراطيّةَ وَلِكَوْنِهَا النَّظامَ السياسيَّ الوحيدَ الذي تَرْتبطُ بُنْيَتُهً بِصُورةٍ مُبَاشرةٍ بالمسَاواة ـ جَرْيَاً عَلَى حُكْمِ الُكلّ ـ فإنّها تملكُ علاقةً أوثقَ بالعَدالةِ مِنَ النّظامينِ التقليديينِ الآخرين اللذين قد وزّعتْ الفلسفةُ الأنظمةَ السّياسيّةَ عَلَيْهِمَا: الأرستقراطيةِ (حُكْم القِلّةِ) أو المَلَكِيّةِ (حُكْم الواحد). وَنَسْتطيعُ الآنَ أنْ نتأمّلَ لماذا تَغْدُو الدِّيمقراطيةُ بالنسبةِ لدريدا شيئاً أكثرَ مِنْ نظامٍ سياسيٍّ ممكنٍ وَسَطَ أنظمةٍ أُخرى، وشيئاً ما أَشْبَهَ بـ”اسمٍ” للسّياسةِ نَفْسِهَا. والأشكالُ السّياسيّةُ الثلاثةُ [المذكورةُ] تقيّدُ العَدَالةَ: مِنْ خِلَالِ الحَدِّ مِنَ المسَاواةِ السّياسيّةِ في حَالةِ النَّظامينِ الأخيرين، وحَصْرِ الأُفقِ السّياسيّ للمسَاواةِ، في حالةِ الدّيمقراطيّةِ. إنَّ الدّيمقراطيّةَ قَدْ تكونُ أقربَ إلى العَدالةِ، لكنّهَا لا تزالُ غير مؤهّلةٍ لها. والجزءُ الأكبرُ من مَشْروعِ دريدا يَتمثّلُ بتوضيحِ كيفَ أنَّ الشَّرطَ البنيويَّ ــ والتّقييديَّ ــ للديمقراطيةِ يَظْهَرُ عبرَ تقليدِ الفَلسفَةِ السّياسِيّةِ.

