الثلاثاء. نوفمبر 30th, 2021
بدأت التسويات الأخيرة من درعا البلد (سام حريري/فرانس برس)

يقترب النظام السوري وحلفاؤه من طيّ واحد من أهم الملفات في البلاد، وهو ملف الجنوب السوري، إذ لم يبقَ إلا القليل من البلدات والقرى في محافظة درعا التي لم تدخل “التسويات” التي تجريها قوات النظام تحت إشراف روسي، ولكنها تدخل تباعاً، وهو ما يعزز تهدئة الأوضاع في المحافظة التي ظلّت على مدى عشر سنوات مصدر قلق كبير للنظام لقربها من العاصمة دمشق.
وذكرت صحيفة “الوطن” التابعة للنظام أن وحدات من قواته دخلت، أول من أمس السبت، إلى بلدة محجة التابعة لمدينة إزرع، في ريف درعا الشمالي الشرقي، وفتحت مركزاً “لتسوية” أوضاع المسلحين والمطلوبين للأجهزة الأمنية والمنشقين عن هذه القوات. وبيّنت أن قوات النظام استلمت السلاح الموجود بحوزة البعض من أبناء البلدة، مشيرة إلى أن تسوية الأوضاع في مركز محجة تشمل أيضاً أبناء عدد من القرى في منطقة اللجاة الواقعة شمال شرق درعا والتي تضم عدة قرى صغيرة وتمتد على مساحة جغرافية كبيرة ووعرة.

بلدة بصرى الشام في ريف درعا الشرقي لا تزال إلى اليوم خارج التسوية مع بلدات أخرى في محيطها

وكانت قوات النظام قد دخلت الخميس الماضي إلى بلدة بصر الحرير ومحيطها بريف درعا الشمالي الشرقي، وبدأت بتنفيذ التسوية فيها، وفق وسائل إعلام النظام، التي أشارت إلى أن التسوية في درعا “تسير وفق خطة وإرادة الدولة”. وقالت إن “الكل يبادر للانضمام إلى التسوية، واكتمال انضمام كل المدن والبلدات والقرى التي ينتشر فيها مسلحون باتت مسألة وقت”، مشيرة إلى أنه “من الممكن نهاية الشهر الحالي أو بداية الشهر المقبل أن يكتمل انضمام الكل”. وكانت عمليات التسوية قد بدأت مطلع الشهر الماضي وفق خريطة حل روسية، فُرضت على النظام والأهالي، وبدأ تطبيقها بدءاً من منطقة درعا البلد بمدينة درعا، لتشمل بعد ذلك عموم المحافظة المحاذية للأردن والأراضي الفلسطينية المحتلة.

وفي السياق، أوضح الناشط الإعلامي يوسف معربة، في حديث مع “العربي الجديد”، أن بلدة بصرى الشام في ريف درعا الشرقي لا تزال إلى اليوم خارج التسوية مع بلدات أخرى في محيطها، منها: معربة، وغضم، وجمرين، وصماد. وأشار إلى أن بلدات أخرى في المحافظة في طريقها لإجراء التسويات، وهي: كفرناسج، سملين، كفر شمس، عقريا، الفقيع، دير العدس. ولفت معربة إلى أن البلدات التي لم تستطع جمع قطع السلاح المطلوبة منها لقوات النظام، اضطرت إلى دفع أموال عوضاً عن ذلك، مشيراً إلى أن بلدة نوى وحدها دفعت 100 مليون ليرة سورية (ما يعادل أكثر من 30 ألف دولار أميركي). وقال معربة إن قوات النظام نفذت عمليات انتقام بحق سكان بلدات قتل فيها عناصر وضباط تابعون للنظام خلال سنوات الثورة، مشيراً إلى أن هذه القوات فجّرت منزل أحد المطلوبين في بلدة ناحتة أخيراً، وأحرقت منزل أخيه، كما أحرقت خيم البدو الموجودة في محيط البلدة.

في موازاة عمليات التسوية الجارية في محافظة درعا، لا يزال مصير اللواء الثامن التابع للجانب الروسي، والمتمركز في بلدة بصرى الشام، معلقاً، وتشير المعطيات إلى أن وزارة الدفاع الروسية تضع في خططها تفكيكه أو نقل تبعيته إلى الأجهزة الأمنية التابعة للنظام. وأكدت مصادر مطلعة في درعا أن النظام يعتبر وجود هذا اللواء الذي أنشئ عام 2018 من عناصر كانوا في صفوف فصائل المعارضة “عائقاً أمام فرض سيطرة مطلقة على عموم الجنوب السوري”. وكان الجانب الروسي قد طالب قيادة اللواء منتصف الشهر الحالي بسحب المجموعات التابعة له في بلدات صيدا والنعيمة وكحيل بريف درعا الشرقي، ونقلها إلى قيادة اللواء في بلدة بصرى الشام. ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها مقدمة لتفكيك اللواء الثامن، وهو ما يعزز دور النظام والإيرانيين أكثر في جنوب سورية على حساب الدور الروسي.

