يستضيف مركز حرمون للدراسات المعاصرة، في حوار اليوم، الكاتب الليبرالي الديمقراطي والسجين السياسي السابق، المعارض السوري البارز ياسين الحاج صالح، الذي يُعَدّ من أبرز نقّاد النظام السوري والمشتغلين بالشؤون السوريّة، إلى جانب اهتمامه بقضايا الثقافة والعلمانيّة ونقد الإسلام المعاصِر ونقد نقده. وهو رمزٌ من رموز الفكر والثقافة والإبداع في سورية والوطن العربي، ويُعرف منذ أكثر من عقدين بحضوره الوطني وإخلاصه لسورية؛ الوطن المغتصب والشعب المقموع المضطّهد من قِبل النظام الأسدي الإرهابي. كما عُرف بكتاباته الفكريّة البنّاءة الساعية دومًا إلى البحث عن الجديد في المشهد الفكري والثقافي والسياسي السوري، بعد سلسلة التحوّلات التي عرفها ولا يزال، منذ اندلاع الثورة السوريّة في آذار/ مارس 2011، مُسهمًا في تعزيز مسارات الحرّيّة الديمقراطيّة واستقلاليّة القرار الوطني السوري.

وصاحب «الثورة المستحيلة» متزوج من الناشطة الثوريّة سميرة الخليل التي خطفها تنظيم “جيش الإسلام” في الغوطة الشرقيّة، مع المحامية والناشطة الحقوقيّة رزان زيتون وزوجها الناشط وائل حمادة، والناشط ناظم حمادي، في كانون الأوّل/ ديسمبر 2013. وكان أن انتقل الحاج صالح أثناء الثورة إلى الغوطة الشرقيّة في دمشق، وغطّى بعض جوانب الحياة هناك قبل أن يسافر إلى الرقة، ليغادر في خريف عام 2013 إلى مدينة إسطنبول، ومن ثمّ انتقل إلى ألمانيا حيث يقيم الآن.

ولد صاحب «الثقافة كسياسة» في الرقة سنة 1961، واعتُقل ست عشرة سنة منذ 1980 بسبب نشاطه الحزبي في صفوف (الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي)، وكان حينها في عمر التسع عشرة سنة، يتابع تحصيله العلمي في السنة الثالثة في كلّيّة الطب البشري في حلب، ليعود إلى كلّيّته في سنة 1997 ويواصل دراسته للطب ويتخرّج من الكلّيّة سنة 2000. غير أنّه لم يتخصّص في الطب، لأنّه بعد اعتقاله حُرم من الحقوق المدنيّة، وبالطبع من راتب الدراسات العليا الذي توفّره الجامعة لمتخصّصي الطب، ولم يعمل في مجال دراسته العلميّة لعدم قدرته على امتهان الطب، بسبب عدم تخصّصه وانشغالاته الفكريّة والثقافيّة. وكان أن بقيّ الحاج صالح دون محاكمة حتى عام 1994، ثمّ حكمت عليه محكمة “أمن الدولة” بالسجن خمس عشرة سنة، ثمّ قضى عامًا إضافيًا دون وجه قانوني.

لضيفنا مؤلّفات عديدة، نذكر منها: «سوريا من الظلّ: نظرات داخل الصندوق الأسود» (2010)؛ «أساطير الآخرين: نقد الإسلام المعاصر ونقد نقده» (2011)؛ «بالخلاص يا شباب» (2012)؛ «السير على قدم واحدة» (2012)؛ «سميرة الخليل.. يوميّات الحصار في دوما 2013» (2016)، «الثقافة كسياسة: المثقفون ومسؤوليّاتهم الاجتماعيّة في زمن الغيلان» (2016)؛ «الثورة المستحيلة: الثورة، الحرب الأهليّة، والحرب العامّة في سورية» (2017)؛ «الإمبرياليّون المقهورون: في المسألة الإسلاميّة وظهور طوائف الإسلاميّين» (2018)؛ «السُّلطان الحديث في الطائفيّة وخصخصة الدولة وفي أزمة الوطنيّة والمواطنة في سورية» (2020)؛ «الفظيع وتمثيله؛ مداولات في شكل سوريا المخرّب وتشكّلها العسير» (2021). وله إسهامات عدّة في مؤلفات مشتركة منها: «الخلاص أم الخراب؟ سوريا على مفترق طرق» (2014). كما تُرجمت بعض مؤلفاته إلى اللغتين الإنكليزيّة والفرنسية، وهو ينشر في العديد من منابر الإعلام السوري البديل، والصحف والمجلات اللبنانيّة والعربيّة اللندنيّة. وتكريمًا لتاريخه النضالي ومواقفه الشجاعة، مُنح في أيلول/ سبتمبر 2012 “جائزة الأمير كلاوس” الهولنديّة، وهي إحدى أهم الجوائز الأوروبيّة التي تكافئ المفكّرين والكتّاب في البلدان التي تعاني “نقصًا في فرص الحرية” وفق نظامها. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2017، مُنح أيضًا “جائزة توشولسكي” التي يقدّمها “نادي القلم السويدي” كل عام، للكتّاب اللاجئين والمطاردين في بلادهم.

هنا نصّ حوارنا معه..

لنستهل هذا الحوار بالسؤال: كيف تعرّف نفسك لقرّاء مركز حرمون؛ جذورك، خلفيّاتك، ناسك، وكيف أثّروا في حياتك وكتاباتك؟

أعرّف نفسي بتجاربي المُكوِّنة والمُغَيّرة، وبخاصّة الاعتقال وسنوات السجن، ثمّ خطف زوجتي وأخي وأصدقائي عام 2013، على يد تشكيلات إسلاميّة سلفيّة. هذه تجارب لا تترك المرء بعدها مثلما كان قبلها، تُغيِّره. أورثتني التجربة الأولى صراعًا مُعرِّفًا مع الحكم الأسدي، وأورثتني التجربة الثانية صراعًا معرّفًا مع الإسلاميّين. الصراع المعرف يشكّل أو يعيد تشكيل الواحد منا، فيُعرِّفه ويحدد هويته، وليس أي صراع ينخرط فيه المرء. هذان الصراعان المعرفان يشغلان قسطًا كبيرًا من عملي الكتابي.  ومنذ خريف 2013 أعيش لاجئًا، في تركيا ثمّ في ألمانيا. وهذه بدورها تجربة مكوّنة، أشتبك معها كذلك وأعمل على توليد المعنى منها.

قضيّة تغييب سميرة ورفاقها والتشكيل السلفي الجاني

إلى أين وصلت قضيّة تغييب رفيقة دربك سميرة الخليل المختطفة في غوطة دمشق (مع رفاقها رزان زيتون ووائل حمادة وناظم حمادي)؟

سميرة الخليل

لدينا قرائن قويّة بقدر كاف لاتّهام تشكيل (جيش الإسلام) الذي حكم دوما حكمًا أسديًّا، حلّ فيه تديّن سلفي غث فكريًّا وأخلاقيًّا وروحيًّا وسياسيًّا محلّ العقيدة الأسديّة، الفقيرة والغثة بدورها، وأقام سلسلة سجون باسم التوبة، كان يمارس فيها التعذيب، وعرض فسادًا مافيويًّا من الصنف الأسدي كذلك، خلال سنوات قليلة، قبل أن يتحوّل اليوم إلى قوّة مرتزقة لحساب سلطات دولة أخرى. بعض هذه القرائن التي تجمّعت لدينا بالتدريج عبر السنوات متاحة للعموم، وهي في مجموعها أساس ملفّ قضائي للتحقيق في جرائم المافيا المذكورة.

مع الأسف، لا نعلم علم اليقين مصير أحبابنا، لكنّهم -بوصفهم مغيبين- أحياءٌ إلى حين يثبت بأدلة قطعية العكس، وفي إطار تحقيق موثوق في الجريمة وملاحقة للجناة، نحصل بنتيجته على جثامينهم ونعلن استشهادهم ونقدر على الحداد عليهم. أريد أن تكون سميرة معي، وإلّا فأنْ يكون لها قبر معلوم يُزار. وإلى أن نرى بصيص عدالة في هذه القضيّة، فإنّ غياب سميرة مع ورزان ووائل وناظم ليس مجرّد قضيّة قانونية في نظري. إنّها قضيّة فكريّة وسياسيّة وأخلاقيّة، ودينيّة كذلك. هذه أبعاد تناولتها في عملي، وسأستمرّ في تناولها.

هل تُحمّل “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السوريّة” و”الهيئة العليا للتفاوض” مسؤوليّة التقصير بمتابعة القضيّة؟ ومن يتولى متابعتها اليوم مع الجناة المحتملين، بخاصّة بعد مقتل زهران علوش زعيم جماعة (جيش الإسلام) وعدد من قادة الجماعة في غارة على غوطة دمشق الشرقيّة في كانون الأوّل/ ديسمبر 2015؟

لم تكن لدي توقّعات طيبة من “الائتلاف” أو “الهيئة العليا للمفاوضات”، التي كان نكرة فاسد وسفيه مثل محمد علوش (كبير مفاوضين) فيها يومًا؛ أقول لم تكن لدي توقّعات إيجابية منهم حتى أحمّلهم مسؤوليّة تقصير في شأن قضيّة زوجتي وأصدقائي. لقد حصل بالفعل أن خاطبت “الائتلاف” يومًا، ملتمسًا العون في القضيّة، وتلقيت من رئيسه أيامها، أنس العبدة، نصيحة مبتكرة: أن نتواصل مباشرة مع التشكيل الخاطف! لكن كانت تلك المخاطبة من ضمن جهود لوضع معنيين بصور مختلفة بالقضيّة أمام مسؤولياتهم، قمنا بها طوال عامي 2015 و2016، وكاتبنا في ذلك الحين (جيش الإسلام) نفسه، و(المجلس الإسلامي السوري) في إسطنبول، ولم يستجب لنا ولو بكلمة طيبة. دعونا كذلك إلى تحكيم علني بيننا وبين التشكيل المشتبه به، وهو ما لم يستجب له بدوره، كما لم ينل دعمًا من الجهات المذكورة أو غيرها. أُذكّر بذلك لأنّه لا يبدو معلومًا لكثيرين، ولأنّ التشكيل السلفي الذي جمع أوجه الجريمة كلّها، من سجون يمارس فيها التعذيب إلى سبي نساءٍ اغتصبهنّ قادته ومنهم زهران علوش، إلى تجارة الأنفاق والسرقة، وإلى الكذب الذي يفتيه الجماعة لأنفسهم مخادعين ضمائرهم وربّهم، أقول لأنّ هذا التشكيل يصوّر نفسه اليوم كضحية.

لا، لم يتغيّر شيء الحال قبل مقتل زهران كالحال بعده. بالعكس، بعد الانفصال عن بيئتهم الاجتماعيّة إثر استيلاء النظام وحماته على دوما في ربيع 2018، خفّ وزن الجماعة وصاروا بندقية للإيجار، وهم اليوم قوّة مرتزقة في عفرين ورأس العين وغيرهما. التشكيل الذي لطالما تجبّر على من هم أضعف منه متذلل للأقوى كما هو متوقّع. في هذا هو أيضًا شبيه بالحكم الأسدي.

 

المختطفون الأربعة سميرة الخليل ورزان زيتون ووائل حمادة وناظم حمادي

إلى أيّ مدى أسهم نشر كتاب «سميرة الخليل.. يوميّات الحصار في دوما 2013» (المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، بيروت 2016)، في تحريك القضيّة بأبعادها السياسيّة والحقوقيّة والثقافيّة، والضغط على الجهة أو الجهات المسؤولة عن تغييبهم؟

غلاف كتاب سميرة يوميّات الحصار في دوما 2013

كان يعنيني من نشر الكتاب وضع كلمات سميرة بين أيدي أكبر عدد ممكن من الناس، السوريّين والجميع، كعنصر في بناء قضيتنا كقضيّة عدالة وتحرّر، ضدّ الأسديين وضدّ أشباههم في الفعل من الإسلاميّين. وكذلك كتعريف بشريكتي وضميرها النادر في غيريته وعدالته. أرجو أنّ يكون الكتاب الذي وُزِّعت نُسخه العربيّة مجانًا، وترجم إلى الإسبانية والإيطالية، وتجري ترجمته حاليًّا إلى الفرنسية، قد أسهم في بناء صورة سميرة كمناضلة من أجل العدالة ضدّ قوى شر وتعصب وفساد.

كتاب سميرة قبل كلّ شيء وثيقة أخلاقيّة مهمة. لم يكن الغرض منه أن يكون شهادة، لكن غيابها جعل منه بالفعل شهادة على أوضاع دوما والغوطة الشرقيّة قبل غيابها، ثمّ شهادة غير مباشرة على مافيا (جيش الإسلام). يُظهر الكتاب الفارق الأخلاقي الكبير بين سميرة، وبالطبع رزان ووائل وناظم، والتشكيل السلفي الجاني. وهو من هذا الاعتبار يصلح مستندًا لأخلاقيّة تحرّرية إنسانية، تمس الحاجة إليها في المجتمع السوري.

الطائفيّة وأزمة المواطنة والوطنيّة في سورية

اسمح لنا بالانتقال معك إلى الحديث عن كتابك الأخير الموسوم بـ «السُّلطان الحديث في الطائفيّة وخصخصة الدولة وفي أزمة الوطنيّة والمواطنة في سورية» (المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، بيروت 2020)، ما موضوعه؟ وكيف جاءت الفكرة؟ وما هي ظروف إنجازه؟

الكتاب، مثلما يقول عنوانه الفرعي الطويل، عن الطائفيّة وخصخصة الدولة، وعن أزمة المواطنة والوطنيّة في سورية. هناك كلام كثير عن الطائفيّة في سورية، لكن ليس هناك كتب بحدود ما أعلم (علمت حديثًا بكتاب للمرحوم ميشيل كيلو يتناول القضيّة، لم يُتح لي الاطّلاع عليه بعد). يقول الكتاب إنّ النظام الأسدي طائفي، تتوافق عملية إعادة إنتاجه لنفسه مع إعادة إنتاج موسعة للانقسامات الطائفيّة، ويوفر تماهيًّا تفاضليًّا لقطاعات أهليّة من السكان به. ولكني أرى أنّ الطائفيّة هي أحد أوجه ما أسميه الدولة السُّلطانية المحدثة التي تقوم، فضلًا عن رعاية أزمة ثقة وطنيّة مستمرّة، على سلالة حاكمة، وعلى أنّ الحاكم سيد أعلى، فوق القانون والسياسة والدولة والمجتمع والبلد، “سيد الوطن” وليس “مواطنًا أوّل” أو “الأوّل بين أنداد”، وعلى “الأبد” أي محاربة التغيير والمستقبل، ثمّ على “الفتنة”، أي النزاع الطائفي، كشكل مرجح للصراع الاجتماعي. السُّلطانية لاغية للمواطنة، تقوم على سادة ورعايا أو أتباع. ومدخلنا إلى المواطنة هو طي صفحة السلطنة الأسديّة ونظام التبعية الذي فرضته على السوريّين.