وبناءً على قراءاتٍ مُفَصّلةٍ للفَلاسفةِ [الكتّاب حرفياً] من أَرسطو إلى نيتشه، يُبَرْهِنُ دريدا أنَّ الديمقراطيّةَ قد جَرَى تخيّلُهَا أوْ تحليلُهًا مرارًا وتكرارًا في مَفَاهِيمِ الصَّداقةِ بينَ الإخْوَةِ. ويرى دريدا في هذا مشكلةً لثلاثةِ أسبابٍ. الأوّل، يُمْكِنُ أنْ تعني الصّداقةُ تَبَادُلَ العَلاقاتِ المشتركةِ، لكنَّ مَسْؤوليتي نحوَ الآخرين تَتَجَاوزُ التبادُل: فشرطُ الحبِّ هو بقاؤهُ بعد وفاةِ المحبوبِ، وَمِنْ ثمَّ فَهو يَتَجاوزَ أيَّ توقّعٍ للمنفعةِ المشتركةِ أو المتبادلةِ. والثّاني، إنَّ المساواة كونية، ولكنّني لا يُمْكِنُ أَنْ يكونَ لَديَّ سِوَى العديد من الأصدقاءَ. والثَّالثُ، يُمْكِنُ للصَّدَاقةِ أنْ تَنْزَلِقَ إلى الأُخُوّةِ التي تَسْتَبْدِلُ رابطةً طبيعيّةً برابطةٍ سياسيّةٍ، كأنما لإظْهَار أنَّ قرارَ حَصْرِ الممتلكاتِ لِمَنْ هُمْ أقربُ إليّ لم يكنْ حتمياً فحسبُ، بلْ جَرَى تَحْديدُهُ وفقاً لِقَانونٍ خَارجيٍّ. وإذَا تَتَبَّعْنَا ذَلكَ كتحليلٍ للدولةِ، فإننا نَرَى توتراً ينبثقُ إذّاك. والديمقراطيةُ هي النِّظامُ الذي يَجْرِيْ فيهِ تسليطُ الضَّوْءُ بِصُوْرَةٍ عَلنيةٍ عَلَى الشُّروطِ التَّأسيسيّةِ للْمُجْتَمَعِ السّياسيِّ، لأنَّ الدِّيمقراطيّةَ، في كِلْتَا الحَالَتَيْنِ، ممارسةً ونَظَريةً تتشكّلُ من تناقضٍ بَيْنَ تبنّي المساواةِ وَتَقْيِيْدِهَا. وهَذَا الإدراكُ للدِّيمقراطيّةِ يَصِفُ بَعْضَاً مِنَ الآثارِ السّياسيَةِ العَمَليّةِ التي ينميّها دريدا في كِتابَاتهِ. فَعَلَى الرُّغم مِنْ أنّ الإصْرارَ المفْرَطَ لدريدا عَلَى العَدَالةِ، إلا أنّهُ ينبغي عدُّهُ وَاقعياً وليسَ خَياليّاً. فهو لا يَطْلُبُ منّا الاستغناءَ عَنِ الحدودِ، بَلْ أنْ نُدْرِكَ أنّهُ لا يُمْكِنُ لدولةٍ أنْ تَتَسَامَى إلى مِسْتَوَى مَطَالبِ العَدَالَةِ. ذَلكَ أنَّ المؤسساتِ والممارساتِ وكذلك مَعايير الدِّيمقراطيّةِ وقوانينِهَا تُعَمَلُ [جميعاً] على تمكينِ فِكرةِ المساواةِ وتقْييدِها: لذلكَ يمكنُ ويجبُ انتقادُها من وجهةِ نَظرِ المساواة. وبصورةٍ منتظمةٍ ينتقدُ دريدا وَيَعَادِي القَوْميةَ وغيرَهَا مِنْ أَشْكَالِ الهُويّةِ السّياسيّةِ التي تَسْعَى إلى تَسْويغِ أو تطبيع القيودِ الضّمْنيَةِ في الدّيمقراطيّةِ، فضلاً عن دَعْمِ النِّضالاتِ حولَ الهِجْرةِ، وَدَعْمِ المؤسّساتِ العَالميةِ والدّوليّةِ. وَمِنْ خِلالِ مُضَاعَفِةِ إدْرَاكِنَا بَهَذَا الأمْر كشرطٍ بنيويٍّ للديمقراطيّةِ ـ منْ حيثُ إنَّ أُسَّ منطقِهَا هو صِرَاعٌ بين المُطلقِ والمشْروطِ ــ يَتَحَدَانا دريدا عَلَى اسْتَعْمالِ المُصْطَلحِ: إذْ لا يُمكننَا أبداً الموافقةُ على الدِّيمقراطيةِ بكلِّ بساطةٍ، ولا يمكنُنا رَفْضُهَا.

