السبت. أكتوبر 16th, 2021
بدء صيانة خط الغاز العربي
في مطلع شهر أيلول (سبتمبر) الفائت، رحّبت سوريا بطلب لبنان استخدام أراضيها لجر الطاقة الكهربائية من مصر والأردن إلى لبنان، الترحيب الذي جاء على عجل يوحي بأنّ الترتيبات لم تكن وليدة لحظات، رغم تواتر التصريحات من الدول المعنية بتنفيذ الاتفاق (مصر والأردن اللذان سيزوّدان لبنان بالكهرباء والغاز إلى جانب سوريا كأرض للعبور ولبنان كمستفيد)، وذلك بعد زيارة حكومية لبنانية رفيعة المستوى لدمشق، وهي الأولى منذ اندلاع الحرب فيها قبل عشرة أعوام.
لبنان الذي بدأ عمليات التفاوض مع الجانب المصري قبل نحو عام لاستجرار الكهرباء إليه، اصطدم بملف عقوبات “قانون قيصر” الذي يمنع الدول من التعامل مع سوريا، قبل أن تستثني الولايات المتحدة لبنان من تبعات فرض الحصار على دمشق، بعدما أعلنت الرئاسة اللبنانية تبلغها موافقة واشنطن على مساعدة لبنان في استجرار الطاقة الكهربائية والغاز من مصر والأردن، مروراً بسوريا فلبنان، توطئةً لاستفادته من الخط العربي ومعالجة مشكلة الطاقة لديه التي صنّفها البنك الدولي من بين الأسوأ في العالم منذ منذ عام 1850، والتي انعكست بدورها وفي طور تصاعدي منذ قرابة عامين على مختلف القطاعات من مستشفيات وأفران واتصالات ومواد غذائية.
وزير الكهرباء السوري غسان الزامل قال إنّ كلفة إصلاح الخط العربي في سوريا تبلغ 12 مليار ليرة سورية، وتحتاج فترة قد تمتد إلى نحو أربعة أشهر اعتباراً من لحظة بدء أعمال التأهيل، إذ إنّ الأضرار التي لحقت بالخط جرّاء الحرب شملت نحو 80 برجاً، كلفة إصلاحها وحدها قرابة 7 مليارات ليرة سورية.
خط الغاز العربي 
وكانت وزارة النفط والثروة المعدنية السورية قد أعلنت في أواخر شهر أيلول (سبتمبر) الفائت، أن فريقاً مشتركاً بينها وبين وزارة الطاقة اللبنانية بدأ الكشف الميداني على خط الغاز العربي.
وبحسب الوزارة السورية، وعبر بيان نشرته على صفحتها على “فايسبوك”، فإنّ العمل يشمل مسافة من محطة الدبوسية على الحدود السورية اللبنانية إلى محطة دير عمار في لبنان، بالتزامن مع كشف جاهزية منتظرة من الجانب اللبناني حول خط الطاقة في أراضيه.
ويبلغ طول خط الغاز العربي، وفق وزير النفط السوري، بسام طعمة، 320 كيلومتراً من الحدود الأردنية إلى الريان وسط سوريا بقطر 36 إنشاً، واستطاعة نقل 10 مليارات متر مكعب سنوياً، والخط باتجاه لبنان من الريان إلى الدبوسية بطول 65 كيلومتراً وقطر 24 إنشاً، وداخل الأراضي اللبنانية إلى محطة دير عمار نحو 36 كيلومتراً.
أستاذ الاقتصاد موفق كرم تحدث الى “النهار العربي” عن خط الغاز العربي، مبيناً أنّ سوريا اختارت الاستفادة من الخط عبر الحصول على كميات من الطاقة لدعم توليد الكهرباء والغاز منها، عوضاً عن حصولها على مبالغ مالية، “في هذه المرحلة الدقيقة اقتصادياً، لا تحتاج سوريا المال بقدر احتياجها لسد جزء من النقص الكبير لديها في حوامل الطاقة، فلا شك بأنّ الوضع مشابه لما يحصل من لبنان، إذ باتت معظم بيوت السوريين من دون غاز أو كهرباء، ما يستدعي بالضرورة العمل على استجرار الطاقة بأي طريقة، لذا تشجعت سوريا وأقدمت على خطوة الاتفاق العربي لمصالح خدمية، فضلاً عن السياسية”، وأضاف كرم: “لبنان طلب 600 مليون متر مكعب من الغاز سنوياً، أي قرابة مليون ونصف مليون متر مكعب في اليوم الواحد”.