الطائفيّة في السياق السوري هي التمييز الطائفي على مستوى الدولة، وقد جرى تعريفها في الكتاب بأنّها صناعة الطوائف كإستراتيجية للسيطرة السياسيّة. وهو ما يعني أنّ وجود جماعات أهليّة مختلفة ليس سبب وجود الطائفيّة، بل الطائفيّة هي ما تحوّل هذه الجماعات غير المتميّزة الحدود إلى طوائف، أي وحدات سياسيّة أو ما يقاربها. لا يترتب على انحدارك من جماعة أهليّة بعينها تفضيلات سياسيّة محدّدة، مثلما أنّ ميلاد الشخص بجينات وأعضاء جنسيّة أنثويّة أو ذكريّة لا يحدد حتمًا توجّهاته أو توجّهاتها الجنسيّة. تحويل الجماعات الأهليّة إلى طوائف يُنتج درجات من التوحيد السياسي ضمنها، يعزّزه تحطيم المنظّمات السياسيّة والاجتماعيّة المستقلّة العابرة للجماعات الأهليّة، وقد سارت العمليّتان: تطييف الأهلي وتحطيم الاجتماعي والسياسي، معًا في الحقبة الأسديّة من تاريخ سورية.

للدولة السُّلطانية المحدثة بنية ثنائية يعمل الكتاب على تقصيها. هناك دولة ظاهرة بدون سلطة هي الحكومة والإدارة والمؤسّسات العامّة، وهناك دولة باطنة غير مرئية هي مقرّ السلطة الحقيقيّة وتتمثّل في السلالة الأسديّة؛ وأنتجت عقود الحكم الأسدي طائفة سياسيّة عامّة هي العلويون وطائفة دينيّة عامّة هي السنّيون (الإسلام الذي يجري تعليمه وتطبيق بعض شرائعه ويحتفل بأعياده… هو الإسلام السنّي)؛ وتظهر الطوائف ذاتها بوجهين: وجهها الاجتماعي كشبكات محسوبية، ووجهها السياسي كحرس للسلطة أو كمنابع لمنازعتها؛ بل يمكن الكلام كذلك على معارضة ظاهرة ومعارضة باطنة، وهو ما تناوله أحد فصول الكتاب. غرض الكتاب بناء نموذج نظري لسورية في الحقبة الأسديّة، مفهوم يحيط بآليات أساسيّة لممارسة السلطة، ويسهم في إلقاء أضواء كاشفة على المسارات السوريّة خلال عقد ونيف بعد الثورة.        

بيّنت في الكتاب أنّ تطييف الوظيفة الأمنيّة خاصّة، طوال نصف قرن، اقترن بعنف منفلت وبحربَين كبيرتين: الحرب الأسديّة الأولى (1979-1982) والحرب الأسديّة الثانية (2011 – )، وبروز منازع إبادية في هاتين الحربين، بقيت بقدر كبير خارج التفكير العامّ، مشيرًا إلى أن هذا الاشتغال ليس لتقصّي جذور وسيرة النزعات الإبادية في سورية، لكنّه بمنزلة مقدّمة لهذا التقصي، والتفكير في الصلة الجوهريّة بين الطائفيّة والإبادة… هل يمكن الاستفاضة في هذه الفكرة لتوضح لنا أبعاد ما قصدته؟

الطائفيّة، بوصفها الشكل المسيطر من سياسة الهويّة في مجالنا المشرقي، مفتوحةٌ دومًا على “القتل على الهويّة”، أي على الإبادة. الخطير في الطائفيّة لا يقتصر على أنّ الطوائف يمكن أن تكون أساسًا لتقسيم البلدان، واقعيًّا وقانونيًّا، على ما كان يقال في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته، بل كذلك اقترانها بالجينوسايد، ما يترجم إلى العربيّة بـ “الإبادة الجماعيّة”. المقصود “إبادة جزئيّة أو كلّيّة” لجماعة “قوميّة أو إثنيّة أو عرقيّة أو دينيّة”، بحسب اتّفاقية الأمم المتّحدة لعام 1948 الخاصّ بتعريف ومنع الجينوسايد. منذ أن تقوم السياسة على التمييز، عرقيًّا أو قوميًّا أو إثنيًّا أو دينيًّا، فإنّ احتمال القتل الجماعي أو التهجير أو التطهير العرقي يُمسي واردًا. الطائفيّة في تناولي ليست تعبيرًا عن تمايزات اجتماعيّة موروثة ولا هي نتاج وجود هذه التمايزات، بل هي علاقة تراتبية تقوم على التمييز والامتياز، أي على ربط الانتماء للجماعات المختلفة برساميل رمزية متفاوتة ترفع البعض فوق غيرهم درجات، وبالتالي على أنّه ليس كلّ حياة مساوية لكلّ حياة. الأمثلة وفيرة في هذا الشأن، من “سياسة الحواجز” (إن جاز التعبير) إلى البراميل والكيمياوي، إلى المجازر والتهجير.

وبقدر ما جرى تطييف الحقل العامّ في سورية عبر تطييف الوظيفة الأمنيّة، أي السلطة الفعليّة، وعمليّة خصخصة الدولة، فقد بثّ هذا الواقع المتمادي طوال نصف قرن سمّ الإبادة في المجتمع السوري ككل. أظهر الإسلاميّون، وبخاصّة السلفيّين، استعدادًا إباديًّا، لم تحد منه غير حدود قوّتهم. (جيش الإسلام) تكوين إبادي مثل (داعش) ومثل (جبهة النصرة)، ومثل الحكم الأسدي، والصحيح زواله مثل الزوال النهائي المرغوب لكلّ من (داعش) و(القاعدة) والأسديّة.

ما يتّصل بالإبادة من قضايا أفق يستحقّ أن نعمل على استكشافه، في رأيي، ليس فقط لأنّنا فيها عشنا تجربة إبادة فعليّة واسعة النطاق، بعد أن كنّا أُبِدنا سياسيًّا خلال عقود الحكم الأسدي السابقة للثورة، ولكن كذلك لأنّ اللغة السياسيّة الموروثة عما قبل الثورة، وهي تتكلم على تسلط ودكتاتورية وقمع، وعلى استبداد وفساد، وعلى شموليّة، لا تصلح في رأيي للإحاطة بتجاربنا الأحدث، ولا ترى الخاصّيّة التمييزيّة للعنف الأسدي، ثمّ للإسلاميّة السلفيّة. أيًّا يكن مآل الثورات والصراعات الكبرى، فإنّها تفضي إلى تغيّر في الفكر السياسي والاجتماعيّة، وفي التفكير والحساسية والثقافة عمومًا، إن لم نعمل على أن يكون تغيّرًا نقديًّا وتحرّريًّا، فربما يأخذ طابعًا انحلاليًّا وعدميًّا. وهناك مؤشّرات على كلا الوجهتين اليوم.

