ظل الانتداب الأوروبي على المجتمعات والمرأة في الشرق. عماد بوظو. موقع الحرة

img
راي 0 editor Hossein

قام ممثلو حركة طالبان خلال الشهر الحالي بعدة زيارات خارجية ترافقت مع سيطرة الحركة على أغلب أفغانستان، وكان اللافت أن ملامح وملابس ممثلي الحركة توحي وكأنهم قادمون في رحلة عبر الزمن من عالم آخر غريب عن العصر، ويتأكد هذا الانطباع عند مشاهدة طبيعة الحياة في المناطق الخاضعة لحكم حركة طالبان في أفغانستان، حيث يقتصر التعليم على الذكور، وتشكل العلوم الدينية أساس المناهج الدراسية، كما تحظر الموسيقى والرقص والسينما تحت شعار تطبيق أحكام الشريعة.

كما ترغم حركة طالبان النساء على ارتداء البرقع بذريعة أن وجه المرأة مصدر للفساد، كما تمنع النساء من ارتداء الأحذية ذات الكعب التي تحدث صوتا أثناء السير، أو التحدث بصوت يمكن أن يسمعه رجال غرباء، ويمنع تصوير النساء أو ظهورهن في وسائل الإعلام، ولا يسمح للبنات بالتعلم بعد سن الثامنة، ويتم تزويج 80 في المئة منهن قسرا وبعضهن قبل بلوغهن سن 16 عاما، كما تمنع النساء من العمل، وتفرض الحركة عقوبات جسدية قاسية على كل من يخرق قوانينها تلك.

ويشترك اليمن مع أفغانستان في الطبيعة الجبلية والتركيبة القبلية والطائفية المستعصية على التغيير، لأن لليمنيين، خاصة في الشمال، إخلاصا لكل ما تركه أجدادهم من عادات ولباس وطني “الوزرة أو المعوز”، أضيف إليه خلال العقود الأخيرة اضطهاد المرأة، وقد قالت منظمة العفو الدولية أن اليمن يعتبر من أسوأ البلدان في العالم للمرأة، وعبرت إحدى النساء اليمنيات عن ذلك بالقول: لا أشعر أنني كائنة بشرية، فنحن نعاني من فرض ارتداء النقاب ومن زواج البنات الصغار، ومن وصمة عار الطلاق، بالإضافة إلى العنف المنزلي وجرائم الشرف، لأن الذكور من نفس عائلتنا يضهدوننا كما لو كنّا غرباء عنهم ويطالبوننا بالقبول بأن نبقى مضطهدات.

وهناك ناحية أخرى تشترك فيها أفغانستان واليمن هي عدم خضوع البلدين لانتداب أوروبي مثل بقية دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وربما لعب هذا العامل دورا رئيسيا في عزلة هذين البلدين عن بقية العالم، وبالتالي محافظتهما على التركيبة الاجتماعية والعادات دون تغيير، فالانتداب الأوروبي ترك آثارا إيجابية لا يمكن إنكارها على دول الشرق نتيجة تفوق أوروبا الحضاري والعلمي والاقتصادي بعد الثورة الصناعية وعصر الأنوار.

ولذلك قام الانتداب في البلاد التي دخلها بإنشاء البنية التحتية الأساسية من الطرق المعبّدة والسكك الحديد إلى شبكة الكهرباء والهاتف، كما نظّم المدن على الطريقة الحديثة، وأحدث نهضة اقتصادية وزراعية، وأسس المدارس العصرية والجامعات واعتمد الطب الغربي، ونشر المفاهيم الديمقراطية التي تعتمد على فصل السلطات، وأقام البرلمانات كمقر للسلطة التشريعية وشجّع على إنشاء الأحزاب، وأسس القضاء الحديث والصحافة الحرة، وعمل على ازدهار الفنون، وفوق كل ذلك كان الانتداب الأوروبي عصرا ذهبيا للمرأة.

وكتأكيد على ذلك قال كثير من المؤرخين أن حملة نابليون، التي لم تستمر سوى ثلاثة أعوام فقط، أحدثت صدمة حضارية عند المصريين الذين احتكّوا لأول مرة مع أوروبا المتطورة، حيث أنشأ نابليون المجمع العلمي كأول مؤسسة علمية في مصر، وجعل المصريين يضعون سجلات رسمية للمواليد والوفيات، وأدخل القانون المدني الفرنسي، والمحاكمات الحديثة، وبنى جيشا عصريا تم تزويده بأسلحة حديثة، وبدأ منذ ذلك الوقت التفكير بشق قناة السويس، كما زرعت هذه الحملة قيم الحرية مما دفع المصريين للتمرّد على العثمانيين، ووضع محمد علي باشا مكان الولاة العثمانيين.

