السبت. أكتوبر 16th, 2021
يسود الهدوء الحذر الجبهات بين المعارضة السورية ووحدات حماية الشعب الكردية في ريف حلب، بعد التوتر الذي شهدته الجبهات يومي 10 و11 تشرين الأول/أكتوبر، والذي قتل خلاله عنصرين من شرطة المهام الخاصة التركية بصواريخ موجهة أطلقتها الوحدات المتمركزة في ريف تل رفعت.

رد متواضع

كان الرد التركي على وحدات الحماية في ريف حلب أقل من المتوقع، واقتصر على قصف عدد من مواقع الأخيرة بالمدفعية وبشكل محدود. لكن يبدو أن الجيش التركي يحضر لرد أكثر قسوة وقد زادت بالفعل تحركات الجيش خلال اليومين الماضيين في منطقة العمليات وداخل القواعد التركية المنتشرة بكثافة على طول خط التماس مع الوحدات بريف حلب، ووصل إلى المنطقة المزيد من التعزيزات العسكرية، وتزامن ذلك مع رفع الفصائل المعارضة لجاهزيتها القتالية للتعامل مع تطور ميداني مفاجئ.

التحضيرات لعملية تركية ضد وحدات الحماية دعمتها تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عقب اجتماع له مع الحكومة التركية، والتي قال فيها إن “الهجوم الأخير على قواتنا في درع الفرات والتحرشات التي تستهدف أراضينا بلغت حدا لا يحتمل، نفد صبرنا تجاه بعض المناطق التي تعد مصدرا للهجمات الإرهابية من سوريا تجاه بلادنا، وسنقضي على التهديدات التي مصدرها من هناك إما عبر القوى الفاعلة هناك أو بإمكاناتنا الخاصة”.

تصريحات أردوغان فتحت الباب أمام الكثير من التكهنات حول شكل الرد العسكري الذي يحضّر له الجيش التركي في ريف حلب، وربما بشكل أوسع ليطاول معاقل قسد في مناطق شمال شرقي سوريا، وماهي إمكانية تحول الرد التقليدي إلى عملية عسكرية تستهدف أحد معاقل وحدات الحماية وقسد في ريف حلب، كمنطقتي منبج وعين العرب-كوباني، واللتين هددت المعارضة وتركيا أكثر من مرة خلال العامين الماضيين بدخولهما.

التفاهم مع موسكو وواشنطن

ويرى الباحث في الشأن السوري محمد السكري أن كل الاحتمالات مفتوحة وسط الإصرار التركي على شن عملية عسكرية جديدة، وتبقى الوجهة التركية مرتبطة بالفاعل الدولي الذي قد يمنح أنقرة الضوء الأخضر وقد يحدث ذلك بتوافق ثنائي أو ثلاثي بين الأطراف.

ويشير السكري في حديث ل”المدن”، إلى أنه لا يمكن الجزم بالوجهة التي ستستهدفها العملية العسكرية التركية في شمالي سوريا وتحديداً ريف حلب، “لأنّ ذلك ستحدده التفاهمات مع الأطراف الفاعلة التي سيتم التوافق معها في موسكو أو واشنطن أو كلاهما معاً، ولكن التصريحات التركية الأولية تقول إنّ منطقتي عين العرب ومنبج على الأولوية التركية مع أخذ اعتبارات حسابات كل منطقة على حدة”.

ويضيف أن “المؤشرات تشير إلى أن منطقة عين العرب هي الأهم بالنسبة لتركيا والمعارضة، والتي تعتبر حلقة وصل بين منطقة نبع السلام وعمق مناطق المعارضة في إدلب، ولكن هذه المنطقة تحتاج لتفاهمات روسية-تركية مشتركة”، معتبراً أنه “من الصعب أن تمنح روسيا مكسباً لأنقرة هناك، دون مقابل على الأقل في ما يتعلق بإفراغ جنوب الطريق الدولي (إم-4) من فصائل المعارضة أو بمنحها مكسب في ملف القرم”.

وتابع: ” لا يقل ملف منبج تعقيدًا عن عين العرب، فمن الصعب منح كل من واشنطن وموسكو مدينة منبج لتركيا لأسباب عديدة منها تَشارك السيطرة والتنسيق العالي بينهما، وحساسية المنطقة وأهميتها جغرافيًا من حيث المساحة والموقع، وسياسيًا من حيث تقاسم النفوذ، وهي الأسباب نفسها التي تركز عليها أنقرة”. ويرى أنه “في حال نجحت تركيا في إقناع الأطراف التخلي عن المدينة، سيكون ذلك مكسباً كبيراً لها، فالسيطرة عليها تعني إنهاء لثقل تواجد روسيا والولايات المتحدة في غرب الفرات وتفرّد تركيا”.

ويلمح إلى أن توجه العملية نحو منبج يحتاج إلى توافقات روسية-أميركية مشتركة وتلاقي مصالحهما مع أنقرة وهذا يعقد الأمر، كما سيترتب على العملية هناك صدام مباشر مع قوات النظام المنتشرة في الأرياف، مشيرا إلى أنه “لا يوجد حتى الآن مثل هذه التفاهمات. لكن في المقابل يبدو أن تركيا مصممة على العملية”، لذلك يُعتقد أن “تختبر أنقرة قابلية الأطراف الأخرى لتبعات شن عملية عسكرية محدودة على مناطق جغرافية حيوية تنشط بها الوحدات وقسد دون السيطرة على المدن قبل أن تحدد أنقرة وجهتها”.

تصعيد وليس معركة

وترجح مصادر عسكرية في المعارضة أن يبدأ الجيش التركي عمليات استهداف منظمة للمواقع المتقدمة لوحدات الحماية في منطقة تل رفعت في ريف حلب، والعمل على تدمير مستودعاتها ونقاط تمركزها التي تنطلق منها عادة لتنفيذ عملياتها، بالإضافة إلى دعم الفصائل لتنفيذ عمليات برية محدودة تستنزف الوحدات على طول خط التماس الممتد من عفرين وحتى ريف منبج. وتستبعد المصادر أن يتطور الرد ليصبح عملية عسكرية واسعة، فالتحركات الميدانية حتى الآن لا تتضمن التحضير لعملية من هذا النوع.
ويرى المحلل العسكري النقيب عبد السلام عبد الرزاق أن تهديدات الرئيس التركي لا تعني بالضرورة أن هناك نية لإطلاق عملية عسكرية، وقد يكون الرد الذي يتوعد به الجيش التركي “عبارة عن زيادة في عمليات الاستهداف الجوي والبري ضد مواقع الوحدات وقسد، وقد يتوسع ليطاول مناطق لم يكن يصلها سابقاً”.
ويضيف ل”المدن”، أن “أي عملية عسكرية بالنسبة لتركيا ستكون مكلفة، وعلى تركيا دفع ثمن مقابل لروسيا في الميدان، وهذا ما شهدناه فعلاً في العمليات السابقة كدرع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام، وروسيا الآن أكثر طمعاً وتريد أثماناً باهظة”.