من مؤلفات ياسين الحاج صالح

الحالة السوريّة بين مفهومي “الإمبرياليّة المقهورة” و “الإمبرياليّة القاهرة”

في مقدّمة كتاب «الإمبرياليّون المقهورون: في المسألة الإسلاميّة وظهور طوائف الإسلاميّين» (دار رياض الريّس للكتب والنشر، بيروت 2018)، تقول إنّ فكرة “الإمبرياليّة المقهورة” تولّدت في ذهنك عام 2013، بفعل المعاينة المباشرة للواقع في كلّ من بلدة دوما التي كانت خاضعة لـ (جيش الإسلام)، ومدينة الرقة التي اتّخذها تنظيم الدولة الإسلاميّة (داعش) عاصمة لدولته المزعومة. أرجو أن تشرح لنا هذا المفهوم “الإمبرياليّة المقهورة” الذي عملت على صكه ومقاصده في الحالة السوريّة؟

في مختبر الثورة السوريّة عبر السنوات، ظهر لي أنّه يمتزج في تكوين الإسلاميّين عمومًا نازع مظلوميّة بالغ القوّة، موجّه ضدّ طيف غير محدّد، يحدث أن يتّسع ليشمل دولنا وعموم العلمانيّين واليساريّين والليبراليّين والقوى الغربيّة والمؤسّسات الدوليّة، أي العالم كلّه تقريبًا، ويبطنه في الوقت نفسه نازع إمبراطوري يحيل إلى إمبراطوريات المسلمين الفاتحة التي يشكّل الإسلام السياسي وأكثر منه الإسلام الحربي استمرارًا لها، استمرارًا لإسلام الحاكمين الفاتح والسيادي، وليس لإسلام المحكومين الاجتماعي. تفكير الجماعة عسكري، موجّه نحو السيطرة والفتح وتحكيم شرعهم الفئوي. ولذلك لا يناضل الإسلاميّون من أجل المساواة، ولا يتطلّعون إلى أن يكونوا قوّة سياسيّة مثل غيرها في مجتمع متعدّد سياسيًّا. ما يريدونه هو السيادة والغلبة. فكرة الإمبرياليّة المقهورة تكثّف مزيج المظلوميّة التي ترى العالم مؤامرة كبيرة مستمرّة ضدّ المسلمين، وبين هذا التطلّع السيادي الإمبراطوري الفاتح. كانت الغوطة الشرقيّة محاصرة ومعرضة للقصف من قبل النظام، وكنت تقرأ على الجدران مع ذلك عبارات استبعاديّة مثل “الأسلام أو لا أحد” (تحوير دون تغيير حتى موقع الهمزة للشعار الإبادي الأسدي: الأسد أو لا أحد) و”الغوطة فسطاط المسلمين” و”يوم الملحمة”، وما إليها من عبارات فصامية، منفصلة كلّيًّا عن ديناميكيات ما يجري، فوق نسخها البنية الواحدية المتغطرسة للحكم الأسدي، وفوق غثاثتها الأخلاقيّة. (داعش) هو المآل المجنون الأقصى لهذا المنطق.

وبالمناسبة، هذا التكوين الإمبراطوري هو ما يُجرّد اعتراض الإسلاميّين على الإمبرياليّة الغربيّة من بعد تحرّري، وهو ما يحول دون أن يكون الإسلام دين المقهورين، يناضلون إلى جانب غيرهم من أجل المساواة. سياسيًّا وأخلاقيًّا وفكريًّا، لم تجرِ تصفية حساب مع المخيّلة الإمبراطورية و”فتوح البلدان” في الإطار الإسلامي. وهذا مصدر كساح أخلاقي متجدّد في مجالنا من العالم.

ماذا عن مفهوم “الإمبرياليّة القاهرة” الذي عملت أيضًا على صكّه؟

الإمبرياليّة القاهرة هي الإمبرياليّة التقليديّة، قوى تجمع بين الدولة القوميّة المركزيّة وأشكال مختلفة من الرأسمالية، ونزعة توسّع أو سيطرة على أراض أو موارد بلدان أخرى. وهو ما ينطبق اليوم على روسيا والصين، فضلًا عن المركز الغربيّة المتراجعة اليوم. وقد يمكن الكلام على مراكز إمبرياليّة فرعية، مثل إيران وتركيا، وقبلهما إسرائيل.

ترون أنّه من سوء طالع سورية -دولة الأبد والإبادة الأسديّة- أن تكون ساحة تجمع «الإمبرياليّة السائلة» على نحو يعاكس مسار الإمبرياليّات المركزيّة التقليديّة. برأيكم، لماذا حصل كلّ ذلك في سورية؟ ولماذا تُركت سورية عربيًّا وإقليميًّا ودوليًّا لهذا المصير المأساوي؟ وما مصير هذه الإمبرياليّات فوق الأرض السوريّة؟

في القرن التاسع عشر، وبصورة مغايرة معظم القرن العشرين، كانت الإمبرياليّات محدودة العدد، تسيطر على بلدان وأراض واسعة في القارات الثلاثة. ما رأيناه في سورية بعد الثورة شيء معاكس: في بلد صغير هناك أربع دول أعضاء في مجلس الأمن، منتدى الإمبرياليّات العالمي، أميركا وروسيا وقوّات خاصّة فرنسية وبريطانية، مع دعم الصين، العضو الخامس في مجلس الأمن والإمبرياليّة الصاعدة للحكم الأسدي دبلوماسيًّا وقانونيًّا، ومع ثلاثة إمبرياليّات فرعية، إسرائيل وإيران وتركيا. تصوّر الإمبرياليّة السائلة يعمل على تمثيل هذا الوضع: بدل توسّع مركز واحد أو مراكز إمبرياليّة محدودة في مناطق واسعة، لدينا انصباب إمبرياليّات قويّة في بلد واحد صغير. هذا كثير وإجرامي، يماثل اغتصاب طفل أو طفلة من عصبة من الشبيحة المفتولي العضلات.

يعزّز من الصفة السائلة ما يبدو أنّ العالم في وضع بين عهدين (interregnum مثلما سماه غرامشي يومًا: القديم يحتضر والجديد لم يولد، مع ظهور أعراض مرضية متنوّعة…). نظام السيطرة الغربيّة في انكفاء بفعل الأزمة الاقتصاديّة والانقسامات الداخليّة وصعود النزعات القوميّة المحافظة، وليس هناك قواعد ونظام بديل. أمامنا سنوات وربما عقود من الاضطراب. ولَكُنّا في وضع أفضل بكثير، لو دخلنا هذا الزمن المضطّرب وقد عالجنا المشكلات الموروثة من زمن استقرار نظام السيطرة الغربيّة، ومنها دول الطغيان والإبادة كالحكم.

في عالم اليوم المضطّرب هذا، مشكلة تحاكي بصورة ما مشكلتنا السوريّة وتفسر تطاول أمدّها: وضع اللابديل، الافتقار إلى رؤية أو مشروع عالمي، العيش في حاضر غير واعد يكرّر نفسه. الديمقراطيّة في أزمة في كلّ مكان، وبعدها الاجتماعي متراجع في كلّ مكان. الدول كلّها تميل إلى أن تصير احتكارات للقوّة والثروة، تقودها نخب متدهورة، في غياب مقاومات اجتماعيّة مؤثّرة تضع تلك النخب تحت رقابة المجتمعات. لذلك من المهمّ أن نفكّر في سورية دومًا على خلفية تحليل للوضع العالمي. ما جرى في سورية جرى في العالم، ليس من وراء ظهره ولا دون علمه. بل بمشاركة واسعة من أبرز القوى العالميّة والإقليميّة. لذلك يتعيّن أن ندرج التغيّر السوري في إطار تغيّر عالمي نعمل من أجله إلى جانب شركاء كثيرين. هذا ممكن في الشتات، وهو يعطي قضيتنا بُعدًا ثوريًّا جذريًّا يستحقّ أن يُفكَّر فيه ويُشتغل عليه.

