دع الكلمات والجمل تتصادم رشاد عبد القادر اعتمدت بشكل أساسي على كتابي: Several Short Sentences About Writing by Verlyn Klinkenborg The Glamour of Grammar By Peter Roy Clark مادة «ملائكة وشياطين» لتوماس فرينش https://projects.tampabay.com/…/angel…/chapter-1-sunse

img
دع الكلمات والجمل تتصادم
في المرة القادمة، عندما تنتهي من كتابة جملة وتبدأ بأخرى، اضبط نفسك. لا تستخدم «و».. «لكن».. «إلا أن».. «كيما».. «لا بد أن».. إلخ. لا تخشَ الفجوة بين الجملتين؛ ذاك الإحساس بأن هناك جسراً ناقصاً؛ بأن القارئ سيقع في «الفراغ». لن يحدث ذلك.
هل أنت كقارئ من هذا النوع؟ هل تتعثر بين الجمل، وتتلعثم بين الفقرات؟ هل يحتبس عليك الفهم عندما تجد فاعلاً مستتراً، أو ضميراً محذوفاً، أو مفعولاً به مؤولاً؟ هل تحتاج إلى مَنْ يرشدك عندما تقرأ نصّاً؟ إذا كتبت بوضوح، وكنت متأكداً مما قلتَه وما لم تقله، لن يضيع القارئ. إنْ كان ثمة سبب للتشويش، فهو كثرة أدوات الربط.
يكفي أن تفتح أي موقع أخبار عربي، لتجد الجُمل مثقلة بأكثر من 90 أداة ربط. أحياناً ستجد ثلاث أدوات ربط متتالية في بداية الجملة الواحدة كما الحال هنا «لكن في المقابل، فقد حصل الفلسطينيون..»
الهوس بأدوات الربط والانتقال ينفي حقيقة أساسية عن الكتابة؛ حقيقة سحرية، وهي أن الكتابة ليست مثل حزام ناقل الأمتعة، تحمل القارئ إلى النقطة عند نهاية النص حيث يتكشّف «المعنى». الكتابة الجيدة لها مغزى في كل جملة؛ وممتعة بكل جملة.
تعلّمنا في المدارس والجامعات أن ما يهم في القراءة هو اكتشاف «المعنى» الذي بُثَّ في النّص. فالكلمات تتبخّر تاركةً وراءها لحظةَ إدراك في الدماغ.
تعلّمنا أن الكتابة ليست سوى إِيْداع «المعنى» الذي يستخلصه القارئ لاحقاً. وأن الجُمْلة استنساخٌ للفكرة؛ مجرد قشرة خارجية، قيمتها تكمن فيما تنقله أو تحتويه، لا في كونها جملة. لا يهم شكلها، المهم المعنى الكامن فيها.
تعلّمنا كصحافيين أن نفكر ونقرأ ونكتب كما لو أن التوافق بين اللغة والمعنى تقريبيٌّ؛ فالأشكال المختلفة لكتابة الجملة الواحدة، تعني الشيء عينه، لا فرق بينها.
لم يشرح لنا أحد الروابط بين بقع الحبر على الصفحة التي نقرأها. لم يقل لنا أحد إن اللغة تعيش داخل متانة الجملة.
ماذا لو لم يكن «المعنى» هو الغرض الوحيد من بناء الجملة؟
ماذا لو كانت الفضيلة والقيمة هي الجملة ذاتها وليس «المعنى» الكامن فيها؟
ماذا لو كانت كل سمة من سمات الجملة -المفردات، الإيقاع، الصوت، الترابطات، التركيب دلالةً ولغةً.. إلخ- لها قيمتها، وليس معناها فقط؟
إذا كنت أباً مثالياً وتروي القصص لطفلك، هل انتبهت أنه قد يطلب منك عند لحظات معينة، إعادة جملة بعينها كلمة بكلمة ومرة بعد أخرى؟
إذا كان «معنى» الجملة ليس بديلاً عن الجملة ذاتها.
إذا كان الغرض من الجملة أن تقول ما ينبغي لها قوله، وأن تكون هي ذاتها أيضاً، وليست مجرد «وعاء» لاستخلاص المعنى.
إذا كانت الكلمات لها تاريخها المعقد، وتشكلت عبر قرون من نطقها وكتابتها في سياقات الأدب والثقافة والعمل. إذا كان صداها يتردد مع أشباح أشكالها السابقة.
إذا كانت الجملة ذاتها لها إيقاع وسرعة حركة.
إذا كانت تستخدم المجاز والتشبيه، أو الجناس أو واحدة من عشرات محسنات البديع.
إذا كانت تحدد الإيماءات الدرامية التي تقوم بها ككاتب.
إذا كانت تثير توقعات القارئ وتطلعاته على مستويات عدة.
إذا كانت تسمي الأشياء الفعلية في العالم، أو ربما تعيد تسمية العالم.
إذا كنت ككاتب حارساً على كل هذه الصفات في الجمل التي تنشئها، فلماذا تتركها هناك، مركونة في زاوية مهملة؟ لماذا هذه النظرة الاستعلائية إلى القارئ، وأن «المعنى» سَيَفرُّ منه ما لم تكبّله بأدوات الربط؟
أليس استخدام أدوات الربط، هو محاولة متوترة لترقيع الجمل القصيرة مع بعضها في جملة طويلة. وكأن «المعنى» سيضيع ما لم يأتِ قبل نقطة النهاية في الجملة.
أليس حذف أدوات الربط، هو طريقك إلى تعلّم كتابة الجملة القصيرة، وتعلّم كيف يكون نصّك مفهوماً للقارئ.
أليس الفراغ الذي تشعره بين الجمل، هو على الأغلب أدوات الربط والانتقال التي ينبغي عليك حذفها.
أليست الجملة المزدحمة الطويلة، هي عملياً إقصاء لكل العلاقات التي قد تتكون بين الجمل القصيرة. ذاك الاحتكاك، والشدّ، والتوتر في الكهرباء الساكنة فيما بينها، مثل الـ«بيمول» والـ«دييز» بين العلامات الموسيقية.
دع الكلمات والجمل تتصادم بدلاً من عقد صلح وسلام مصطنع بينها باستخدام أدوات الربط.
لا تصادم = لا احتكاك.
لا احتكاك = لا حرارة.
لا حرارة = لا نور
لا نور = لا رؤية
لا رؤية = لا معنى
انظر كيف يكتب توماس فرينش بأقل ما يمكن من أدوات الربط؛ كيف تتصادم العبارات والجمل مولّدة المعنى في قصته هذه التي حازت على جائزة بوليتز عام 1998.
**ملائكة وشياطين
مرّ عام على جرائم القتل، ثم آخر، والآن قطع المحققون رَدْحاً من العام الثالث. عملوا ليلاً ونهاراً، عملوا في العطلات الأسبوعية، ألغوا الإجازات، نحفوا، سمنوا، أصبحوا شاحبين وناحلين ومنهكين، يستيقظون في الثالثة صباحاً بصدمةٍ وخربشات على دفاتر الملاحظات الملقاة بجانب أسِرَّتِهِم.
لم يعرف الرقيب المشرف عليهم ما إذا كانوا سيجدون الإجابة يوماً. على حد معلوماته، لم يمسكوا حتى طرف الخيط في القضية.
في النهاية، كما يعتقد، الأمر بيد الله ما إذا كانوا سيعتقلون أحداً.
الرقيب الذي يُعد نفسه مسيحياً بولادة جديدة ]*أحد المفاهيم الدينية[، يحمل كتاباً مقدساً في حقيبته. لم يكن لديه شك في أن الجنة والجحيم حقيقيان. لم يرَ الخير والشر كفكرتين نظريتين أو فلسفيتين، بل بكونهما حقائق مطلقة تمشي منتصبة القامة عبر العالم. آمَنَ بقوى النور والظلام. آمَنَ بمسّ الشيطان. لقد اعتبر أمراً واقعاً أن الشيطان وأتباعه يسودون حالياً على الأرض.
«أؤمن بأن هنالك شياطين في كل مكان حولنا»، قال: «تماماً كما أؤمن بأن هنالك ملائكة في كل مكان حولنا».
وعندما نظر في أدلة القضية المعروضة أمامهم الآن، درس صور الجثث والحبال والكتل الخرسانية، لم يكن لدى الرقيب شك في أنه هو والمحققين الآخرين يطاردون شخصاً مدفوعاً بقوى شيطانية.
بالطبع كانت الشياطين حقيقية. الآن، كانوا يطاردون واحداً.**
المعنى يتوالد في التصادم بين الجمل، وليس كما تعتقد بأنه فكرة في دماغك يمكنك إيصالها عبر «وعاء» يسمى الجملة.
** المصادر في التعليق الأول

الكاتب editor Hossein

editor Hossein

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة