الجمعة. أكتوبر 15th, 2021

كانت ساحة التحرير في بغداد مسرح التظاهرات الرئيس لحركة تشرين (أ ف ب)

لعلها الحركة الأكثر رفضاً للواقع السياسي العراقي، بل معارضة لما يسمى بالعملية السياسية التي انطلقت بعد عام 2003، التي بدأت من استثمار “البحبوحة الديمقراطية” التي أرادها المجتمع الجديد للعراق خلال حقبة الاحتلال التي استمرت من 2003 إلى 2011، وهي بالأساس بدأت رافضة احتلال العاصمة، وتحويل المنطقة الدولية التي سُميت بـ “الخضراء” إلى مكان معزول عن بغداد ومسيج عنها.

وكان مسرح تلك الحركة الرئيس الساحة الأشهر في بغداد (التحرير)، وتحت رمز فني من العهد الجمهوري نهاية خمسينيات القرن الماضي نُصب النحات الأشهر في العراق جواد سليم بكل ما يعنيه للعراقيين من رمزية وطنية كمفتتح لعهد جديد في العراق، تحت اسم “نُصب الحرية“، وهي قصة طويلة اشترك فيها الزعيم عبد الكريم قاسم مفجر ثورة يوليو (تموز) 1958، حتى انقلب عليه كثيرون من الذين يوالون العهد الملكي، ويسمونه بـ “انقلاب”.

احتجاجات عفوية رافضة للاحتلال

احتجاجات الشعب العراقي بدأها عامة الناس، لا سيما مثقفو البلاد من كتّاب ورسامين وفنانين وإعلاميين وعاطلين من العمل، وجلهم ممن فقدوا وظائفهم بعد أن أغلقت دوائرهم في عهد الحاكم الأميركي بول برايمر، حين أصدر قرار تسريح وغلق وزارات كاملة مثل الإعلام والدفاع والداخلية والمؤسسات الأمنية وعشرات الدوائر.

وجد الناس أنفسهم أمام طريقين، أحدهما يعادي الاحتلال ومظاهره بكل الوسائل، وآخر وجد فيه المحتجون في الاحتجاجات السلمية أسلوباً للتعويض عما فاتهم من رواتب وفرص عمل، فأضحوا محتجين في الشوارع يقارعون العهد الجديد، يتعاطف معهم مئات الآلاف من الشعب، خصوصاً العاطلين من العمل والخريجين الذين انخرطوا في تيار الاحتجاجات حتى تعددت الأسباب والتظاهرات واحدة، لتتكرس ثقافة إسقاط العملية السياسية التي أرادها الأميركيون لبلد جاءوا إليه بآلاف الجنود، لإنشاء مجتمع ديمقراطي تعددي فيدرالي وفرض دستور، باركته المرجعية الشيعية والقيادات الكردية، واعترض عليه السُّنة العرب والعرب الشيعة المعادون الاحتلال، لكنه أُقر وتقرر من خلاله نمط زعامة البلاد وأسلوب الحكم الذي تحول من رئاسي إلى برلماني.

لكن، الأول من أكتوبر (تشرين الأول) 2019 كان مفصلياً بُعيد الدعوة إلى إعلان التظاهرات والاحتجاجات المليونية التي شهدها العراق، وما تلتها من مجابهات مع القوات الأمنية من جهة والميليشيات التي خشيت اتساع رقعة الاحتجاجات التي اقتصرت على مدن الجنوب والوسط العراقي، وكانت أشدها في المدن ذات الأغلبية الشيعية في وقت فوت السُّنة الفرصة على السلطة بعدم الخروج في مدنهم والتظاهر الحر في بغداد، لئلا يقال إنهم وراء التحريض عليها، لكنهم حضروا بين حشود الغاضبين على الأوضاع التي خلّفها الفساد ومظاهر هدر الثروات والبطالة والارتهان إلى قوى خارجية، أحرق المحتجون قنصلياتها في ما بعد.

عدم استيعاب التظاهرات ولد نقمة الشعب

لم تكن السلطات قادرة على استيعاب ما يجري من حولها، لمعرفة من هم هؤلاء الشباب الذين يتظاهرون في المدن الشيعية ويهددون وجود الزعامات الجديدة للبلاد، التي ظنت أنها أحكمت الطوق على أجيال تبلور وعيها بعد 2003، وجلهم من المكون الشيعي، لكنهم يهتفون بسقوط النظام المحاصصي الذي فرض زعامات جلها توافدت من خارج البلاد، وأرادت أن تحكم الداخل العراقي، ودعا إلى حل الجيش والمؤسسات وإغلاق المصانع والمعامل، محولاً الاقتصاد العراقي إلى ريعي، يعتمد على مورد واحد هو النفط، لتتجه البلاد إلى الإفقار والفشل.

مَنْ هذا الجيل الجديد الذي يعلو صوته من خلف جدران المنطقة الخضراء، حيث القصور الرئاسية التي بناها صدام حسين واستملكها رجالات العهد الجديد؟

آثرت أن اقتفي أثر هؤلاء الفتية الذين تواجدوا قبيل التظاهرات والتحضير لها من شارع المتنبي، حيث يجتمع آلاف المثقفين العراقيين من كل المحافظات في تجمعات عفوية، يلتقون ليحيوا ترويج الكتب، ويتبادلون الحوارات عن واقع عراقي جديد بعد سقوط النظام السابق، ويتحدثون خلاله بحرية تامة دون خوف أو وجل من السلطة التي كانت تضيق عليهم حتى الكلام والنقد لأية ظاهرة، بل تصادر الكتب ذات المحتوى، الذي لا يتوافق وثقافة (الحزب والثورة)، كما كان يُروج وقتها.

شارع المتنبي مطبخ الاحتجاجات

من بين حلقات الحوار والندوات التي يشهدها شارع المتنبي، ينزوي عادل حاتم مع مجموعته الصغيرة المؤلفة من 15 – 20 شاباً ليحاضر عن أخلاقيات التظاهرات، وكيف يتصدى الشباب الذين يرومون التظاهر على السلطة للمظاهر الاستفزازية الافتراضية التي قد تقوم بها السلطات.

وعادل حاتم الذي التقيته مرات بين بغداد وعمان شاب يساري مندفع، عمل سنوات في المعارضة العراقية لنظام صدام، وهو يفخر بأنه يحمل هوية عمله في أنصار السلام اليسارية في جبال كردستان في التسعينيات من القرن الماضي، على الرغم من أنه منحدر من الجنوب العراقي، لكنه يؤمن بأن ما تشهده البلاد من فساد يستحق التظاهر وإسقاط الفاسدين، كما قال لي في شارع المتنبي الذي فوجئت بمجاهرته بضرورة تغيير الحكم، وهو يحاضر لثلة من نواة قيادات التظاهرات في ما بعد من المحافظات الجنوبية والوسطى، وله هيبة وحضور لافت لديهم، حتى جاء الأول من أكتوبر 2019، وبدأت جموع الشباب تتوافد إلى الساحات متوجهة إلى التحرير، وبينهم عادل حاتم الشاب الممتلئ حماساً، وهو يهتف بقوة (نريد وطناً).

استمرت التظاهرات أسابيع، وهي تكسب أنصاراً ومؤيدين جدداً تعاطفوا معها، وتحولت إلى حركة اعتصامات تسيطر على قلب العاصمة بغداد، واتخذت من مبنى المطعم التركي الشهير قبالة المنطقة الخضراء مقراً لها، وحاولت قياداتها غير المعلنة أن تتوسع في الرقعة الجغرافية في بغداد، لتقطع أربعة جسور رئيسة في قلب العاصمة من جهة الرصافة في مسعى للنفاذ إلى حيث تتحصن الرئاسات الثلاث، (الوزراء، والجمهورية، والبرلمان)، حيث مقرات الحكومة والسفارات الرئيسة في بغداد، وأهمها السفارة الأميركية الأكبر مساحة في العالم.

قمع السلطات أجج أوار الغضب

وبدل أن تتفهم السلطة تلك المطالب المشروعة فإنها صُدمت من حجم التظاهرات واتساعها، وعمدت إلى اتخاذ قرار بمنعها، واستهدفت المتظاهرين بالعنف المفرط واستخدام الرصاص الحي، ما تسبب في مقتل ما يقرب من 700 متظاهر وناشط مدني منذ بدء الاحتجاجات، وإصابة أكثر من 20 ألف جريح، منهم أكثر من ثلاثة آلاف مصاب بإعاقات جسدية، ناهيك باعتقالات المحتجين بقسوة، ما أدى إلى مفترق طريق بين الحكم في الخضراء والساحات الحمراء في الرصافة!

لكن، السلطة سوغت ما حدث بأنه من فعل (الطرف الثالث)، على حد وصف رئيس الحكومة آنذاك عادل عبد المهدي، الذي أسقطته التظاهرات في ما بعد من دون أن يحدد هوية هذا الطرف الذي أطلق النار وقتل المحتجين بلا رحمة.

لكن، العنف يولد العنف، فقد استفز سلوك الحكومة الشباب المتظاهر، وخرجوا بأعداد متزايدة، لتعم الاحتجاجات باقي المدن ذات الأغلبية الشيعية، ومنها البصرة والناصرية والسماوة وميسان والديوانية، والنجف، وكربلاء ومدن أخرى ليسقطوها ويحرقوا القنصليات الإيرانية فيها، ومقرات الميليشيات والأحزاب الولائية.

وانتقل الصراع من بغداد التي غطاها دخان البنادق باستهداف المحتجين إلى مدينة الناصرية التي أنفقت المئات من شبابها، وهي تتظاهر ضد السلطة وفسادها، وترفض تدخل الإيرانيين في شؤون العراق، فصارت هي محور الاحتجاجات ومركزها، كما يقول حيدر الطائي أحد أبناء الناصرية، “بداية انطلاق الحركة الاحتجاجية كان يؤشر إلى حقيقتين ماثلتين، الأولى أنها حركة شبابية عفوية، بغض النظر عن محاولات استغلالها وتوظيفها من أطراف داخلية أو خارجية، والحركات العفوية غالباً ما تنتهي كما بدأت، والثانية أنها بشعاراتها وما رافقها من تطورات وأساليب احتجاجية لم تستطع استيعاب وإقناع فئات شعبية أخرى، ولهذا كان متوقعاً لها أن تفقد زخمها تدريجاً وهذا ما حصل بالفعل”.

لكن، زخمها في الناصرية ظل كالنار في الهشيم، فلم تكن مدينة الناصرية التي تتوسط الجنوب العراقي آفلة كمدن الجنوب الأخرى، كونها المدينة التي أنجبت الحركات السياسية الكبرى في العراق: الحزب الشيوعي العراقي عام 1932 والبعث بزعامة فؤاد الركابي عام 1950، وهي المدينة التي أنجبت أيضاً أساطين الحركات الإسلامية، أمثال طالب الرفاعي صانع حزب الدعوة ومبتكر الخلايا الدعوية الأولى، إضافة إلى بيت الحبوبي القوميين العرب، مما جعل هذه الناصرية تحظى بمكانة خاصة في الفكر السياسي العراقي الحديث، لكنها دوماً أول من يضحي وآخر من يستفيد، فظلت فقيرة حانية على أولادها الذين تلاحقهم السلطات، وتستل خيرة ثوارها لتعدمهم حتى يخشى الأقوياء في المدن الأخرى، وهي المدينة العصية على الإقطاع أيضاً. فكان فيها الشعر وكبار الشعراء الثوار حتى وإن كانوا ليسوا من مواليدها، وبعضهم من المبعدين السياسيين، لكنهم تربوا بين خباياها فأنتجوا مظفر النواب وعريان السيد خلف وكاظم الركابي وعشرات اليساريين من نخبة النخبة العراقية في الفنون والآداب والكتاب الذين صاغوا تاريخ الثورات العراقية الكبرى.

كانت الناصرية هي البدء في التحضير للثورات والانقلابات، وفيها خلايا الثورات الأولى، آخرها خلايا تشرين عام 2019 التي لم تبال أن يكون رئيس الحكومة عادل عبد المهدي منها (إحدى قراها أبو هاون)، لكنه من أسرة إقطاعية عريقة في التعامل مع الفلاحين الغاضبين على الإقطاع.

على الرغم من خروج الكاتب والمثقف عادل عبد المهدي رئيس الوزراء الذي استقال تحت ضغط ثوار محافظته من عباءة الإقطاع العراقي إلى اليسار وانخراطه في أحزابها الكبرى، لكنه لم يتحمل مشهد المناداة بتغييره، حتى ظل للناصرية مذاق خاص للاحتجاجات، ورغبة التغيير المستمر.