ما يمنحُ الدِّيمقراطيّةُ الفَارقَ ويميّزُهَا في سياسةِ الصَّداقةِ هو أنَّها تَرْتَبِطُ بِمَا يَدْعُوهُ دريدا بالتَّحَابِّaimance : أيْ الإمكانيةِ البُنيويةِ لصّداقةِ أيِّ شخصٍ مَعَ أيِّ شخصٍ آخر، والصّداقةِ بِوَصْفِهَا وضعاً غيرَ مُتَكَاِفىءٍ للشّخْصِ المحبوبِ قَبْلَ ذَاتي. وَقَدْ نَرَى هَذَا الأمرَ عَلَى أَنَّهُ فكرةٌ عَنِ السّياسةِ قبلَ أيِّ تَحْدِيدٍ سَياسيٍّ أو ثَقَافيٍّ. بيد أنّه في الممارسةِ العَمليّةِ لا يمكنني أنْ يكونَ لديَّ غيرَ الكثيرِ مِنَ الأصدقاءِ، إذ وَعْدُ الدِّيمقراطيّةِ هَذَا ممكنٌ فحسبُ ضمنَ حدودٍ معينةٍ؛ فمثلما تتطلّبُ العَدَالةُ القَانونَ، تَقْتَضِي المُدُنُ والدُوَلُ مَسَاحَاتٍ وَحُدُوْدَاً. وَهَذَا يَغْدُو مِنَ البَدَاهَةِ بالنِّسْبَةِ لدريدا: “ليسَ ثّمّة ديمقراطيةٌ مِن غَيرِ تَثْمِينِ التَّفرُّدِ غَيرِ القَابلِ للاخْتِزَالِ أو الغَيريةalterity، ولكنْ ليسَ ثمّةَ دِيْمَقُرَاطِيّةٌ دونَ” مجتمعِ الأصْدقاءِ”، دونَ احْتِسَابِ [أصْوات] الأغْلَبِيّةِ، دونَ موضوعاتٍ قابلةٍ للتَّحديدِ، والاسْتقرارِ، والتّمثيلِ، فالجميعُ مُتَساوُون”(PF: 22). ولنْ تَكُونَ هناكَ عَدالةٌ من غير مجتمعٍ سياسيٍّ، وقوانينُ تَكْفَلُ حُقُوْقَ مُتَسَاوِيةً للْمُواطنينِ. بَيْدَ أنَّ الدَّولةً غالباً مَا تَنْتَهِكُ بِحُكْمِ القَانُونِ مَطَالِبَ العَدَالةِ لكونها ترسمُ حُدُوْدَاً بَيْنَ المواطنينِ وغَيْرِ المُوَاطِنين. وَهَذَا يُمَثِّلُ تحَدّيَاً ذَا مَغْزَىً لِاعْتِمَادِنَا عَلَى فَكْرَةِ الدَّولةِ بِصِفَتِهَا مَصْدَرَاً أَسَاسِيّاً للسُّلْطَةِ السّياسِيّةِ.