ذكرت في الكتاب أنّ نظام الأسد الذي يفوز اليوم بنى سلطة وترتيبات اجتماعيّة وسياسيّة ودينيّة وأيديولوجيّة، محلّيّة ومعزّزة دوليًّا، لا مكان فيها للسياسة ولا للحرّيّة، ولا يشغل التفكير الحرّ والنقاش الحرّ موقعًا فيها. سؤالنا: بعد قراءة شاملة لواقع الحال؛ ما هي مآلات حكم آل الأسد المستقبليّة، بعد أن مُدّد له لولاية رابعة لمدّة سبع سنوات إضافيّة عقب انتخابات رئاسيّة وُصفت بـ “المهزلة” و”الوهميّة” و”المزوّرة”؟

لا يتحكّم بشار الأسد في مصيره الشخصي والعائلي ليتحكّم في مصير سورية. يمكن أن يبقى لأنّه يناسب خطط ومصالح القوى المتحكّمة بالمصير السوري، بخاصّة روسيا. سيدخل التاريخ كحاكم عميل، تسبب في كارثة لبلده ليبقى في السلطة. بقي بالفعل، لكن على رأس سلطة منحسرة جغرافيًّا، لا تتحكّم في إعادة إنتاج ذاتها، وبلا سيادة، وكائتلاف من مافيات ومراكز سلطة تتحكّم في مجتمع منهك إلى أقصى حدّ.
انتخابات بشار مثل إلغائه حالة الطوارئ بعد الثورة، ومثل إعادة تجنيس الكرد المجرّدين من الجنسيّة بعد الثورة، ومثل تغييره الدستور عام 2012 ليلغي المادة التي تعطي (حزب البعث) الدور القيادي في الدولة والمجتمع، كلّها من جهة اعتراف بأحقّيّة مطالب الثورة، ومن جهة أخرى، تفريغ لهذه التطلّعات من مضمونها السياسي والحقوقي مع الحرص على المظهر. تاريخ الحكم الأسدي طول نصف قرن هو تاريخ انتحال مظهر الدولة من قبل عصبة لا سياسيّة وتحت سياسيّة. “انتخابات” بشار الأسد ليست غير استمرار لانتحال الشخصيّة هذا.

بالعودة إلى كتابك «الثقافة كسياسة» (المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، بيروت 2016)، لاحظنا أنّه تضمّن مواقف ناقدة تجاه مثقّفين سوريّين تجاهلوا الأوضاع الاجتماعيّة والسياسيّة في سورية. أرجو أن تحلّل وتشرح لنا مواقفك في هذا الصدد أكثر؟

هذا أكثر كتبي سجاليّة، وهو اشتباك نقدي مع أعمال مثقّفين سوريّين أساسًا، ولكن كذلك مع عمل عبد الله العروي الذي كان نجمًا فكريًّا هاديًّا لي في سنوات الشباب وبعدها، ولا أزال أقدّره كثيرًا. الكتاب نقد لمنهج في التفكير هو “المنهج الثقافوي” الذي يفسّر المشكلات الاجتماعيّة والسياسيّة بالثقافة مردودة في الغالب إلى الدين، مردودًا في الغالب إلى الإسلام، مردودًا في الغالب إلى الإسلام السنّي. وهو بهذا التكوين حصن مُحتمل للمنازع الطائفيّة. أخذ هذا المنهج يجتاح التفكير منذ تسعينيات القرن العشرين، وحلّ محلّ “الاقتصادويّة الماركسيّة”، التي فقدت قدرتها الإقناعيّة مع سقوط المنظومة السوفييتيّة في الفترة نفسها. في الحالين لدينا اختزال الكثرة الاجتماعيّة المعقّدة إلى عامل مقرّر واحد بسيط. لكن بينما كانت الاقتصادويّة تجد ترجمة سياسيّة يساريّة، فإنّه ليس هناك ثقافويّة يساريّة. الثقافويّة نخبويّة ويمينيّة حتمًا، وطائفيّة غالبًا، سواء كانت الثقافويّة علمانيّة أم دينيّة. الإسلاميّون ثقافويّون تكوينيًّا، يفسّرون المجتمعات والسياسة بالعقائد والأديان مثل مخاصمين علمانيّين لهم. لكن بينما الإسلام هو الحلّ عند الأخيرين، فإنّ “الدولة” هي الحلّ عند الأوّلين. إشكاليّة الثقافويّين العلمانيّين تقودهم إلى مواقع قريبة من النظم الحاكمة في بلداننا التي تجري مطابقتها بالدولة. المنهج الثقافوي يقود بثبات إلى الارتكاز على قوى تضبط التديّن السياسي وتوقفه عند حدّه، احتكارات العنف التي تسمّى “الدولة” (دون اهتمام بشرعيّة هذا العنف: انضباطه بالقانون، وبراءته من التعذيب، وصفته غير التمييزيّة)، ولو كان ذلك -وقد كان دومًا- ضمن استبعاد عامّ وعداء عامّ للديمقراطيّة وأشكال الانتظام الاجتماعي المستقلّ. هذا بالمناسبة هو منهاج القوى الغربيّة في التعامل مع مجتمعاتنا كذلك.

بفعل اشتغالي على كلّ من الإسلاميّة والأيديولوجيّة الثقافويّة في السنوات السابقة للثورة السوريّة، يبدو لي أنّ منهج القوى الغربيّة، والثقافويّين العلمانيّين لدينا، خاطئ جذريًّا. الدين في تناولي لمجتمعاتنا المعاصرة هو سياسة مجتمعات محرومة من السياسة، إن حاكينا صيغة لماركس عن المجتمعات الأوروبيّة في زمنه تقول: إنّ “الدين روح مجتمع بلا روح”. كلّما افتقر مجتمع سياسيًّا أو كلّما جرت إبادته سياسيًّا، أخذ التديّن شكل سياسة بديلة. ما يمكن أن يضعف الإسلاميّين هو مجتمعات نشطة سياسيًّا. قد يجنون من ذلك شيئًا على المدى القصير، لكنّهم يخسرون على مدى أطول. في ظلّ حياة سياسيّة آمنة، نحن -القوى الاجتماعيّة والسياسيّة العلمانيّة والديمقراطيّة المتحرّرة- أكفأ وأكثر إبداعيّة، وأعدل، وأكثر وطنيّة، من أيّ إسلاميّين محتملين. ليست مجتمعاتنا مدانة بأن لا تنتج غير إسلاميّة مغلقة، وبأن يكون الإسلاميّون قوّة وازنة فيها. هذا ما يعتقده الإسلاميّون أنفسهم وخصومهم الدولتيّون والغربيّون، ولكنّه نتاج تجميد قسريّ للأوضاع السياسيّة والاجتماعيّة على يد “الدولة” وعمقها الإستراتيجي في النظام الدولي.