كان عمق تشرين من الناصرية والمحافظات الجنوبية هي التي تعلن ساعة الاحتجاجات بتوقيت بين أيدي شبابها الذين ما فتئوا يغادرون مناطق الأجواء المحافظة إلى اليسار، فظلوا يطالبون بتغيير الأنظمة والقوالب السياسية، مات منهم الكثير، وأودعت السلطات المتعاقبة كثيراً من أبناء ذي قار السجون والمعتقلات، لكنهم يؤثرون الانتماء للناصرية التي أضحت أيقونة الاحتجاجات العراقية، وهي تمتنع حتى الآن أن تُرفع لافتة واحدة لمرشح حتى وإن كان من أبنائها، لأنها أدركت أن لا جدوى من مسايرة نظام لم يكشف عن قتلة المتظاهرين والناشطين الذين فاق عددهم الإجمالي خلال سنتين 800 ضحية بين رصاص القناصة وقنابل الدخان القاتلة والإصابات بالرشاش والنار والإطلاق الحي برصاص سماه رئيس الوزراء المستقيل “الطرف الثالث”، بمعنى مضلل للرأي العام وللقضاء المطالب بمحاكمة قتلة محتجي تشرين، الذين ما زالوا يحتفلون باحتجاجاتهم سنوياً، ويعلقون لافتات الممانعة للانتخابات المقبلة في العاشر من أكتوبر الحالي.

هل اخترقت حركة تشرين الشبابية؟

الإجابة عن هذا التساؤل تتمثل بظهور معنوي لذكراها الثانية قبل أيام، فقد كان حضوراً رمزياً من أبناء الحراك التشرينيين المهدد دوماً من الميليشيات التي أسست لدولة خارج الدولة، حتى أضحى الحديث علناً عن وجود قوى اللا دولة في العراق، حين تمكنت الميليشيات من التغول في العراق وتغليب المصلحة الإيرانية الولائية على العراق وإرثه وثرواته من خلال أحزاب تهيمن على البرلمان والحكومة والجهاز الأمني المسيج بالولائيين مما يسمى بعناصر (الدمج).

والدمج هم عناصر الميليشيات الذين قاتلوا مع إيران في الحرب العراقية الإيرانية، وضموا إلى أجهزة (الداخلية) العراقية، ويقدر رئيس لجنة الأمن والدفاع في البرلمان الحالي عددهم بأكثر من عشرين ألف ضابط، بعضهم صاروا في رتب كبيرة، وولاؤهم الأول والأخير لإيران!

ويرى نديم الجابري الأستاذ في جامعة بغداد، أن حركة تشرين الاحتجاجية “لم تعد موحدة، إذ يمكن أن نقسمها إلى ثلاثة اتجاهات، الأول التحق بأحزاب السلطة، وأصبح رديفاً لها وسيدخل في الانتخابات، والثاني أسس أحزاباً متعددة بقدرات ضعيفة، أظن أنها لن تحقق أي نجاح فيها، والثالث انكمش ليعيد ترتيب أوراقه، والأخير يعاني صعوبات كثيرة، ومستقبلهم يتوقف على اختيار قيادة أو قائد سياسي محترف مع برنامج سياسي بديل يتسم بواقعية، إضافة إلى تفعيل قدرتهم على كسب ود بعض الدول الغربية الكبرى”.

لكن، حركة تشرين أعلنت عدم مشاركتها في الانتخابات ووصفها أحد الناطقين باسمها بأنها “لن تؤدي لكشف قتلة المتظاهرين وهي مسرحية هزلية”. وأن الداعين للانتخابات “لهم مصلحة أكيدة في الإبقاء على الطبقة السياسية لتأمين مصالحها ومنافعها، ولا شيء سيتغير، وأن الأمر لا يتعلق بتغيير الوجوه واستبدالها بمرشحين من الخط الثاني لتلك القوى السياسية وتقديمهم على أنهم مستقلون في محاولة خداع مفضوحة”، كما يقول القيادي في الاحتجاجات التشرينية باسم الشيخ.

ويُرجح كثير من المراقبين صداماً آخر مع التشرينيين فما زال عادل حاتم وسواه يحاورون أقرانهم في شارع المتنبي كل يوم جمعة، ولعلهم انزووا في مكان آخر من أجل التحضير لحراك جديد!