وللتّفْكيرِ بَأْنَّ العَدَالَةَ تَتَجَاوَزُ الدَّولةَ يَنبغِي دَعوةَ الدَّولةِ إلى المُسَاءَلةِ. لكنَّ ارتيابَ دريدا في المُسَاواةِ يَمْضِي إِلِى أَبْعَدَ مِنْ ذَلك.. وبتحليلِ التَّحديدِ الأَرِسْطِيِّ التَّقْلِيْديِّ لِلْإِنْسَانِ بصفتهِ حيواناً سياسيّاً، وَبإبْعَادِ القَلَقِ عَنْ الثّقةِ التي نرسمُ بها الحدودَ بينَ الإنسانِ والحَيْوَانِ، يتساءل دريدا في كتابه المارقون:”هَلْ هَذَا المقْيَاسُ للمُتَعَذِّرِ قياسَهُ، هَذَهِ المسَاواةُ الدِّيمقراطيّةُ، هَلْ يَنْتهي عِنْدَ    [حقِّ] المواطنةِ، وعِنْدَ حُدُوْدِ الدّولةِ ــ القَوْمِيّةِ؟أَوْ هَلْ يَنْبَغِي أنْ نُوَسِّعَهُ لِيَشْمَلَ عَالمَ الخصوصِيَاتِ بِأكْمَلهِ، عَالَمَ البَشَرِ بأتمّهِ، المفترضين أنّهم مِثْلِي، قَرَائِنِي [mes semblables] أوْ حتَّى أَبْعَدَ مِنْ ذَلكَ، لِيَشْمَل عَالَمَ الكائناتِ الحيّةِ غير البَشريةِ كلّها، أوْ مَرةً أُخْرَى، بَلْ أَبْعَدَ من ذلكَ، غَيْرَ الأحياءِ كافةً “(R: 53)؟  وَهَذَا المطلبُ الجَذْريُّ لِهَذَا السُّؤالِ يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ لِيَتَنَاغَمَ مَعَ اسْتِنْبَاطِ الأفَكارِ مِنِ أَعْمَالِهِ الأُوْلَى. ففي كتابهِ علم الكتابة Of Grammatology، جَادَلَ دريدا بأنَّ “المودّة ــ التلقائيةauto-affection  تمثّلُ البُنْيَةُ الكونيّةَ للخبرةِ. وَهَذِهِ الإمكانيةُ ـ الاسمُ الآخرُ لـ “الحياة” ـ تمثّلُ بنيةً عامّةً مُفصّلةً عَنْ طَريقِ تَاريخِ الحَياة”(OG: 165). وعلاوة على ذلك، “فالمودّةُ ــ التلقائية تشكّلُ (auto / الذّاتيَّ) نَفْسَهُ بوصفِهِ يُقَسِّمُ الشَّيءَ نَفْسَهُ”(OG: 166). وفي لغةِ عَمَلِهِ الأَخِيرِ، فإنَّ تشكيلَ أيِّ هويةٍ يَجِبُ أَنْ يَكُوْنَ مَوْسُومَاً بقابليةِ المنَاعةِ الذَّاتيّةِautoimmune ، وَذَلِكَ عَنْ طِرِيقِ الإنكارِ العَنِيْفِ لما يَعْتَمِدُ عَلَيهِ [هذا التّشكيلُ]، وَمِنْ خِلالِ التّمييزِ الصارم عَنْ بِيئتهِ التي يمكنُ أنْ تكونَ جزئيةً ومؤقّتة وَهَشَّةً فحَسْبُ، والذي يُمْكِنُ أنْ يتحوّلَ إلى تَدْمِيرٍ انْتِحَاريِّ لِلْذَاتِ. إنَّ تَوْسِيْعَ هَذَا التَّحليل في المَجالِ السّياسيِّ يَحْمِلُ في طَيَاتِهِ التَّشكيكَ بالدِّيمقراطيّةِ والسّيادةِ إلى ما هُو أَبْعَدُ من النّطاقِ السّياسيِّ، مُنْظُوْرَاً إليهِ بِصُوْرةٍ ضَيقةٍ، مثيلَ الهُويّةِ الذَّاتيّةِ ــ لأيِّ مجالٍ مِنْ هَذَا القَبيلِ ــ مُعْتَرَفٌ بِهَا لِتَكُوْنَ مَوْضِعَ شَكٍّ، وهي تشكّلُ تحدياتٍ لا نملكُ الوَسَائلَ للتَّفْكِيرِ فِيْهَا بَعْدُ. مَا السّياسَةُ، وماذا سَتَكونُ حَالما تتعرّضُ الحدودُ بينَ الإنسانِ والحيوانِ للإكرْاهِ، أو مَا بَيْنَ الأحْياءِ والأَمْوَاتِ؟ وكما هو متوقعٌ فإنَّ كتابَ أشباح ماركس يبدأُ بِتَذْكِيْرِنَا بأنَّ العَدَالةَ تَدْعُوْنَا إلى تحمّلِ مسؤوليةٍ ما “قبلَ أَشْبَاحِ أُوْلَئِكَ الذينَ لَمْ يُوْلَدُوْا بَعْدُ أو الذينَ مَاتُوا بالفعلِ” (SM: xix).  ولذلكَ فإنَّ مُشْكِلَةَ “الحياةِ أو الحاضِرِ الحيِّ للعيشِ بصورةٍ عامةٍ” (R: 53) تَجْرِي مِنَ البِدَايةِ إلى نِهَايةِ حياةِ دريدا المهنيّةِ، وتحديداً من كتاب علم الكتابة إلى كتاب المارقون، متحديةً إيانا للتَّفْكِيرِ في حُدُودِ السَّياسةِ.