لا يزال مصير اللواء الثامن التابع للجانب الروسي معلقاً

من جهته، رأى اللواء محمد الحاج علي (وهو من أبناء محافظة درعا ومنشق عن قوات النظام) في حديث مع “العربي الجديد” أن نفوذ النظام وحلفائه الروس والإيرانيين “يتعزز في المحافظة على حساب الأهالي”، معرباً عن اعتقاده بأن النظام السوري “طوى ملف محافظة درعا إلى حد كبير”. وأشار إلى أنه “لا وضوح في كيفية تقاسم النفوذ بين النظام والروس والإيرانيين في محافظة درعا”، مضيفاً: “إنهم يجدون الآليات التي تخدم مصالحهم ويسوون الخلافات إن وجدت بالتفاهمات”.

ووفق مصادر محلية، ينتشر الإيرانيون من خلال مليشيات تابعة لهم، في عشرات النقاط والمواقع في عموم محافظة درعا، متخذين من مقرات ومراكز الفرق العسكرية التابعة للنظام ستاراً لوجودهم. وأشارت المصادر إلى أن الإيرانيين موجودون في مقر الفرقة الخامسة التابعة للنظام في مدينة ازرع، وفي مقر الفرقة التاسعة في منطقة الصنمين، وفي تل الحارة شمال غربي درعا، إضافة إلى مناطق أخرى. ويعتمد الإيرانيون أكثر على الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد، شقيق رئيس النظام بشار الأسد، والموالية لهم والتي تنتشر في مناطق عدة داخل محافظة درعا.

جباوي: القرار الفصل بات لموسكو في عموم محافظة درعا

لكن إبراهيم جباوي، وهو عضو هيئة التفاوض التابعة للمعارضة السورية، رأى في حديث مع “العربي الجديد” أنّ التسويات التي حدثت في محافظة درعا “عززت الدور الروسي في الجنوب أكثر”، مضيفاً: “القرار الفصل بات لموسكو في عموم محافظة درعا، وسُحبت ولا تزال تسحب حواجز قوات النظام من المناطق التي أجرت تسويات تنفيذاً لوعود روسية”. وأعرب جباوي عن اعتقاده بأنّ تفكيك اللواء الثامن “لن يقلل من دور موسكو”، مضيفاً: “التفكيك يثبّت التسويات، بحيث لا يبقى سلاح في المحافظة باستثناء سلاح النظام”. غير أن جباوي، وهو من أبناء محافظة درعا، أشار إلى أنه “لا تزال هناك مليشيات إيرانية غير منضبطة في محافظة درعا”.

في غضون ذلك، لم تضع التسويات حداً لعمليات الاغتيال التي تشهدها بلدات ومدن محافظة درعا، التي شهدت أول من أمس السبت مقتل 3 أشخاص بهجمات مجهولين، وفق “تجمع أحرار حوران” الذي يضم صحافيين وناشطين إعلاميين معنيين بنقل أخبار الجنوب السوري. وأوضح التجمع أن مجهولين استهدفوا بطلقات نارية مجنداً في قوات النظام في بلدة الشيخ سعد بريف درعا الغربي، مشيراً إلى أن المنطقة شهدت بعد ذلك استنفاراً أمنياً من قبل النظام، وإغلاقاً للطريق الواصل بين البلدة ومدينة نوى. كذلك قُتل مدني من بلدة تل شهاب غرب درعا، على الطريق الواصل بين تل شهاب وطبريا، حيث تعرض لإطلاق نار مباشر، وفق المصدر ذاته، الذي أشار كذلك إلى مقتل عنصر سابق في فصائل المعارضة السورية عمل لفترة في الفرقة الرابعة التابعة للنظام، في بلدة المزيريب، وينحدر من مخيم اللاجئين في مدينة درعا. وأوضح التجمع أن معظم عمليات الاغتيال التي تتم في محافظة درعا تقف وراءها مجموعات محلية تتلقى أوامرها بشكل مباشر من فرع الأمن العسكري (واحد من أقسى الأجهزة الأمنية التابعة للنظام) في درعا.