رحلة مع الفلاسفة في علم الأخلاق (الحلقة السابعة) نزعة عمانوئيل كانت النقدية أعطت الأخلاق عمقا عقليا يجمع فيها بين النظري والعلمي عماد الدين الجبوري كاتب اندبندنت عربية

img
راي 0 editor Hossein

ي

يتمثل مفهوم الواجب عند كانت بالإرادة الخيرة وحدها (أ ف ب)

تناولنا في الحلقة السابقة ديفيد هيوم الذي تميز بفكره الأخلاقي القائم على المبادئ التجريبية، وبذلك رفض الأخلاق القائمة على تصورات عقلية أو دينية وشكك في جدواها، فالعواطف الأخلاقية والفضائل معطيات طبيعية فحسب. وأن الفضيلة نسبية وفق الظروف التي تحيطها، إذ قد تنقلب إلى رذيلة في ظروف أخرى.

عمانوئيل كانت (1724-1804)

على الرغم من قول كانت “كان هيوم قد أيقظني من غيبوبة عقائدية”، لكنه رفض مفهومه الأخلاقي القائم على النزعة التجريبية. إذ إن الأخلاق تقوم على الواجب، وبحسب رأي كانت، “يجب أن يكون الواجب ضرورة عملية وغير مشروطة للعمل، ومن ثم يجب أن ينطبق على جميع الكائنات العاقلة (التي يكون واجبها وحده أمراً قابلاً للتطبيق)، ولهذا السبب فقط، يمكن أن يكون قانوناً لجميع الإرادات البشرية أيضاً”. (الفلسفة الأخلاقية. طبعة إنجليزية).

إذ إن مفهوم الواجب، عند كانت، هو المتمثل في الإرادة الخيرة وحدها، ويؤكد أنه “لا توجد هناك إمكانية للتفكير في أي شيء على الإطلاق في العالم، أو حتى خارجه، والذي يمكن اعتباره صالحاً من دون مؤهل، باستثناء الإرادة الخيرة”. (أساس لما وراء الأخلاق. طبعة إنجليزية). فالإرادة الخيرة هي الشيء الوحيد الصالح في حد ذاتها، كما أنها الفضيلة الوحيدة الصالحة بلا تحفظ من بين سائر الفضائل الأخرى، فلا توجد فضيلة غيرها يمكن استخدامها في تحقيق غايات غير أخلاقية. على سبيل المثال، لا تكون فضيلة الولاء جيدة إذا كان الفرد مخلصاً لشخص شرير. إن الإرادة الخيرة صالحة دوماً، وتحافظ على قيمتها الأخلاقية حتى إن أخفقت في تحقيق نياتها الأخلاقية.

ومع أن الإرادة تنبع من الواجب، بيد أن كانت أراد من الإرادة الخيرة أن تكون ذات نطاق أوسع، إذ يمكن تمييز الإرادة التي يكون مصدرها الواجب على أنها إرادة تتغلب على العوائق بغية الحفاظ على القانون الأخلاقي، وبذلك فإن الإرادة المطيعة هي حالة خاصة من الإرادة الخيرة تظهر في الظروف المعاكسة فحسب. وعلى الرغم من أن الأفعال التي تتعلق بالواجب وحده، لها قيمة أخلاقية، فهذا لا يعني أن الأعمال التي يتم تنفيذها وفقاً للواجب الأخلاقي فقط لا قيمة لها، بل ما تزال تستحق الموافقة والتشجيع، ولكنها لا تعني أن الأفعال التي تحدث خارج نطاق الواجب هي تقدير خاص.

إن مفهوم الواجب عند كانت، لا يقصد به إجبار الناس على تأدية واجباتهم بالإكراه، مع أن الواجب غالباً ما يقيد الناس ويحثهم على التصرف ضد ميولهم، إلا أنه ما زال يأتي من إرادة الفاعل العقلاني مثل القوانين، فنحن نرغب في الحفاظ على القانون الأخلاقي، لأننا ملزمون بواجب العقلانية بحكم كوننا فاعلين عقلانيين، فتنطبق المبادئ الأخلاقية العقلانية على جميع الفاعلين العقلانيين في جميع الأوقات. وعليه، عندما يقوم الفاعل بعمل من الواجب، فذلك لأن الحوافز العقلانية تهمه أكثر من ميول الناس المعارضة. ويهدف كانت من هذا الطرح إلى تجاوز مفهوم الأخلاق كواجبات مفروضة من الخارج، وإبداله بمفهوم الأخلاق المتأتية من العقل، أي من الداخل.

ومن هنا، بدأ كانت في صياغة قانون الأخلاق الذي هو الواجب القاطع على الناس جميعاً، وعرض مفهوم “الحتمية القاطعة” بأشكال متعددة، منها ما يخص الفرد كونه كائناً عقلانياً ملزماً باتباعها بسبب إرادته العقلانية، وليس بسبب أي مؤثر خارجي. ومنها ما يخص الشمولية التي يستوجب مبدأها أن يكون الفعل مسموحاً به، يجب أن يكون التطبيق على سائر البشر من دون حدوث تناقض. وكذلك ما يخص مبدأ الإنسانية، كونها غاية في حد ذاتها، فلا يمكن أبداً التعامل مع البشر كونهم مجرد وسيلة لتحقيق غايات، بل يجب معاملتهم دائماً على أنهم غايات في حد ذاتها، ما يتطلب احترام دوافعهم المنطقية على قدم المساواة، لأن العقل يحفز الأخلاق، لذلك ينبغي أن نحترم العقل كدافع في جميع الناس. إن الالتزام الأخلاقي ضرورة عقلانية، وكل ما هو عقلاني صحيح أخلاقياً، لأن جميع الفاعلين العقلانيين يريدون أن يكونوا غاية وليس مجرد وسيلة، فمن الواجب أخلاقياً أن يعاملوا على هذا النحو. وعلى الرغم من أن هذا لا يعني أنه ليس بمقدورنا أبداً معاملة الإنسان كوسيلة لتحقيق غاية، ولكن عندما نفعل ذلك، فإننا نتعامل معه على أنه غاية في حد ذاته أيضاً.