ولمّا كانَ عَمَلُهُ الأبكرُ حولَ الدِّيمقراطيّةِ قَدْ رَبَطَهَا بِالعَدَالةِ، فقد اتجه إلى التأكيدِ عَلَى الوَعْدِ الضّمْنّيِّ في تَحْدِيْدِ العَدَالةِ بـ”الديمقراطية القادمة”. وفي السنيين الأخيرةِ من حياتِهِ، شَرَعَ دريدا في رَبْطِ الدّيمقراطيّةِ بمشكلةِ السّيادة sovereignty. وَقَدْ يُنْظَرُ إلى هَذَا بوصفِهِ تَسَاؤلاً إضَافِياًّ حَوْلَ  حُدُوْدِ السّياسَةِ، وَذَلكَ بِتَأليبِ السّيادةِ غير المشْروطةِ التي تُنسبُ تَقليديّاً مِنْ خِلالِ الفَلسفةِ  إلى قوّةِ العَقْلِ بمواجهةِ  السّيادةِ غَيرِ المشْروطةِ بالمناصفةِ التي تتجسّد في فكرة الدولة. والسّيادةُ هي الاسمُ التّقليديُّ الذي تَمْنَحُهُ الفَلسفَةُ للْمصدَرِ المُطْلقِ للسُّلطةِ في دَوْلَةٍ مَا، وَمِنْ ثمّ فَهو أَسَاسُ كلِّ إكراهٍ على الامْتِثَالِ. وَمِنْ هُنَا فالسّيادةُ قوّةٌ استثنائيّةٌ تَمْلِكُ القُدْرَةَ لِصِنْعِ القَانُونِ، وبذلكَ فَهي لا تَخْضعُ لَهُ. وتتّجهُ الفَلسَفَةُ إلى الإصْرارِ عَلَى أنْ تكونَ السّيادةُ واحدة غيرَ قابلةٍ للتَّجزئةِ: ومن ثمَّ يجري نقلُهَا مِنَ المجَالِ الفَوْضَوي للنّقاشِ الديمقراطيّ والتّداول. وَكَمَا يَعَرِضُ دريدا في حلقتِهِ الدّراسيّةِ عن البهيمة والسّيادةThe Beast and the Sovereign ، وفي [كتابه] المارقون، فإنّ هَذَا يكونُ لِفَهْمِ السّيادةِ بكونها قوةً عاريةً، مَكْشُوفَةً، أو شيئاً ما أكثرَ من الإنْسَانِ ــ يتخطّى القَانون ــ وَلَكنّها كذلكَ همجيّةٌ، أقلّ مِنَ الإنْسَانِ ــ أمَام القَانون. وفي النَّظامِ الدّيمقراطي، يُنظَرُ إلى “السّيادة” بوصفها القوةَ الملْزِمةَ للقانون، التي جَرَى التّوصُّلُ إليها من خلال العمليةِ الدّيمقراطيّةِ وَعَلَى أَعْضَائها ــ الخضوعُ المتبادلُ لِكلّ فَرْدِ لإرَادةِ الجميع. ولكونِ هَذَا يبدو لإضْعافِ إحْسَاسَنَا بأنَّ الدِّيمقراطيّةَ تحرّرنا فيما يتّصلُ بمواطنينا، فإنَّ مُقَاربةَ الدّيمقراطيّةِ مِنْ خِلالِ السّيادةِ تَمْنَحُ مُناقشةَ دريدا نَغْمَةً أكثرَ عَتَامَةً ممّا كانتْ عَليْهِ مِنْ قَبْلُ، وقد تًشِيرُ إلى استجابةٍ لأحداثٍ خَارجيةٍ. وَمِثْلَمَا تَأتي دَعْوَتُهُ لاسْتمرارِ التَّفكيرِ في الدِّيمقراطيّةِ نَقْدِيّاً عَلَى أثَرِ سُقُوْطِ جِدَارِ بَرْلِيْنْ والزّعمُ المنتصرُ مِنْ قِبَلِ بَعْضِ الدِّيمقراطيين بأنَّ نهايةَ الشُّيوعية في أوروبا وروسيا تمثّلُ تَسْويغاً للديمقراطيةِ في صِيْغَتِهَا الرّاهنة، فهو يَرْبِطُ مناقشتَهُ للسّيادةِ بصورةٍ مباشرةٍ مع إعادةِ تشكيلِ السّياساتِ العَالميّةِ في أَعْقَابِ هجَماتِ 11 سبتمبر عَلَى الولاياتِ المتَّحدة.

وقد اضْطّرَ دريدا للعودةِ إلى مجالِ السّياسةِ لأنّهُ يَخْشَى من أنَّ انتقادَ القَانون (عَلَى أَسَاسِ أنَّ استخدامَهَ للقوةِ غيرُ شرعيٍّ) قَدْ يؤدّي إلى نقدٍ ـ أحاديِّ الجَانبِ للقانونِ نفسِهِ وللسّلطةِ بصورةٍ عامةٍ؛ فهو يَسْعَى إلى تأكيدِ ضرورةِ السّياسَةِ وَمَهَابِتِهَا بصفَتِهَا تَنْظِيماً للقُوى المتَصارعَة، وللفلسفةِ كفَضَاءٍ للتّفكيرِ النّقديِّ في السَياسةِ، والأخيرة بِصِفَتِهَا تَكْملتها تَقْتَضِي تَحَدّيَاً لسلطةِ الفَلسفةِ نفسِهَا. وَهَذَا يَتَطَلّبُ تغْييراً طَفيفَاً في التّشْدِيْدِ عَلَى مَا يَتّصِلُ بسرديةِ الدّيمقراطيّةِ في [كتاب] سياسات الصداقة، وفي الإقْرارِ بالعنفِ المُسْبقِ، المكوِّن للنّظامِ السّياسيِّ والاجتماعيِّ، وَتَجْربَتِنَا في الدّيمقراطيّةِ من ثمَّ، ولكنْ دونَ تغييرٍ في الموْقِف. وباتّباع تحديدِ الدِّيمقراطيّةِ بخصوصِ سِيَادةِ الشّعْبِ ــ وليسَ مُسَاواةَ الجميعِ، ولكنَّ حُكْمَ الجميعِ ــ يُشدّدُ دريدا عَلَى دَيْمُوْمَةِ السُّلطةِ والقوةِ المطلوبةِ للحفَاظِ عَليها، مؤكّداً عَلَى التَّوتُّراتِ دَاخلَ الدِّيمقراطيّةِ مِثْلَ التي بينَ الحُريّةِ والمسَاواةِ، وبينَ الاحتسابِ المطلوبِ للتّوصُّلِ إلى قرارِ الأكثريةِ وضرورةِ حِمَايةِ الأقلياتِ من طغيانِ الأغلبيةِ.  وعوضاً عن سَمَاعِ demos [الشّعْب، العَامّة باليونانية] في الديمقراطية، أي مساواة الجميع مع الجميع، يطلبُ مِنَّا دريدا الآن أنْ نَسْمَعَ كلمةَ kratos [السّلطة باليونانية]، الحُكم. فضمن القانون تَتَعَايشُ القوةُ مَعَ وَعْدِ العَدَالةِ. إنَّ المحاولةَ (السّياسيّة) لتمييز الدول “الجيدة” عن الدول “السيئة” سوف يَطْمِسُ الفَصْلَ الدّائمَ بينَ السّياسةِ والعَدَالةِ: “لم يعدْ ثمّة أيُّ شَيءٍ سوى الدُّولِ المارقةِ، ولم يَعُدْ ثمّة أيُّ دولٍ مارقة .(R: 106) وهو كذلكَ لأنَّ “هُناكَ شيئاً من دولةٍ مارقةٍ في كلِّ دولةٍ؛ مِنْ حَيْثُ إنَّ اسْتِخْدَامَ سلطةِ الدّولةِ هُو في الأصْلِ اسْتِخْدَامٌ متهورٌ و متعسفٌ”(R: 156).

