السبت. أكتوبر 16th, 2021
البعدان الأمني والاقتصادي هدفان حيويان للأردن لإعادة العلاقات (فرانس برس)

يتجه الأردن بخطى متسارعة نحو إعادة العلاقات تدريجياً مع النظام السوري، بما يشبه التطبيع غير المعلن. وظهرت المملكة أخيراً وكأنها تأخذ بيد النظام في دمشق، لإعادته إلى الحاضنة العربية والإقليمية، وربما الدولية. وكانت بداية التحولات قد برزت خلال زيارة الملك الأردني عبد الله الثاني، في يوليو/ تموز الماضي، إلى الولايات المتحدة. يومها جرى الحديث عن خريطة طريق قدّمها العاهل الأردني للرئيس الأميركي جو بايدن، بهدف حلّ الأزمة السورية. وترافقت هذه التسريبات مع مقابلة تلفزيونية، قال فيها عبد الله الثاني، إنّ رئيس النظام السوري بشار الأسد باق وعلى المجتمع الدولي التعامل معه كأمر واقع، ما شكّل تحولاً في الموقف الأردني تجاه النظام السوري. وأعقب ذلك زيارة للملك الأردني إلى روسيا، تناولت بشكل أساسي القضية السورية. وعلى الرغم من أن لا إعلان رسمياً بعد بشأن وجود خريطة للحل، ولا أي معلومات خرجت للعلن بشأن بنودها أو المحادثات التي أجراها الملك مع كلّ من بايدن والرئيس الروسي فلاديمير بوتين حيال سورية، إلا أن المعطيات على أرض الواقع باتت تدل على أن الأردن تمكّن من الحصول على ضوء أخضر لإعادة تطبيع علاقاته مع النظام، ربما على المستوى الاقتصادي، على الأقل.

الأردن بات مهتماً بكسر العزلة العربية عن نظام الأسد

فتح المعابر وإعادة الرحلات الجوية بين سورية والأردن، كانا مؤشرين واضحين على ذلك، لكن زيارة وزير الدفاع في حكومة النظام، العماد علي أيوب، إلى عمّان، في شهر سبتمبر/أيلول الماضي، تشير إلى أن الأردن يسير بإعادة تطبيع علاقاته مع النظام في سورية إلى ما هو أبعد من الجانب الاقتصادي. ويلمح متابعون لهذا الشأن، إلى أن الأردن بات مهتماً بكسر العزلة العربية عن النظام السوري، وإعادته إلى جامعة الدول العربية من خلال القمة العربية المقبلة المرتقبة في الجزائر، ويهدف في ذلك إلى فتح المجال للنظام والتحرك عربياً وإعادة تطبيع علاقاته مع المحيط، ليصبح في مقدور الأردن التعامل مع النظام والتخلص من الأعباء الاقتصادية التي تثقل كاهله، من خلال فتح الحدود وإعادة التبادل التجاري والاقتصادي إلى الوضع الذي كان عليه قبل الحرب السورية في 2011.

في هذا الجانب، وإن لم يكن الأردن قد حصل فعلاً على الضوء الأميركي لإعادة تطبيع علاقاته مع نظام بشار الأسد، فإن احتمالات مواجهة عقوبات “قانون قيصر” الأميركي (المفروضة على النظام السوري) قائمة في وجه المملكة، إذ عادت نائبة المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، جالينا بورتر، لتعلن الثلاثاء الماضي أن الإدارة الأميركية تراجع قرار إعلان الأردن استئناف الرحلات الجوية التجارية إلى سورية، وذلك بعد قولها للصحافيين في نهاية الشهر الماضي، إنّ “القرار (الأردني) مرحّب به، إذا كان يقتصر على الرحلات التجارية”. وأمام ذلك، يبقى الموقف الأميركي في وضع مبهم حتى الآن.

ويرى المحلل السياسي الأردني، العميد موسى القلاب، أنّ “الملامح العامة لخريطة الطريق الأردنية تبدو أنّها تنصب على المصالح الأردنية العليا المشتركة للشعبين الشقيقين الأردني والسوري، فضلاً عن أن سورية بلد مجاور للأردن، ويرتبط البلدان بعلاقات تاريخية عميقة على الرغم من المنعطفات السياسية الأخيرة”. ويضيف القلاب، في حديث لـ”العربي الجديد” أنّ الأردن “يحرص على ضمان الحدّ الأدنى الممكن من التوافقات الدولية إزاء خريطة الطريق المفترضة، لا سيما التوافقات الأميركية والروسية، وكذلك قبول دول الجوار السوري ذات العلاقات القوية والضعيفة، على حدٍ سواء، مع النظام السوري”. ويعتبر المحلل السياسي أن الملامح العامة لخريطة الطريق الأردنية “لن تتضارب مع وجهات نظر الجهات الدولية أو الإقليمية التي ما زالت تتحفظ على تسريع عملية إعادة النظام السوري إلى الحظيرتين الإقليمية والدولية”.

وحول سعي الأردن لإعادة النظام إلى الحاضنة العربية، على الرغم من معارضة بعض الدول في الجامعة، يرجح القلاب أن “ينجح الأردن في مساعيه هذه من خلال بوابة القمة العربية المقبلة في الجزائر، ما لم تحدث مفاجآت غير متوقعة من قبل بعض الدول الخليجية”.

القلاب: الأردن يحرص على ضمان الحدّ الأدنى الممكن من التوافقات الدولية إزاء خريطة الطريق المفترضة

ودائماً ما يتذرع الأردن بالأعباء الاقتصادية والأمنية التي خلّفتها الحرب السورية عليه، ويلمح المسؤولون الأردنيون إلى ذلك كمبرر لإعادة تطبيع العلاقات مع نظام دمشق. وفي هذا الجانب، يشير القلاب إلى أنّ “الاقتصاد والأمن صنوان لا يفترقان في إطار المعادلة الاستراتيجية الأردنية، المبنية على علاقات سورية – أردنية أكثر حيويةً، وهذان البعدان (الاقتصاد المعتمد على خطوط الترانزيت والشحن البري عبر البلدين، وكذلك أمن الحدود الأردنية الشمالية من درعا غرباً إلى التنف شرقاً)، يجعلان من عملية عودة علاقات ودية بين الأردن وسورية، هدفاً حيوياً لا يمكن الاستغناء عنه من قبل بلدين وشعبين شقيقين”. ويلفت المحلل السياسي إلى أنّ “هذا الموقف الأردني البراغماتي، لا ينفي احتمالية وجود ضوء أخضر دولي، وربما إقليمي، من شأنه أن يكون قد عزّز التوجه الأردني الإيجابي نحو النظام السوري في هذه المرحلة، وهنا ليس واضحاً إذا ما كان لإسرائيل علاقة ما بمسألة خريطة الطريق الأردنية نحو النظام السوري”.

وحول رؤيته للموقف الأميركي، يلفت القلاب إلى أن “التصريحات الأميركية الأخيرة قد لا تعني رسم خط أحمر على الأردن ألا يتجاوزه في علاقات التطبيع مع النظام السوري. فالإدارة الأميركية الحالية تبدي مرونةً كبيرةً تجاه إيران، الحليف الاستراتيجي الأكبر للنظام السوري، ومن هذا المنطلق قد لا يواجه الأردن قساوة قانون قيصر كما تواجهه سورية الآن، وقد يستمر في تطبيع علاقاته مع النظام السوري في كثير من الملفات الأخرى من دون تحمّل عقوبات أميركية، وذلك لوجود مساحة مناورة سياسية واسعة نتيجة العلاقات الاستراتيجية الأردنية – الأميركية العميقة”.

من جهته، يعرب الحقوقي والمعارض السوري رضوان زيادة، المقيم في واشنطن، عن اعتقاده بأن إعادة تطبيع العلاقات التدريجي بين الأردن والنظام السوري تجري بضوء أخضر أميركي، مشيراً في حديث لـ”العربي الجديد”، إلى أن ذلك بات واضحاً بعد زيارة الملك عبد الله إلى واشنطن. ويرى زيادة أن “عودة العلاقات هذه مشروطة بالبعد الاقتصادي الأردني، من مثل خط الغاز العربي وفتح الحدود عبر المعابر، أما هدف واشنطن فهو مساعدة الحليف الأردني اقتصادياً فحسب، وليس نظام الأسد”.

أما بخصوص مساعي الأردن لإعادة النظام إلى الجامعة العربية، فيقول زيادة: “كما نعلم، هناك دول عربية عدة، للأسف، تطالب بعودة النظام، مثل مصر والجزائر والعراق، وربما انضمام الأردن يساعد في ذلك، ولا أعرف إذا كان النظام سينجح في مسعاه أم لا، فالدول التي تعارض باتت محدودة، مثل قطر”. وفي هذا الإطار، يشير زيادة إلى أنّ واشنطن “لا تحبّذ عودة النظام، لكنّ إدارة بايدن لا تأخذ سياسة نشطة تجاه عدم عودة النظام”.