وبحسب ما قاله الخبير بالقانون الدولي ماهر فتوح لـ”النهار العربي”، فإنّ هذا الاتفاق هو خطوة جدية نحو إعادة العلاقات بحدها الأدنى القابل للتطور بين سوريا والدول التي اجتمعت معها في العاصمة الأردنية عمان، بما يحقق خدمةً للاقتصاد والسياسة السوريين، وتخفيفاً من آثار الحصار الأميركي وشروطه عبر قانون قيصر/سيزر. وأوضح أن “هذا المشروع ليس جديداً، بل يعود الى سنوات ما قبل الحرب، ولكنّ ظروف الحرب والعقوبات على سوريا حالت دون تنفيذه في وقت سابق”.
وبحسب فتوح، فإنّ قانون قيصر يخضع لمبدأ القوانين الدولية المتعلقة بالعقوبات، لجهة وجود بعض الاستثناءات التي تتيح لدول أخرى الاستفادة منه، “يخضع الأمر لمبدأ التسهيل الذي يراه الرئيس الأميركي مناسباً، وفي بنود قانون قيصر يمكن للرئيس تجاوز تطبيق أحد أحكامه بالاتفاق مع الكونغرس، إذا ما كان يصب في مصلحة واشنطن، على أن يكون الإعفاء ضمن مهلة زمنية تصل بحدها الأعلى إلى ستة أشهر يمكن تجديدها بحسب المعطيات والظروف”.
ويدور سؤال في الأوساط السياسية حول موافقة واشنطن على مشروع الخط العربي عبر سوريا، ويتلخص مضمون السؤال في موافقة إمداد لبنان بالطاقة عبر سوريا المحاصرة، عوضاً عن مدها عبر إيران، في ما يبدو أنّه مربط الفرس في إعفاء لبنان من عقوبات التعامل مع جارته لمدة موقتة، لتستفيد سوريا من تمهيد ظرف إقليمي يجعلها لاعباً أساسياً في ملف الطاقة إلى لبنان من مصر والأردن، عوضاً عن نقله من إيران عبر سوريا إلى لبنان، في ما يبدو أنّه تنافس إيراني أميركي جعل الأخيرة تخرق قانون قيصر بحكم قوة الأمر الواقع.
وقد فقدت العملة اللبنانية، بحسب تقارير إعلامية، أكثر من 90 في المئة من قيمتها الشرائية أمام الدولار. وبحسب الأمم المتحدة، فإنّ 78 في المئة من اللبنانيين باتوا يعيشون في الفقر. تقرير إعلامي قال إنّه “جراء أزمة المحروقات الحادة، تراجعت قدرة مؤسسة الكهرباء على توفير التغذية لكل المناطق، ما أدى الى رفع ساعات التقنين لتتجاوز 22 ساعة يومياً. ولم تعد المولدات الخاصة قادرة على تأمين المازوت اللازم لتغطية ساعات انقطاع الكهرباء. ويقف المواطنون يومياً لساعات طويلة أمام محطات الوقود لتعبئة خزانات سياراتهم. وحذرت المستشفيات مراراً من نفاد المحروقات ومخاطره على حياة المرضى”.
ليبقى السؤال الأهم: هل لبنان مستعد لتلقي الطاقة؟ وهل لديه بنى وتجهيزات مناسبة لا تشكل عبئاً إضافياً عليه في ملف الاستيراد؟ وكل ذلك في ظل إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية في المنطقة والتي تقوم على حسابات سياسية أوسع منها خدمية بمرات، تتجلى بجلّها تحت عنوان “لا لبنان ولا سوريا مهمان.. المهم هو المكتسبات في صراع الشرق الأوسط، في وجه جديد من أوجه الحرب الناعمة التي تقودها قوى إقليمية ودولية تستند بلا شك الى مصالحها الاستراتيجية في إدارة كفة الصراع”.