وفي ممارسة الفعل الأخلاقي، يذهب كانت إلى التفريق بين التلقائية والواجب، إذ إن المرء الذي يحافظ على حياته إنما يفعل ذلك تلقائياً لا بمقتضى الواجب. كما يفرق كانت أيضاً بين الأفعال الأخلاقية والقانونية، فالقانونية تعني تصرف الفرد وفقاً لما يقتضيه القانون، لأنه لا يقوم بالفعل بسبب الخوف من العقاب، أو من الله أو احتراماً للرأي العام وغير ذلك، إذ كل هذه الأسباب لا تجعل من الفعل أخلاقياً خالصاً، وإنما إرادته الحرة تمنعه من فعل ذلك، فالمصدر الرئيس في التحكم بالفعل هو الإرادة الحرة، التي يكون منشأها العقل. فالعقل، في نهاية الأمر، هو الذي يحدد سلوك الناس، والإنسان ليس عقلاً محضاً لتكون طبيعته الخير فقط، لذلك يسعى لتحقيق التطابق بين عقله وإرادته. لا سيما أن تكوين الإنسان مزيج مختلط بين الحس والعقل، لذا فهو يتصور الخير، ثم يقدم بعد ذلك على ارتكاب الشر. وهذا يعني، أن الإرادة خاضعة لدوافع حسية متعارضة مع العقل.

بمعنى آخر، وفق تصور كانت، ليس جميع الناس عقلانيين تماماً، بل إنهم يتصرفون جزئياً وفقاً للغريزة، لذلك يجب عليهم “التزام الامتثال”، وهو توافقهم مع إرادتهم الذاتية والقوانين العقلانية الموضوعية، إذ إن القانون الموضوعي للعقل هو أمر بديهي موجود خارجياً من الكائن العقلاني. فكما توجد القوانين الفيزيائية قبل الكائنات الحية، فإن القوانين العقلانية أو الأخلاق موجودة من قبل وجود الكائنات العقلانية. لذلك، فإن الأخلاق العقلانية قابلة للتعميم لتصبح قوانين عالمية، ولا يمكن أن تتغير تبعاً إلى الظروف المحيطة.

وبما أن القانون الأخلاقي عند كانت ذو نزعة عقلية لا تجريبية، يراه صالحاً في كل زمان ومكان، خصوصاً أن الواجب يرتكز على احترام القانون أصلاً، ولا يستند على العاطفة والوجدان من الجانب الباطني، ولا يقوم على التجربة من الجانب الخارجي. فالواجب هو “ضرورة أداء الفعل احتراماً للقانون”. أي القانون الأخلاقي وليس الوضعي، لأن هذا الاحترام ناشئ من العقل نفسه تلقائياً.

ومثلما يفرق كانت بين الواجب والتلقائية، فإنه يميز أيضاً بين الواجبات الكاملة والناقصة. إذ إن تطبيق الحتمية القاطعة تنشأ الواجبات، وأن الفشل في تحقيقها سيؤدي إلى صنفين. الأول، تناقض في المفهوم، وهذه تخص الواجبات الكاملة. أما الثاني، فتناقض في الإرادة، وهذه تخص الواجبات الناقصة. ففي واجب عدم الكذب، على سبيل المثال، نظراً لوجود واجب كامل لقول الحقيقة، يجب ألا نكذب أبداً، حتى لو بدا أن الكذب سيؤدي إلى عواقب أفضل من قول الحقيقة. وفي المقابل، فإن الواجب الكامل يبقى صحيحاً دائماً، إذ يمكن أن يجعل الواجب الناقص مرناً يمكن تطبيقه في زمان مكان معينين، مثل واجب التبرع للأعمال الخيرية.

أما عن السعادة، فيشير كانت “سبق أن قلنا، إن الإنسان في نفسه مصدر السعادة. هذه السعادة ليست بسبب أي قدرة على جعل نفسه مستقلاً تماماً عن احتياجاته وظروفه الخارجية، ولا يمكن للإنسان أن يكتسب مثل هذا الاستقلال التام، لكنه قد يعلم نفسه ألا يحتاج إلى كثير لإسعاده”. (محاضرات في الأخلاق. طبعة إنجليزية).

هكذا هي فلسفة الأخلاق عند كانت، وعلى الرغم من أنه بدأها بالإرادة الخيرة التي عدها الفضيلة الوحيدة الصالحة دوماً من دون باقي الفضائل، لكن نزعته النقدية أعطت الأخلاق عمقاً عقلياً يجمع فيها بين النظري والعلمي، فالأخلاق التي أساسها “الواجب” تتميز بالسلوك الواقعي، وأن المبادئ الأولية أو المعارف القبلية في العقل، وأن الفعل الأخلاقي يعتمد على الممارسة، والتجربة هي التطبيق الآلي، والعقل هو المؤسس لأي من أفعال الأخلاق.

الكاتب editor Hossein

editor Hossein

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة