الجمعة. أكتوبر 15th, 2021
دورية تركية في تل أبيض عام 2019 (بكر القاسم/فرانس برس)

عامان مرّا على العملية العسكرية التي قام بها الجيش التركي مع فصائل سورية معارضة موالية له، ضد “قوات سورية الديمقراطية” (قسد) في الشمال الشرقي من سورية، أو ما بات يُعرف بـ”شرقي الفرات”، تبدلت خلالهما الكثير من المعادلات السياسية والعسكرية. وبدأ هذا الجيش في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2019 عملية أطلق عليها تسمية “نبع السلام” في شمال شرقي سورية، لتبديد مخاوف أنقرة من قيام إقليم ذي صبغة كردية على حدودها الجنوبية، تعتبره مساساً مباشراً بأمنها القومي. لم تستمر العملية طويلاً، خصوصاً أنها لم تشمل كامل المنطقة التي تعادل أكثر من ربع مساحة سورية، بل اقتصرت، وفق تفاهمات مع الجانب الأميركي ولاحقاً مع الجانب الروسي، على شريط حدودي بطول 100 كيلومتر وعمق نحو 33 كيلومتراً. وشملت العملية جانباً من ريف الرقة الشمالي، وهي المنطقة الواقعة شمالي الطريق الدولي “أم 4” (أوتوستراد حلب ـ اللاذقية)، وجانباً من ريف الحسكة الشمالي الغربي.

وسيطر الجيش التركي على مدينتي تل أبيض في ريف الرقة، ورأس العين في ريف الحسكة، والقسم الأكبر من ريفهما في شرق الفرات، المعروفة بـ”سورية المفيدة”، كونها تضم أهم الثروات في البلاد. ولكن المنطقة لم تهدأ أمنياً منذ ذاك الحين، إذ قتلت سيارات مفخخة وأصابت المئات من المدنيين، خصوصاً خلال العام الماضي، الذي شابه الكثير من الفلتان الأمني. وتتهم المعارضة السورية “الوحدات الكردية” التي تشكل الثقل الرئيسي في “قسد” بالوقوف وراء هذه العمليات، بهدف زعزعة الاستقرار في المنطقة. وحاول الجيش التركي توسيع نطاق نفوذه في شرق الفرات عدة مرات، إلا أنه اصطدم دائماً برفض روسي وأميركي ومقاومة من “قسد”، المدعومة من التحالف الدولي ضد الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة.

وتتباين الأرقام والمعطيات والوقائع ما بين من يؤكد أن المنطقة التي تخضع حالياً لعدة فصائل سورية معارضة شرقي الفرات، شهدت نمواً على المستويات كافة، وبين من يرى أنها شهدت عمليات تطهير عرقي وتجاوزات كثيرة بحق المدنيين من قبل الفصائل، التي تقاسمت النفوذ الأمني في المدن والبلدات، التي تضمها هذه المنطقة ويشكل العرب النسبة الغالبة من سكانها. وفي السياق، نشرت وكالة “الأناضول” التركية، أمس السبت، أرقاماً تشير إلى أن منطقة “نبع السلام” تضم اليوم 250 ألف نسمة “بفضل الإسهامات الحثيثة لتركيا”، موضحة أن هناك 22 منشأة صحية في المنطقة، من بينها مستشفيان يقدمان خدمات مجانية للمراجعين، وأُجري فيهما أكثر من 6 آلاف عملية جراحية، وأكثر من خمسة آلاف عملية ولادة. وتؤكد تركيا أنها جهزت 440 مدرسة استقبلت هذا العام أكثر من 46 ألف طالب، مشيرة إلى أن عدة منظمات تركية، منها الهلال الأحمر، تواصل تقديم الخدمات للسكان في المنطقة. وأشارت الوكالة إلى أن الهدف من “نبع السلام”، كان “تحييد الإرهابيين في سورية وضمان أمن الحدود”، مضيفة أنه “تم تطهير 600 منطقة سكنية في إطار العملية”.

ولكن “مجلس سورية الديمقراطية” (مسد)، الواجهة السياسية لقوات “قسد”، أشار في بيان له يوم الجمعة الماضي، إلى أن ما أسماه بـ”العدوان” على تل أبيض ورأس العين خلّف المئات من القتلى والمصابين من المدنيين والعسكريين ودماراً كبيراً في البنية التحتية. كما أكد نزوح “عشرات الآلاف من سكان المنطقة”، مشيراً إلى وجود تغيير ديمغرافي “ممنهج” لـ”خلق واقع إداري جديد، وتغيير معالم المنطقة من كافة النواحي الثقافية والقومية والإثنية والدينية”.

وأكدت مصادر محلية في بلدة سلوك، التابعة إدارياً لمدينة تل أبيض، أن واقع الحال في منطقة نبع السلام “لا يسرّ”، مشيرة إلى أن المنطقة شهدت تجاوزات كثيرة من قبل بعض الفصائل بحق المدنيين، خصوصاً العام الماضي. وبيّنت أن هذه الفصائل “دخلت أكثر من مرة في صراعات دامية على النفوذ، تدخّل الجيش التركي أكثر من مرة لإيقافها”، مضيفة: “هناك مجموعات خارجة على القانون، تقوم بممارسة الانتهاكات بشكل متكرر”.

من جهته، قال مصطفى سيجري، وهو عضو مجلس قيادة “الجبهة السورية للتحرير” التابعة لـ”الجيش الوطني” المعارض، في حديث مع “العربي الجديد”، إن “عملية نبع السلام شكّلت نقطة تحوّل في عملياتنا العسكرية ضد الإرهاب في سورية، فقد كسرت المشروع الانفصالي، وأنهت ما يسمى بإقليم كردستان سورية”. ومضى بالقول: “اليوم باتت هذه المناطق المحررة آمنة، لجهة كف يد الإرهاب عنها وتسلط قادة حزب العمال الكردستاني، وكذلك حماية التركيبة السكانية والمجتمعية، ووقف عمليات التغيير والتهجير الممنهجة”. وأكد أن “سكان هذه المنطقة يعيشون اليوم من دون خوف أو استهداف على أساس ديني أو عرقي أو طائفي أو سياسي”، مضيفاً: “ما زال إلى الآن هناك عدد من أبناء هذه المناطق خارجها ويريدون العودة إليها، إلا أن تنظيم قسد الإرهابي يمنعهم ويرفض السماح لهم بالخروج من مناطق سيطرته”. وذكر أنه “ما زلنا نعمل على إعادة إصلاح البنية التحتية وتأمين احتياجات المواطنين الأساسية، ولكن للأسف هذه المناطق تتعرض لحصار كبير من قبل المجتمع الدولي الذي منع وصول المساعدات والمنظمات الإنسانية الدولية، ولذلك يتعرض أهلنا في هذه المناطق إلى عقاب جماعي نتيجة رفضهم التعايش مع الإرهاب”.

وكان لعملية “نبع السلام” تبعات كبرى على منطقة شرقي نهر الفرات، إذ اضطرت قوات “قسد” إلى إبرام اتفاق عسكري مع الجانب الروسي لإيقاف العملية التركية، سمح لوزارة الدفاع الروسية والنظام السوري بنشر قوات في المنطقة، وهو ما جعل موسكو لاعباً رئيسياً في هذه المنطقة الغنية بالثروات.

الباحث السياسي السوري الكردي إبراهيم مسلم (وهو من أبناء منطقة تل أبيض) اعتبر، في حديث مع “العربي الجديد”، أن الوجود التركي في شرقي نهر الفرات وغربه بمثابة “احتلال”، مشيراً إلى أن “عدد سكان تل أبيض وحدها وصل خلال وجود الإدارة الذاتية في المنطقة إلى نحو 100 ألف شخص، قسم كبير منهم نازحون من مناطق أخرى”. وأضاف: “أكثر من 95 في المائة من أكراد منطقة تل أبيض هُجروا من منازلهم. هناك عدة عائلات كردية لا تزال موجودة”. وأشار إلى أن “نحو نصف العرب من سكان منطقة تل ابيض هُجّروا أيضاً بعد التدخل التركي في المنطقة أواخر عام 2019″، مضيفاً: “ما يهمني اليوم هو عودة الناس إلى بيوتهم، سواء كانوا عرباً أو أكرادا”.