ومع بداية الاحتلال البريطاني لمصر، الذي استمر من عام 1882 حتى 1956، طالب القنصل البريطاني العام، اللورد كرومر، بأن تنال المرأة حقوقها، وفي عام 1899 صدر كتاب قاسم أمين “تحرير المرأة” بدعم من محمد عبده وسعد زغلول وأحمد لطفي السيد، وقال قاسم أمين في كتابه إن حجاب المرأة ليس من الإسلام، والدعوة إلى نزعه ليست خروجا على الدين.

وفي عام 1919 دعا سعد زغلول النساء اللواتي يحضرن خطاباته إلى نزع الحجاب، وقام هو في إحدى المناسبات العامة بنزع حجاب هدى شعراوي بموافقتها، فتبعتها بقية النساء الحاضرات، وأسست هدى شعراوي عام 1924 الاتحاد النسائي الذي حدّد مطالبه بالمساواة بين الجنسين في التعليم، ومنح المرأة حق الانتخاب، وسن قوانين تمنع تعدد الزوجات إلّا للضرورة القصوى وأن لا يتم الطلاق إلا أمام القاضي.

وفي العراق قال كثير من الباحثين العراقيين أن دخول الإنكليز عام 1914 أدى إلى تحسّن مستوى معيشة الإنسان العراقي لأن البريطانيين كانوا يشترون المنتجات المحلية الزراعية والحيوانية نقدا من الفلاحين والتجار، ويصدّرون بعضها للخارج، كما أدى قيام البريطانيين بشق الطرق وبناء المعسكرات إلى إيجاد فرص عمل للعراقيين، فبرزت طبقة وسطى تقوم بدور الوسيط بين البريطانيين والعراقيين وطبقة الأفندية، الذين تلقّوا تعليما حديثا مكنهم من القيام بالوظائف الإدارية، كما ساد الأمان في البلدات والمدن العراقية نتيجة ظهور الشرطة مما أدى لتوسعها، وتم إدخال الحداثة بشكل سريع ومؤسساتي للعراق وحدث رخاء واضح.

كما أظهر البريطانيون توجها نحو تعليم المرأة العراقية، فتمّت التوصية بافتتاح أول مدرسة للإناث عام 1919 وشارك عدد من نساء البلد في حفل افتتاح تلك المدرسة، وانتشرت بعد ذلك المدارس في بقية المدن وزاد عدد الطالبات، وأدى ذلك إلى نزول المرأة إلى مختلف ميادين الحياة، وفي عام 1923 صدر العدد الأول من مجلة “ليلى” التي سعت إلى إنجاح النهضة النسوية، وفي نفس العام تم تأسيس أول نادي نسوي كما تداول العراقيون كتاب قاسم أمين “تحرير المرأة”، وفي عام 1924 نشرت مجلة “الصحيفة” قصيدة عن الحجاب مطلعها:

ارفعيه

مزقيه

واطرحيه

بين أحجار القبور

وانهضي سافرة الوجه وغنّي

هكذا كان السفور

ليس عارا

أو شنارا

أن يجارى

سير تيار الدهور

فارفعي البرقع عنك واطرحيه

تحت نيران القدور

ومن المعروف والمتوقع استحالة نشر مثل هذه القصيدة، أو قيام سياسي بنزع حجاب إحدى السيدات بالاتفاق معها أثناء الحكم العثماني، ولكن الغريب أن هذه القصيدة، وهذا التصرف، الذي حدث قبل قرن من الآن، ليس من الممكن القيام به اليوم في دول الشرق نفسها، رغم كل ما حدث من تطور اجتماعي وثقافي في العالم، ولذلك ينظر الكثير من أبناء الشرق إلى فترة الانتداب بشيء من الحنين لأن الناس كانوا يعيشون أثناءها نهضة اقتصادية وسياسية وثقافية ويتمتعون بحياة منفتحة سعيدة، وكثيرون منهم يدركون بقرارة أنفسهم أنه لولا هذا الانتداب لكانت أغلب دول الشرق تعيش اليوم على طريقة مماثلة للحياة تحت حكم طالبان في أفغانستان.

وتقوم اليوم أغلب الأنظمة العربية، للتغطية على فشلها في بناء دول عصرية حديثة وتأمين الحاجات الأساسية لشعوبها، بتشويه فترة الانتداب وتجاهل جميع إنجازاتها، والتركيز فقط على بعض حالات الرفض الشعبي لوجود قوات أجنبية وتصويره كثورات كبرى بهدف زرع الكراهية تجاه الغرب وإنجازاته ونجاحاته وخاصة ثقافته ونظامه الديمقراطي واحترامه لحقوق الإنسان، ولا يبدو أن تلك الأنظمة قد نجحت في ذلك فقد وقع آلاف اللبنانيين، عقب انفجار مرفأ بيروت، عريضة تطالب بعودة الانتداب الفرنسي، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من لبنان الذي يسير نحو مصير مجهول، مثل الكثير من دول هذا الشرق.

الكاتب editor Hossein

editor Hossein

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة