السبت. أكتوبر 16th, 2021
سوريات يحيين تقاليد شيعية
تزايدت نشاطات إيران الدينية في سوريا منذ وصول المتشدد ابراهيم رئيسي إلى سدة الحكم في طهران قبل شهور قليلة. وعلى الرغم من كل ما يقال عن ضغوط إقليمية ودولية تُمارس ضد النظام الإيراني لإجباره على تخفيف قبضة تدخّله في شؤون بعض الدول العربية وعلى رأسها في هذه المرحلة سوريا، فإن أذرع إيران في هذه الدول لا تعدم الوسيلة للتكيّف مع الصعوبات التي تواجهها، ولإيجاد ثغرات وأدوات تمارس من خلالها “هوايتها” في نشر الايديولوجيا وتصدير “الثورة”.
زار رئيسي دمشق عام 2018 عندما كان مسؤولاً عن الروضة الرضوية في مدينة مشهد، حيث اطلع على الخطوات المنجزة لإعادة إعمار مرقد السيدة زينب عبر لجنة إيرانية مختصة بإعمار العتبات المقدسة. واعتبر مراقبون في ذلك الحين أن زيارة رئيسي حملت رسائل عدة أهمها أن إيران تنظر إلى النفوذ السياسي أو العسكري باعتباره بوابة لاختراق الدول دينياً، الأمر الذي من شأنه أن يساعدها على إحداث تغييرات في النسيج الاجتماعي والثقافي لمجتمعات الدول التي تتدخل في شؤونها. ولطالما أعتُبر رئيسي من أبرز الشخصيات الإيرانية التي تعمل على نشر التشيّع في عدد من الدول العربية وفق سياسات تصب في خدمة نفوذ إيران وسعيها إلى التوسع في المنطقة.
وفي هذا السياق، شهدت بعض المناطق السورية في الآونة الأخيرة توسعاً واضحاً في نشاطات إيران الدينية مستخدمة أساليب مختلفة تتراوح بين إنشاء الحسينيات مروراً بإحداث شبكات الزوايا والتكايا وليس انتهاء بمحاولة إنشاء جامعات في بعض المناطق السورية.
وذكر تقرير صادر عن شبكة “عين الفرات” المختصة بمتابعة نشاطات إيران في المنطقة الشرقية من سورية، أن “الميليشيات الإيرانية تقدم الدعم والحماية للمساجد والتكايا والزوايا التي تقام فيها طقوس دينية تسمى بالحضرات والموالد، يتم فيها مدح آل البيت وتعظيمهم، ومنها تكية “عدنان البعاج” في مدينة دير الزور وتكية “الراوي” في مدينة الميادين”.
ويقام في تكية الراوي كل ليلة أحد وخميس بعد صلاة العشاء، ما يسمى حضرة أو مولد، ويزور التكية كل فترة بعض الحجاج الإيرانيين ومنهم المدعو “الحاج صالح الإيراني” والمدعو “الحاج سيرجان” والمدعو “الحاج دهقان أصغر” والمدعو “الحاج مصطفى”.
ويقدمون الحلويات والمأكولات في الموالد لترغيب الناس بالإقبال على هذه الجلسات التي يتم فيها تعظيم سيرة آل البيت ومدحهم، وذكر سيرة الأئمة بقصص خيالية ونشر الخزعبلات الشيعية في التكايا من طريق الضغط على المشرفين على التكايا بالترغيب والترهيب.
وأضاف التقرير: “يقوم الحجاج الإيرانيون بأمر من قادة ميليشيا “الحرس الثوري” في المنطقة المتمثلين بالمدعو الحاج مهدي والمدعو الحاج قاسم بتقديم دعم خاص لمسؤولي التكايا ويعطى لهم راتب شهري لكل “رادود” (المنشد) أو ما يسمى المدّاح، وتقدم لهم مكافآت لترويج التشيُّع بطريقة غير مباشرة وحثّ الناس على تعظيم آل البيت”.
ويعمل كل رادود على جمع أكبر عدد من الأهالي واستقطابهم إلى التكية وبشكل خاص الأطفال، لزرع الفكر الإيراني في أذهانهم عبر تقديم الهدايا والحلويات في الموالد.
وتقام كل فترة وكل مناسبة دينية مثل عاشوراء والمولد النبوي وغيرها، ولائم ضخمة على نفقة “الحرس الثوري” يحضرها عدد كبير من الحجاج الإيرانيين وعناصر الميليـشيا.
ويمنح قادة الميليشيات لكل رادود أو مداح بطاقة تسمى “بطاقة السادة الأشراف الحسينية” وهي لا تعطى إلا لمن يروج للتشيُّع. كما يعمل القادة على ترغيب الأهالي بالتشيُّع وزراعة الأفكار التي توحي بالتقارب بين معتقدات الأهالي وأفكار الإيرانيين حيث قال المدعو الحاج مصطفى في أحد الموالد للحضور “إنَّ بيننا وبينكم قاسماً مشتركاً موحّداً يجمعنا هو حب آل البيت والأئمة وتعظيمهم”.
وباشرت الميليشيات الإيرانية في شهر أيار (مايو) الماضي العمل على إحداث مركز ثقافي في ريف محافظة الرقة، وتحديداً بالقرب من المستشفى الوطني في مدينة معدان التي تعتبر من أبرز معاقل هذه الميليشيات في المنطقة. وبحسب مراقبين لنشاطات إيران في سوريا فإن الميليشيات الإيرانية تعمل على توسيع نطاق سيطرتها ضمن مناطق النظام السوري بإنشاء المراكز الثقافية التي تعمل على تلميع صورة الميليشيات ودورها في سوريا، وتزيد من نشرع التشيُّع، اذ تقيم الفعاليات وتقدم الهدايا للأطفال والعائلات، وتقدم دورات طائفية عقائدية للأهالي وأطفالهم، وتهتم بتسجيل حالات زواج المتعة ونشر هذا النوع من الزواج بين المدنيين وبشكل خاص للمنتسبين في صفوفها.
وفي تقرير صادر عن مركز “حرمون” للدراسات في 26 أيلول (سبتمبر) الجاري، أكد منظموه أن إيران تسعى إلى “إعادة البناء الثقافي في سورية” وذلك بعد “انتهاء المهاترات حول مزدوجة الميدان والدبلوماسية في إيران بذهاب حكومة روحاني وصعود حكومة ابراهيم رئيسي المتشددة”. وركّز التقرير على “تحركات لم ترصدها وسائل الإعلام، تهدف إلى إعادة إحياء مضامين اتفاقيات ثقافية قديمة لم تصل إلى مراحلها الإجرائية في قوالب اتفاقيات جديدة قد تكون أكثر عملية على المستوى التشغيلي”.
وذكر التقرير أن جامعة “آزادي الإسلامية” ما هي إلا غطاء علمي لإعادة البناء الثقافي في سوريا. وقد مضى أكثر من ثلاثة أعوام على إعلان علي أكبر ولايتي، رئيس الهيئة التأسيسية ومجلس الأمناء لجامعة آزادي، في 16 كانون الثاني (يناير) 2018، عن إصدار بشار الأسد قراراً يقضي بإنشاء فروع لجامعة آزادي في جميع المدن السورية. وفي 1 أيار (مايو) 2019، أعلن رئيس جامعة آزادي في محافظة طهران، محمود رضا آقا ميري، عن توقيع مذكرات تفاهم مع رئيس جامعة الشام السورية، ياسر حورية، بهدف “التعاون العلمي”، و”تبادل الأساتذة والطلاب، وإرسال الطلاب لمواصلة دراستهم في جامعة آزادي”.
وفيما يبدو أنه أول تحرك عملي على الأرض، أعلن رئيس جامعة آزادي في محافظة كرمان، بعد آخر زيارة له على رأس وفد كبير من مسؤولي الجامعة لدمشق، في نهاية آب (أغسطس) الماضي، عن “تخصيص 500 متر مربع من المباني والمساحة لإنشاء مركز ابتكار مشترك لواحة العلوم والتكنولوجيا، بين جامعة آزادي وجامعة دمشق وجامعة الشام الخاصة”.
ورأى المركز أن هذه التحركات الإيرانية تأتي في إطار “محاولة قطف ثمار التدخل العسكري الإيراني المرتفع التكلفة أخيراً، على صعيد التغلغل الاقتصادي والثقافي الذي يهدد بنية المجتمع السوري ونسيجه”.