كثيرًا ما يتحدّث الكتّاب عن التأثير الطاغي لفترات السجن على حياتهم بشكل عامّ، إلى أيّ مدى أثّرت تجربة السجن، في معتقلات الأسد الأب مدة 16 سنة، في توجّهاتك وأفكارك ورؤيتك لحياتك المُقبِلة؟ هل غيّرتك أم عزّزت ووثّقت ما رسمتَه لذاتك سلفًا؟

لا مجال للمبالغة في أهمّيّة تلك التجربة في حياتي كذلك. إنّها تجربة مُكوِّنة ومُغَيّرة مثلما تقدّم القول. غيّرتني لأنّي كنت شابًا، لم أتشكّل في صورة متصلّبة بعد مثلما ينزع الواحد منّا لأن يتشكّل كلّما تقدّم به العمر. أردت أن أتغيّر في تلك السنوات، وتغيّرت. تعلّمت من رفاقي ومن الكتب ومن الصراع مع النفس ومع واقع السجن، فكانت تجربة تلك السنوات في المحصلة تجربة انعتاق من سجون أخرى داخليّة، يحمل تنويعات منها كلّ واحد منّا. أنا “خريج الحبس” أكثر من الجامعة، وأعيش ممّا تعلّمته فيه لا ممّا تعلّمته في غيره. لكن أن تقضي 16 عامًا في السجن في مطلع شبابك يرجّح عيشك في أزمة دائمة بعدها. بخاصّة إن أخذتَ بالاعتبار أنّنا خرجنا من السجن إلى سورية مذعورة، يحكمها النظام الذي اعتقلنا وعذبنا ذاته. أي أنّنا بصورة ما لم نخرج من السجن أبدًا، هذا إلّا حين خرجنا من البلد ذاته، على ما جرى لنحو 30% من السوريّين فعلًا بعد الثورة. من وجه آخر، كانت سنواتي في السجن تطعيمًا ضدّ اليأس الذي تبثّه تجارب مؤذية لاحقة، تغييب سميرة بخاصّة.      

هل تعتقد أنّك نجحت في الوصول بكتاباتك إلى الجيل السوري الأحدث سنًّا؛ جيل الثورة؟

لا أعرف. كي يمكن قول شيء موثوق في هذا الشأن، نحتاج إلى سبر، تَقَصّي ما تتابعه من كتابات عيّنة تمثيليّة من “الجيل السوري الأحدث سنًا”. انطباعيًّا، يبدو أنّ عملي ينال اهتمام بعض الجيل الشاب، وإن تواترت الشكوى من أنّه ليس سهل القراءة.

أنت كاتب غزير الإنتاج، وهذا يدعونا إلى سؤالك: كيف تستمرّ في الكتابة بينما تأتي كلّ يوم أخبارٌ عن فظاعات ومصائب بشريّة من محيطك ومن بلدك؟ ما الذي تمنحنا إياه الكتابة؟ وهل هي قادرة على تعويض خساراتنا في الحياة؟

لستُ أثابر على الكتابة والنشر بالرغم من “الفظاعات والمصائب”، بل بسببها، وفي مواجهتها بقدر كبير. للكتابة وإنتاج المعاني فاعليّة علاجيّة لا أستغني عنها، وبدونها كان يمكن أن “أطق”. أستنير وينشرح صدري، بالمقابل، حين يحدث أن أستطيع توضيح أمر مشكل أو توليد معان جديدة. لكن ليس للكتابة خصائص سحريّة مع الأسف. لا تعوض خساراتنا في الحياة، وهي لم تعوضني عن سنوات السجن، ولا عن غياب سميرة، ولا عن العيش لاجئًا، أي في مؤقّت لا ينتهي. على أنّها تساعد -في ما أرجو- في بناء قضيّة حول السجن وحول سميرة والغياب وحول اللجوء والمنفى.

من مؤلفات ياسين الحاج صالح

ما رأيك بالنتاج الثقافي للثورة السوريّة؟ وأين تكمن أهمّيّة ترجمة الكتابات التي تخصّ المعاناة السوريّة خلال العقد الأخير من الزمن إلى اللغات العالميّة؟

في مطلع 2016، بدا لي أنّ هناك كتابة سوريّة جديدة مغايرة لما كان سائدًا قبل الثورة، تتميّز أساسًا أنّها كتابة مسكونة بالبشر، تجاربهم ومحنهم وقصصهم وبيئاتهم وذاكراتهم، خلافًا لكتابة جيل أساتذتنا غير المسكونة، وقد كانت كتابة تحاكي بنية الدولة الأسديّة في خلوّها من أسماء الناس وسيرهم وصورهم وتفاصيل حياتهم وموتهم؛ وأنّ في الكتابة الجديدة حضورًا كبيرًا للتجارب الشخصيّة؛ وأنّها فعل صراع ومفعمة بحس مأساوي متولد عن التوتر بين التجربة الحيّة والمرجع الموروث (أساليب ولغة الكتابة المعتمدة)؛ وأنّها تعرض تحرّرًا متزايدًا من الشعور بالنقص، بفعل كون تجاربنا من الأقسى والأقصى في عالم اليوم، وارتباطها بقيم الحرّيّة والعدالة والكرامة؛ وأنّ الكتابة الجديدة تعرض كذلك منزعًا راديكاليًّا متصاعدًا تجاه السلطات السياسيّة والدينيّة والاجتماعيّة ومحرّماتها، وأنّ غير قليل من منتجيها هم من اللا كتّاب، أعني هم نساء ورجال لم يسبق أن كتبوا ونشروا من قبل دون أن يكونوا في مقتبل العمر بالضرورة؛ ثمّ أنّها تتميّز بتداخل الأنواع الكتابيّة وتشابكها، وأنّ هذه الكتابة الجديدة بعد ذلك كلّه عالميّة المنظور، بخاصّة كتابة الشتات.

أخشى اليوم على هذا الجديد أن يُغمر بهول ما جرى لنا وبقوّته التيئيسيّة من جهة، وبالفعل المروض لأجهزة سياسيّة ودينيّة حسنة التمويل من جهة ثانية. نقطة ضعفنا في الشتات هي انفصال عمليّات الكتابة والنشاط الثقافي عمومًا عن عمليّات إنتاج الحياة المادّيّة، وعدم قدرتنا على تمويل أنفسنا. وأخشى أنّ هذا يمكن أن يكون مدخلًا لـ “تأليف القلوب” من قبل جهات إقليميّة ودوليّة، يغلب مكوّن السلطة والمال في تكوينها على مكوّن التفكير النقدي، وتتحكّم في الطاقة النقديّة وفي مساحة الاستقلاليّة للمرتبطين بها.

مُنحتَ في تشرين الأوّل/ أكتوبر 2017 من قبل “نادي القلم السويدي” السنويّة “جائزة توشولسكي”، التي تُمنح للكتّاب اللاجئين والمطاردين في بلادهم. ماذا تمثّل لك هذه الجائزة على الصعيد الشخصي؟ ومن الذي خطر ببالك في تلك اللحظة بالذات؟

مثّلت الجائزة في ذلك الوقت لحظة بهيجة. وهي مثل صدور كتاب جديد لي مرتبطة دومًا بسميرة الغائبة. كان كتابها «يوميّات الحصار في دوما 2013» حديث الصدور وقتها، وأحببت أن تحمله أمام الكاميرات وزيرة الثقافة السويديّة التي سلمتني الجائزة، وقد استجابت بكرم. أردت لامرأتي الغائبة أن تكون حاضرة عبر كلماتها في ستوكهولم.

لا رئيس، وأربع سوريّات، واحتلالات أربعة جديدة، وإسرائيل

 ننتقل معك للحديث عن آخر الأوضاع والمستجدات السياسيّة في الشأن السوري، كيف تنظر إلى ما يحدث اليوم؟ وكيف تلخّص ما حدث في السنوات العشر الماضية؟

نحن في وضع بلا مرجع معلوم في ذاكرتنا الحديثة وقليل الأشباه، عالم اليوم الذي نفكر فيه مكوّن من دول متجاورة، مستقلّة وسيدة، وإن بتفاوتات كبيرة. سورية مثال اللاوطن واللا دولة، يحكمها لا رئيس، شخص تابع ومهذار، يتوهّم نفسه سيد قراره وكلامه، ويستند إلى أجهزة لا أمن لا وطنيّة، كانت طوال تاريخها منظّمات إرهابيّة عامّة، تمارس عنفًا خاصّيّته الجهوريّة أنّه غير شرعي: تمييزي، التعذيب أساسي فيه، غير منضبط بقانون، فوق كون الأجهزة المختصّة به مدارس للوشاية والتدريب العامّ على الخيانة. لا شيء من هذا الواقع المستحيل جديد، لكنّه صار مرئيًّا بوضوح بعد الثورة. الجديد هو احتلالات أربعة جديدة، إيرانية وأميركية وروسية وتركية، وإنتاج كلّ منها لوكلاء سوريّين. ومن الجديد جيب لنسخة معدلة من (القاعدة) في إدلب، ومنه أنّ (داعش)، وهي تشكيل عدمي معولم، يجد في البادية بيئة توحّش وخروج مستمرّة. من الجديد أنّ 30% من السوريّين يعيشون في ملاجئ قريبة وبعيدة تحت سلطة دول مختلفة، ومنه أنّ ما قد يقترب من 90% من سوريّي الدواخل السوريّة المتعدّدة يعيشون تحت خط الفقر.

من مؤلفاته

سورية منقسمة واقعيًّا إلى أربع سوريّات، من دون أن نتكلم على الجولان المحتلّ، وعلى السماء السوريّة التي تتقاسمها روسيا وإسرائيل، وعلى سورية اللاجئة المتعدّدة بتعدّد بلدان اللجوء. هذا وضع مستحيل. لقد جرى تحطيم سورية بقدر ما كان يتعذر تصوّر تفجّر ثورة في سورية، وصفتُها لذلك بـ “الثورة المستحيلة”. وما يمكن ترتيبه على الثورة المستحيلة والتحطيم المستحيل للمجتمع السوري هو أنّ المستحيل هو المجال الذي ينتمي إليه حلّ سوري، سلام سوري مستدام، وليس تجديد نظام الإبادة الباردة والأبد. يبدو هذا كلامًا غير سياسي اليوم. لكنّ سياسة لا تبالي بما يستقيم ولا يستقيم تقوّض نفسها بنفسها. وفلسطين مثال ناطق أمامنا. فلنقل كلامًا عادلًا ومنطقيًّا ما دمنا قادرين، والسياسة ربما سـتضاف إلينا يومًا.

ألا توحي التجاذبات السياسيّة بإمكانيّة تخلّي روسيا عن نظام الأسد، بالرغم من مسرحية الانتخابات المُعتادة؟ أم أنّ هناك بالفعل عمليّةً لإعادة “تأهيل النظام” دوليًّا؟ كيف ستنجح هذه العمليّة؟ وهل يكفي “النصر العسكري” المزعوم، لكي يقبل العالم بإعادة تأهيل هذا النظام الدموي؟

لا أرى مؤشّرات على تخلّي روسيا عن بشار والحكم الأسدي. لماذا تتخلّى عن تابع مفيد، يحمل خيال الدولة، ويحجب واقع كون روسيا قوّة احتلال أجنبي؟ المتصرف الأسدي “لا يهشّ ولا ينشّ” في مواجهة الروس، فلماذا يتخلّون عنه؟ هذا توهّم وتفكير رغبوي ممن يسقطون تطلّعاتهم الذاتيّة على قوّة استعماريّة رفع تدخلها في سورية من وزنها الدولي، بعد أكثر من ربع قرن من الانحدار، ولديها بالتالي ميل لتوكيد الذات بصورة عدوانيّة. في الوقت نفسه، لا يبدو أنّ مساعي إعادة التأهيل تحقّق تقدّمًا لرفض القوى الغربيّة لها، لحسابات تخصّ هيبتها الدوليّة وليس لاستقرار سورية ووحدتها، دع عنك الحرّيّة والعدالة للسوريّين. يمكن تصوّر أن تتمادى الأوضاع الحاليّة سنوات طويلة. وبعد أن كان المجتمع السوري ممسوكًا ومجرّدًا من التماسك الذاتي، تحوّلت سورية إلى دولة ممسوكة روسيًّا بقدر ما هي محرومة من التماسك الذاتي.

لا، لا يكفي انتصار النظام عسكريًّا بقوّة روسيا وإيران وأتباعها. هذا يمكن أن يطيل في عمره، ويمكن حتى أن يُطبِّعه بصورة ما، أو يضفي الطبيعيّة على مناطق سيطرته، مثلما يريد بلد ينزلق باتّجاهات يمينيّة وعنصريّة كالدانمرك، لكن النصر سياسي، وما قد يُكسب عسكريًّا، حتى لو لم يكن انتصارًا بالوكالة، يتعيّن إعادة كسبه سياسيًّا، من أجل الكلام على دولة ومجتمع. وعلى الرغم من نظام الحمايتين الروسي والإيراني (وروسيا وإيران هما المنتصران بالأصالة)، المحمي الأسدي عاجز عن تحقيق نصر سياسي، لأنّه نظام لا سياسي جوهريًّا ومضادّ للسياسة. حامياه الروسي والإيراني مثله في ذلك، وهم في حلف لأنّهم أشباه. لذلك القضيّة السوريّة باقية، ويتراكب فيه على نحو لا فكاك منه النضال ضدّ الطغيان بالنضال ضدّ مستعمرين أجانب.

بتقديرك، لماذا عجزت قوى وأطياف الثورة والمعارضة السوريّة عن إيجاد إطار سياسي موحد يمثّلها في الداخل السوري، وفي المحافل السياسيّة العربيّة والدوليّة، ما أفقد المفاوض السوري كلّ أوراق القوّة، خاصّة ورقتي الشرعيّة الشعبيّة وتوحيد القرار العسكري في المناطق المحرّرة؟

أشعر بألم عقلي بالفعل عند التفكير في هذه القضيّة. من أجل شرح “موضوعي”، يمكن الإشارة قبل كلّ شيء إلى حكم إبادي في البلد منذ عام 1970، ولا أعرف مثالًا في التاريخ الحديث لحكم إبادي استطاع معارضوه تغييره؛ وهناك شرط المجتمع الممسوك الذي بذلت عناية خاصّة خلال عقود كي لا يتماسك أو يستطيع إنتاج تماسك ذاتي أو صعيد عامّ وطني. وبعد الثورة، هناك انفصال ديناميّات تشكّل المعارضة السياسيّة عن ديناميّات الفعل على الأرض، السلميّة منها والمسلّحة. هذا كلّه يحوز طاقة تفسيريّة وافية. لكنّه لا يفسّر حقيقة أنّ أوسع أطياف معارضتنا لا توفّر لك سببًا لتحترمها. المشكلة مع الجماعة ليست أنّهم لم يستطيعوا إنجاز التغيير، لم يسقطوا لنا النظام، المشكلة أنّهم لم يصونوا كرامتنا كشعب وكقضيّة. ما يعرضونه من استزلام وتبعية لقوى إقليميّة ودوليّة لا يُثير في النفس غير مشاعر احتقار تشابه ما يُثيره الحكم الأسدي. ما كان يمكن أن نرى نكرات لم يسمع بهم أحدٌ قبل الثورة في قيادة العمل المعارض، لولا أنّهم كانوا “منتخبين” من رعاتهم ومستتبعيهم، لا من السوريّين.

العجز شمل أيضًا قدرة قوى وأطياف الثورة والمعارضة على تنظيم الحراك الثوري في الداخل، وإمكانيّة إعادة تحريك الساكن، وكذلك العجز التامّ عن ترتيب أوراق البيت السوري وترسيخ العمل المؤسّساتي، وتثمير تضحيات الشعب السوري في مواجهته المفتوحة مع نظام الأسد. فما الأسباب؟ وما الخطوات الواجب اتّخاذها، من أجل إصلاح منظومة المعارضة السوريّة، وتأسيس نموذج ديمقراطي بديل عن منظومات الاستبداد، بكل أشكالها السياسيّة والدينيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، ورفع سوية أدائها السياسي في هذه المرحلة الدقيقة التي تمرُّ بها القضيّة السوريّة؟

اليوم، بعد عشر سنوات ونيف، “اتّسع الفتق على الراتق”، وأميل إلى امتناع إصلاح الجسم الحالي المترهل والفاقد للاستقلاليّة. إذا أراد الجماعة إصلاح أمرهم، فعليهم قبل كلّ شيء ألّا يستقروا في بلد يحتلّ أرضًا سوريّة، لأنّهم سيكونون شهود زور على أنفسهم وبلدهم لمصلحة المحتلّ. وهذا واقع الحال اليوم. لا يبدو أنّ جماعة الائتلاف تجرؤوا حتى على الاحتجاج على قطع تركيا لمياه الفرات، ما ينذر مئات ألوف السوريّين بالموت. ما يمكن أن يكون نقطة انطلاق جديدة هو العمل على إعادة بناء القوى الذاتيّة من أدنى، على أرضيّة استيعاب دروس سنوات المحنة. هذا عمل بطيء، تراكمي، لا يخلو حتمًا من تجريب. الرهان هنا تشكّل قوّة أو قوى تحرّرية وطنيّة سوريّة في مرحلة ما بعد الثورة المحطّمة، قوى تفرض نفسها بعد حين فلا يمكن القفز فوقها في شأن الحلّ السوري.

إلى أيّ حدٍّ تشكّل الحركات الإسلاميّة الراديكاليّة عقبة في وجه التحوّل الديمقراطي في سورية؟

بالضبط، بقدر ما تشكّل حياة سياسيّة تعدّدية عقبة في وجه الحركات الإسلاميّة الراديكاليّة، وذلك في سورية وغيرها. الجماعة يتراوحون بين قائل بأنّ “الديمقراطيّة تحت قدمي”، مثل زهران علوش، وبين قائلين بأنّ “الديمقراطيّة حرام” مثل (هيئة تحرير الشام). مثالهم السياسي هو الحاكميّة الإلهيّة، الله-قراطيّة، وهو نموذج سياسي يضع الله، أي عمليًّا الإسلاميّين، في مقابل الشعب (الديموس) وضدّه، ويخرج الحكم من التدبّر البشري ومن السياسة، ليجعل منها شيئًا دينيًّا مقدّسًا، ويؤسّس لطغيان ديني، أسديّة إسلاميّة.

تجربتنا خلال عشر سنوات ونيف تفيد بوجوب تخلّي الإسلاميّين نهائيًّا عن فكرة الحكم الإسلامي أو الدولة الإسلاميّة؛ لأنّها تقوم جوهريًّا على التمييز والتفوقيّة الإسلاميّة، فلا يمكن أن تكون عادلة، ويتحتم أن تكون تقسيميّة، ثمّ لأنّها تؤسّس لعلاقة إبادة مع من فقدوا إيمانهم من المسلمين، وهم ليسوا قلّة طارئة، وكانوا في صعود وهبوط (اليوم في صعود بفضل ما يتراوح بين عدميّة الإسلاميّين وتبعيّتهم)، أو أصحاب الأفكار المغايرة. التعاقد المؤسّس للسياسة في مجتمعاتنا يقتضي تخلّي الإسلاميّين عن مطلب السيادة (وفكرة الدولة الإسلاميّة لا تعني غير حكم الإسلاميّين وسيادتهم) مقابل الحقّ في السياسة، وفي الوقت نفسه تحويل طبيعة الدولة لتصير دولة سياسة واجتماع وحقوق، لا تقبل الخصخصة ولا التوريث. إسلام الإسلاميّين السياسيّين والحربيّين هو في الواقع إسلام سيادي لا سياسي، ومطلق لا دستوري. هناك حاجة إلى إسلام دستوري وإسلاميّة دستوريّة، مثلما هناك حاجة إلى دولة دستوريّة. الدستور في الحالين يحمي حقوق الناس من سلطات دينيّة أو سياسيّة تجنح إلى الإطلاق دون ذلك. يمكن أن يقوم على هذه الرؤية تصوّر الحلّ السوري في صورة تسوية تاريخيّة تؤسّس السياسة كمساحة تلاق للسوريّين: دولة سياسيّة لا تخصّص ولا تورث، ودين سياسي لا ولاية عامّة له وبلا مدخل إلى العنف، وبلا حقوق خاصّة فوق دستوريّة.

هل لديك تصوّر ما عن مسار مرحلة انتقاليّة نحو بناء نظام ديمقراطي جديد لدولة قانون تعيد بناء سورية دولة موحدة أرضًا وشعبًا؟

ربما يمكن تصوّر أساسيّات المرحلة الانتقاليّة وليس مسارها. من أجل سورية مستقلّة موحدة، ينبغي أن يتغيّر الحكم السلالي الذي تسبب بتجزُّئها وتعدّد تبعيّاتها، وانسحاب القوى الأجنبيّة كلّها، وعودة اللاجئين، وإطلاق عمليّة “عدالة انتقاليّة” تحاسب كبار المجرمين، وتؤسّس لسِلم سوري قائم على العدالة، ولا يمكن أن يقوم على غيرها. نحتاج إلى عمليّة سياسيّة دوليّة من أجل ذلك، وليس هناك قوى دوليّة تبدو معنية بذلك. التفكير في هذا الشأن كذلك مؤلم عقليًّا.

بموازاة ذلك، يتعيّن القبول بأساسيّات التسوية التاريخيّة المذكورة للتوِّ: تلاق على دولة سياسيّة تعدّدية غير مخصخصة وغير قابلة للتوريث، وعلى إسلاميّة سياسيّة غير سياديّة، تتخلّى عن فكرة الدولة الإسلاميّة. الإسلاميّون عدميّون سياسيًّا مثل النظام، فإن كان لنا أن نطوي صفحة العدميّة السياسيّة، فلا بدّ من دسترة أو تقييد سلطتي الدين والدولة معًا.