السبت. أكتوبر 16th, 2021

توقع قادة أكراد أن تحتفظ القوى التقليدية الحاكمة في إقليم كردستان بثقلها النيابي في بغداد، على الرغم من تدني نسبة المشاركة الكردية في الانتخابات البرلمانية الاتحادية التي جرت يوم الأحد العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، في وقت دخل الحزبان الرئيسان في سجال مبكر على تقاسم المناصب السيادية، في مقدمها منصب رئاسة الجمهورية.
وكانت مراكز الاقتراع فتحت أبوابها في الساعة السابعة صباحاً في عموم مدن الإقليم الكردي، وسط شكاوى من أعطال في أجهزة التصويت الإلكتروني، وبطء في سير عملية التصويت، فضلاً عن تسجيل نسب إقبال متدنية على مستوى عدد الناخبين.
وتجاوز عدد الذين يحق لهم التصويت ثلاثة ملايين ناخب لاختيار ممثليهم في البرلمان الاتحادي من بين 146 مرشحاً من مختلف القوى الكردية، تنافسوا في 12 دائرة على 46 مقعداً من مجموع عدد مقاعد البرلمان العراقي البالغة 329 مقعدأ، إضافة إلى مقاعد ضمن مناطق موضع الخلاف مع بغداد، في مقدمتها محافظتَي نينوى وكركوك.
وعقب وقت قصير من انتهاء عملية التصويت، كان رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني أول المتصلين برئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي ليقدم له “الشكر والتقدير لما بذله من جهود وإشراف شخصي من أجل إنجاح الانتخابات”.
إلا أن الناطق باسم تنظيمات حزب بارزاني في مدينة السليمانية، كامران غريب أعلن خلال مؤتمر صحافي، عن “تسجيل مراقبي الحزب خروقات عدة”. وأضاف أن “بصمات عدد كبير من الناخبين لم تتعرف عليها أجهزة التصويت، فيما لم يعثر آخرون على أسمائهم في الاقتراع الخاص، وقيل لهم إن أسماءهم موجودة في الاقتراع العام”، مبيناً أن “أجهزة عدة لم تعمل لغاية منتصف النهار، ما أدى إلى هدر كبير في الأصوات”. ولفت إلى أن حزبه “رفع شكاوى ضد حصول خروقات من قبل أحزاب ائتلاف كردستان (الاتحاد والتغيير)”.

صراع مبكر على المناصب

وكشفت تصريحات أطلقها قادة بارزون من الحزبَين الرئيسَين قبل موعد انتهاء التصويت عن صراع مبكر حول تقاسم المناصب في بغداد، حيث حظي حزب “الاتحاد” الذي كان يتزعمه الراحل جلال طالباني، بموجب التفاهمات السابقة بين الحزبين، بمنصب رئاسة الجمهورية العراقية مقابل منصب رئاسة إقليم كردستان الذي كان من حصة حزب بارزاني.
وقال الزعيم المشارك لحزب “الاتحاد”، بافل طالباني، إن “مرشح الحزب الوحيد لمنصب الرئاسة هو الرئيس الحالي برهم صالح”.
وفي موقف متطابق، قال القيادي في “الاتحاد” سعدي بيره للصحافيين بعد الإدلاء بصوته، إنه “وفقاً للعرف السياسي السائد في العراق منذ أول انتخابات في عام 2005، فإن مناصب الرئاسات الثلاث تتوزع بالتساوي بين المكونات، رئاسة البرلمان للسُنة، ورئاسة الوزراء للشيعة، ورئاسة الجمهورية للكرد، وبين الكرد أنفسهم كان المنصب الأخير من نصيبنا، ولا توجد أسباب موضوعية بخلاف أن يكون كذلك”.
وعلق بيره على الإرباك الذي رافق عملية التصويت بالقول إنه “في مراكز عدة، واجهت الأجهزة الإلكترونية أعطالاً، وهنا فإن أحداً لن يقول إن الأطراف السياسية هي السبب، وإنما سيُعتقَد بأن الخلل يكمن في آلية الانتخاب”.
وخاض الحزبان في انتخابات الدورة السابقة جولة مفاوضات عسيرة، فشل خلالها حزب بارزاني في إقناع نظيره “الاتحاد” بالمساومة على المنصب، وطرح كل منهما مرشحه للتصويت عليه في البرلمان، ما أسفر عن فوز مرشح “الاتحاد” الرئيس الحالي برهم صالح.
في المقابل، أعرب لاهور شيخ جنكي، الذي يشترك وبافل طالباني في زعامة حزب “الاتحاد”، وخاضا أخيراً صراعاً على الزعامة، عن عدم “سعادته بهذه الانتخابات”. وقال للصحافيين بعد الإدلاء بصوته “ما كنت أتوقعه شيء، وما أراه شيء آخر، وهو أن مرجعية الكرد في بغداد ستبقى محتكرة من قبل عائلة وحزب محددَين، في حين كنا نسعى إلى تغيير هذه النمطية من خلال التحالف مع حركة التغيير”، مبيناً أن “لهذا الاحتكار انعكسات سلبية في تجربة الحكم على مستوى قهر الشعب وسلب قوته اليومي، وللأسف نرى اليوم أنهم سلمو مرة أخرى مرجعية الكرد إلى هذه العائلة”.
وشدد جنكي على عدم خروجه من العمل السياسي، قائلاً “قررت أن أستريح قليلاً، وإذا ما بقي الحزب، فبالإمكان تصحيح الخلافات على مستوى القيادة، وإذا لم يبقَ الحزب فستُحل بالقوة، ولكل حادث حديث”.

شروط مسبقة

من جهته، قال القيادي الرفيع في الحزب “الديمقراطي” فاضل ميراني، إنه “بحسب العرف السياسي فإن أغلب القوى الشيعية متفقة في ما بينهما على رئاسة الوزراء، وكذلك السُنة في ما يخص رئاسة البرلمان، ويتوجب على الكرد أن يفعلوا كذلك حول رئاسة الجمهورية، ولكن الحديث بهذا الشأن ما زال مبكراً”. وفي معرض رده على تصريحات لقادة حزب طالباني تمسكهم بالمنصب، قال “لا يمكن أن تضع شرطاً مسبقاً على أحد، وأن ترفض شروط الطرف الآخر، وعلينا نحن ككرد أن نتحاور ونتفق”.
وتوقع ميراني أن “تبقى موازين القوى على حالها دون تغيير، ونأمل أن لا تتأخر مساعي تشكيل الحكومة كما جرى في الدورات السابقة”.

ورفض حزب بارزاني في الانتخابات الماضية التي حصل فيها على 25 مقعداً مقابل 18 لحزب طالباني، الآلية السابقة لتقاسم المناصب، وتمسك بإعادة صياغة المعادلة وجعل “الثقل النيابي معياراً أسياسياً في آلية التوزيع”، خصوصاً بعد تراجع مقاعد “الاتحاد” تحت تأثير نشوب خلافات وصراعات بين قياداته، بدأت بانشقاق القيادي البارز نوشيروان مصطفى وتشكيله حركة معارِضة باسم “حركة التغيير”، لتستمر الخلافات عقب وفاة زعيمه ومؤسسه جلال طالباني أواخر أكتوبر 2017، وآخرها الصراع على الزعامة بين نجل الأخير بافل طالباني وابن عمه لاهور شيخ جنكي.

جرس إنذار

وقال القيادي في “الاتحاد الوطني” ملا بختيار، إن “عملية التصويت سارت بشكل هادئ، والمشكلات بدت أقل من الانتخابات السابقة”، واستدرك “لكن نأمل أن تعي أغلبية القوى العراقية وخصوصاً الكردية بعد فرز الأصوات ومعرفة نسبة المصوتين، أن هذه النسبة الكبيرة من المقاطعين للتصويت هي رسالة عدم رضى من الشارع وبمثابة جرس إنذار، وهذا نقد تجاه السياسات التي مورست منذ أول انتخابات، ومن شأنه أن يفيقنا من سباتنا”.
ونفى بختيار أن “يكون لضعف نسبة التصويت صلة بما جرى من صراع داخل حزب الاتحاد الوطني”، مؤكداً أن “أي مشكلة لها انعكاسات بالطبع، لكن نسبة المصوتين كانت متدنية أيضاً في الانتخابات الماضية”.
وتبادل قادة الحزبين خلال حملتيهما الدعائية، الاتهامات والادعاءات بامتلاك النفوذ الأكبر في السلطة والإدارة. واستحضرا أرشيف التهم المتبادلة بارتكاب “الخيانة”، وتقويم نتائج الاستفتاء على الانفصال الذي جرى عام 2017.
وشكا مراقبو الكيانات وناخبون من مشكلات فنية في الساعة الأولى من انطلاق عملية التصويت، إثر فشل بعض أجهزة البصمة الإلكترونية في قراءة بصمة أو بطاقة الناخب.
وأقرت سلطات أربيل “بحصول إشكالات في مناطق عدة، بينما تأخرت بعض المحطات في فتح أبوابها أمام الناخبين”.

إقبال كردي ضعيف في كركوك

وعلى غرار الإقليم، سُجلت في كركوك، الواقعة ضمن مناطق موضع الخلاف بين أربيل وبغداد، أعطال مماثلة في أجهزة التصويت.
وحذر القيادي في “الاتحاد” خالد شواني خلال مؤتمر صحافي من أن “نسبة المصوتين من الناخبين الأكراد أقل بكثير من أقرانهم من العرب والتركمان”. وأضاف “للأسف هناك مجاميع شوفينية داخل المكونين العربي والتركماني حولوا هذه العملية الديمقراطية لتكون بمثابة صراع على مصير هوية المحافظة، ويروجون بين أنصارهم أنهم اقتربوا من انتزاع الأغلبية عن الكرد، وهذا له مخاطر بالغة”.
كما حذر شواني الناخبين الأكراد في المحافظة من أن “بقاءكم في البيوت وعدم مشاركتكم في التصويت سيضيع منا هوية كركوك، لأن نسب المصوتين في المناطق ذات الأغلبية الكردية كانت أقل من بقية المناطق، في مركز قضاء داقوق (أغلبية تركمانية) صوت نحو 1321 ناخباً، وفي منطقة العروبة (أغلبية من العرب) صوت نحو 1200 ناخب، لكن في مركز بريار (أغلبية كردية) صوت فيها231 ناخباً فقط”.
وكان عدد مقاعد القوى الكردية على مستوى المحافظة تراجع في الانتخابات السابقة من ثمانية إلى ستة مقاعد، متأثرةً بانسحابها من المحافظة إثر تداعيات خوضها استفتاء للانفصال، وسطة خشية من خسارتها مزيداً من المقاعد نتيجة قانون الانتخابات الجديد الذي اعتمد نظام الدوائر المتعددة، وانعكاسات الأزمة الداخلية التي تعصف بحزب طالباني الذي كان يتمتع بالنفوذ الأكبر في المحافظة.