ويظلُّ عَمَلُ دريدا الأخيرُ بخصُوصِ السّيادة مُبْهَمَاً، بيد أنّه من المُمْكِنِ تَسْلِيْطُ الضّوءِ عَلَيْهِ من خِلَالِ العَوْدَةِ إلى الصِّلةِ التي يَرَاهَا بينَ الدِّيمقراطيَةِ والفَلسفَةِ. لأنَّ”السّيادةَ هي في المقَامِ الأوّلِ إحْدَى الميزاتِ التي بِوَسَاطِتَهَا يُحَدِّدُ بِهَا العَقْلُ سَلُطْتَهُ وعُنْصُرَهُ، وهذا عدمُ مَشْرُوْطيّةٍ مؤكدة” (R: 153)، إِذْ يُتِيْحُ العَقْلُ أَرْضِيّةً يُمْكِنُ مِنْ خِلَالِهَا انتقادُ العُنْفِ السّياسيِّ ــ كما قَدْ رَأينا، حتّى السياسةِ بوصفِهَا عنفاً باسمِ فِكرةِ العَدَالةِ كسَلامٍ غيرِ مَشْرُوطٍ (إنْ لمْ يَكُنْ مِنِ الممْكنِ تخيّلُ ذلكَ).  وَهَذَا يَسْمَحُ بإعادةِ النَّظْرِ في التَّحَدّي الفَلسفيِّ لِاسْتِقْلَالِ الدّيمقراطيّةِ: فَلَيْسَ على أَرْضِيّةِ أَنَّ الفلسفةَ يُمْكِنُها أنْ تقدّمَ “حقيقةَ” غيرِ متاحةٍ للعَقْلِ العَامِ، ولكنْ منْ حيثُ حقُّ العَقْلِ في مُسَاءَلةِ السَياسةِ باسم العَدَالةِ غَيْرِ المشْرُوطةِ. وإذا كانت هويةُipseity  الدّولةِ، أي التَّطابقُ ذَاتُهُ، مضطربةً، وإذا كانتْ سِيَادَتُها تَسْتَنِدُ إلى اكْتِمَالِهَا أوْ انغلاقِهَا ـ الذَّاتيِّ، فالسِّيادةُ عَلَى الدَّوامِ هي ما يَجْري تحدّيَها وتَجَاوزَهَا، عَلَى نَحْوِ مَشْرُوطٍ، مِنْ خِلَالِ العَقْلِ. ويَبْدُو هَذَا الشَّكلُ ما يجعلُ المَغْزَى أكثر توصيفاً فَيْمَا يتعلّقُ بالمجَالاتِ المُمَيّزةِ (هَذَا إنْ لم تَكُنْ متميزةً بدقةٍ)، وَمِنْ ثمَّ بأشكالٍ مُنْفَصلةٍ مِنَ السّيادةِ. وَتَحْتَفِظُ الفَلسَفةُ بالحقِّ في تَقْييدِ السياسةِ؛ لكنَّ السّياسَةَ تملكُ الحقَّ لِتَطْغَى عَلَى العَقْلِ بِالقوّةِ. وَبِتَقْييدِ إحْدَاهُمَا للأُخْرى، لا يُمْكِنُ ضَمَانُ سيادةِ أيّ مِنْهُمَا بِصُورةٍ كاملةٍ، وَهَكَذَا يَجْرى انْتِهَاكُ سيادةِ كِلَيْهِمَا أوْ المسَاوَمةُ عَلَيها.

لذلك وعلى الرُّغمِ مِنْ أَنّهُ يُجادلُ [قضية]الانغلاقِ الذاتيّ والاستقلاليةِ المعزوّةِ إلى السّيادةِ ــ منْ حيثُ إنّ “السيادةَ المحضةَ لا وجودَ لها؛ إنّها دائمًا في معالجة ذَاتِهَا مِنْ خِلالِ دَحْضِ ذَاتِهَا، أو عَنْ طَريقِ إنْكارِ ذَاتِهَا أوْ التّنَصُّلِ مِنْهَا”(R: 101) ـــ وَمِنْ ثمَّ فَعَلى دريدا واجبُ الدّفاع عنِ السّيادةِ منْ أَجلِ حمايةِ ميراثِ الفلسفةِ والدّيمقراطيّةِ: إذ “لا يُمْكِنُ للمرءِ أنْ يُكَافحَ ، وَجْهَاً لِوَجْهٍ، السّيادةَ برمتِّها، السّيادةَ بصورةٍ عامّةٍ، دونِ أن يُهدّدَ في الوَقْتِ ذَاتِهِ، بما يَتَخَطَّى شَكْلَ الدّولةِ القَوْمِيّةِ للسّيادةِ، المبادئَ التّقليديّةَ للحريةِ وتقرير المصير”(R: 158، التشديد من دريدا). وَهَذَا الارتباطُ المزدوجُ يَمْنَحُ تَأمُّلاتِهِ حَوْلَ الدِّيمقراطيّةِ والسّيادةِ تَرْكِيْبَهُمَا المعَقّد الممّيز. كَمَا أنَه يَقُودُ إلى نكوصٍ دائريٍّ إضافيٍّ. والتّفْكِيرُ في هَذَا التّقْسِيمِ لِفِكْرِةِ السّيادةِ بمواجهةِ التَّقاليدِ، [يجعل] دريدا أَنْ يَجِدَ نفسَه يؤكّدُ مًجَدّدَاً نَسَبَهُ الفَلسَفِيَّ.  وفي كتابه “المارقون” يؤكّدُ مرةً أخرى أنَّه يَرَى  عَمَلَهُ كـ”عقلانيةٍ غَيْرِ مَشْرُوْطَةٍ  لا تَتَنَازلُ البتّة ـــ وَعَلَى وَجْهِ التَّحْديدِ باسم التّنوير القَادم، في الفَضَاء الذي سَيجري فَتْحُهُ للدِّيمقراطيّةِ القَادِمَةِ ــ عَنْ إمكانيةِ تَعْليقِ جميعِ الشُّروط”(R: 142). وَفَضْلَاً عَنْ ذَلكَ فإنَّ المستذئبين الذين يتخيّلون السيادة البهيمية في مختلفِ أنحاءِ أعمالِ ديريدا الأخيرة يذكّروننا بأنَّ الفَلسَفَةَ السّياسيَةَ ذَاتَهَا وُلِدَتٍ كاستجابةٍ للسُّؤالِ الذي طَرَحَهُ على سقراط ثَرَاسِيْمَاخُوسْhrasymachus ، محاوره “الذّئبي” في جمهورية أفلاطون، إذ يَتَحَدَّاهُ أن يبرهنَ بأنَّ العَدَالةَ قَدْ تَعْنِي أكثرَ مِنْ حَقِّ الأقْوَى (336d) (c.f. R: 92).

إحالات الدراسة مع رموز الكتب المستخدمة في المتن:

Dunn, J. 2005. Setting the People Free: The Story of Democracy. London: Atlantic. (Dunn)

 Derrida, J. 2005a. Rogues. P.-A. Brault and M. Naas (trans.). Stanford: Stanford University Press. Originally published in French as Voyous: Deux Essais sur Raison (Paris: Gallilee, 2004).

———2011b. Voice and Phenomenon. L. Lawlor (trans.). Evanston: Northwestern University Press. (wp).

——– 2002e. “Politics and Friendship”, interview with M. Sprinker, in Negotiations: Interventions and Interviews, 1971–2001. Stanford: Stanford University Press.(N).

———- 1992a. “Force of Law: The ‘Mystical Foundation of Authority’”, M. Quaintance (trans.), in Deconstruction and the Possibility of Justice. D. Cornell, M. Rosenfeld and D. Gray Carlson (eds). New York: Routledge, 3–67.(FL).

———– 1997. Politics of Friendship. G. Collins (trans.). London: Verso. Originally published in French as Politiques de l’Amitie (Paris: Galilee, 1994).(PF).

———- 1976. Of Grammatology. G. Spivak (trans.). Baltimore: Johns Hopkins University Press. Originally published in French as De la Grammatologie (Paris: Les Editions de Minuit, 1967). (OG).


([1]) ـــ أليكس طومسون محاضرٌ في الأدب الإنجليزي بجامعة إدنبرة. وهو مؤلّفُ كتاب التقويض والديمقراطية (2005)، علاوة   على مجموعةٍ من المقالات حول النّظرية السياسية والفلسفة القارية والأدب الاسكتلندي.  البحث فصل من كتاب :

(Jacques Derrida Key Concepts) Edited by Claire Colebrook, Routledge, First published 2015.

أجريتُ تغييراً بسيطاً على العنوان بإضافة اسم الفيلسوف لضرورة التوضيح؛ فاقتضى التنويه.

([2]) ـــ التسمية تخصُّ اليهود المسيانيين إذ تتعدّد التسميات حولهم مثل اليهود المتنصّرين، اليهود المسيحيين، المسيحيين اليهود، اليهود المؤمنين بالمسيح، العبرانيين المسيحيين. وهي تعبير عن حركة إنجيلية بروتستانتية تؤكد على العنصر “اليهودي” في الإيمان المسيحي ويتكوّن أتباعها من اليهود المؤمنين بالمسيح ويُعدُّ اليهود المسيانيون حركة يهودية عرقيًاً، مسيحية دينيًاً.

([3]) ــ إيمانويل ليقيناس (1905ــ 1995) فيلسوف فرنسي من أصل لينواني، تتحرّك فلسفته بين الظاهراتية  والأنطولوحيا وفلسفة القيم.