الثلاثاء. نوفمبر 30th, 2021
 المصدر: النهار العربي
القاهرة – عبدالحليم حفينة
جهود دولية حثيثة للحد من ظاهرة تهريب المهاجرين نحو أوروبا.

شاب عشريني يقف أمام برج إيفل في باريس، بينما تعلو وجهه ابتسامة زهو وكأنه ظفر بشيء ما. هذا المشهد المعتاد كان مجرد صورة على “فايسبوك”، توقف عندها علي النجار كثيراً. فهو يعرف الشاب صاحب الصورة، إذ كان يقطن قرية مجاورة لقريته بمحافظة الدقهلية شمالي مصر، قبل أن يهاجر إلى أوروبا. ومن هنا اشتعل الحلم في رأس النجار، وقرر أن يسلك الطريق ذاته.

علي النجار  الذي يبلغ من العمر 25 عاماً، تحدث لـ”النهار العربي”، شريطة حجب هويته الكاملة، فقررنا الإشارة إليه باسم مستعار. فهو لا يريد جلب المزيد من المتاعب على نفسه، بعدما قضى عاماً من عمره سعياً وراء حياة جديدة في أوروبا، حيث أحلام الثراء التي بددتها أمواج البحر، ومشاهد الموت في الصحراء، إذ فشل في عبور المتوسط مرتين، وعاد إلى زوجته وأطفاله الثلاثة بخفي حُنَين.

بداية القصّة

مع حلول ربيع عام 2020 كانت جائحة كورونا تفرض سطوتها على العالم. وكشأن الجميع عانى علي النجار، وانحصر رزقه الذي يجنيه من مهنة صناعة الرخام. وبفعل كورونا وحلم السفر، استبدت فكرة الهجرة غير الشرعية بالشاب المصري أكثر من أي وقت مضى، حتى التقى عبر موقع “فايسبوك” بشباب يشاركونه الحلم ذاته، وأغلبهم كانوا من صعيد مصر.

بمعاونة هؤلاء الشباب، تعرف النجار إلى سمسار ليبي يُعرِّف نفسه باسم حركي وهو “جاب الله”، وبعدما تواصلوا معه، طمأنهم الرجل الذي أبدى سماحة في بادئ الأمر. فالرحلة إلى أوروبا مضمونة وفقاً لتعهداته، وجرى الاتفاق على مبلغ مالي يقدر بـ19 ألف جنيه مصري (1200 دولار أميركي) من كل شخص، نظير تهريبهم من شرق ليبيا إلى سواحل أوروبا.

وفي صبيحة أحد أيام شهر تموز (يوليو) عام 2020، كانت السلطات المصرية تفرض إجراءات صارمة في ذروة جائحة كورونا. ورغم ذلك لم تثنِ هذه الإجراءات النجار ورفاقه عن الشروع في رحلتهم نحو المجهول، وتسلق جبال الوهم.

يقول النجار إنهم كانوا 35 شاباً تجمعوا في ميدان رمسيس، في قلب القاهرة، قادمين من محافظات شتى، أغلبهم لا يعرف الآخر. ومن رمسيس أخذوا طريقهم إلى الإسكندرية، ومنها استقلوا حافلة إلى مطروح، ثم إلى السلوم، التي بدأت منها أولى محطات الموت.

الموت في الصّحراء

بينما ينفث زفرة ألم، يستكمل الشاب المصري بقية القصة: “في كل خطوة كان الموت يتربص بنا، فبعد وصولنا إلى السلوم التقينا بالدليل وهو من البدو. كانت مهمته أن يصل بنا إلى الشريط الحدودي مع ليبيا، ليتسلمنا المهربون الليبيون”.

قاد الدليل الشباب لصعود هضبة، وفقاً لرواية علي النجار، حيث بدأ التحرك قبل الغروب بساعة. قطع الشباب مسافة 5 كيلومترات، وعلى ظهورهم حقائب السفر، التي تخلص منها بعضهم ليستطيع استكمال السير.

مع حلول الظلام، وصلت المجموعة إلى سور مبني بحجارة، وبه عدد من المنافذ حطمها المهربون. استدار الدليل إليهم محذراً من عدم الالتزام بتتبع خطواته بعد عبور السور نحو ليبيا، تجنباً للألغام، وحتى لا يلفتوا انتباه جنود حرس الحدود. وبعد عبور السور، أشار الدليل إلى ضوء مصباح يظهر على مد البصر، قائلاً إن هذه نقطة الحدود الليبية التي ينتظر عندها المهربون.

بحرصٍ بالغ، اقتفى الجميع أثر خطوات الدليل، لكن الحرص وحده لم يكن كافياً للنجاة من الألغام، أو أنظار الجنود. كُشف أمرهم فجأةً، فأطلق الجنود نداءات تحذيرية للتوقف. سمعوا أصوات تلقيم الأسلحة استعداداً لإطلاق الرصاص، فاستبد بهم الخوف، وبدأت الهرولة العشوائية في كل اتجاه، قبل أن يتجمد هذا المشهد العبثي للحظات. توقف الجنود عن المطاردة، والشباب عن الجري، بعدما دوّى صوت انفجار لغم، يبدو أنه أصاب قدم واحد منهم.

بعد انفجار اللغم، انشغل الجنود بالانفجار، واستكمل الشباب الهرولة نحو المصباح المضيء على الحدود الليبية، وصل 7 شباب فقط من أصل 35 إلى هذه النقطة، والبقية إمّا فُقدوا في الصحراء أو قُبض عليهم.

يقول النجار: “عند نقطة الضوء، ظهر رجل مسلح، طلب منه الشباب كلمة السر التي عهد بها إليهم المهربون، نطق المسلح قائلاً “أكل عيش”، فأمّنوه وانتقلوا عبر السلك الشائك إلى الجهة الأخرى، حيث الأراضي الليبية، ليبدأ فصل جديد من المأساة”.

مخازن التّعذيب

استقل المسلح الليبي سيارة دفع رباعي، وقاد الشباب إلى طبرق في البداية، ثم توجهت السيارة إلى مدينة امساعد القريبة من الحدود المصرية، وهناك تم إيداع الشباب في مخزن تعذيب، حيث تم استقبالهم بـ”حفلة تعذيب” شارك فيها أشخاص من جنسيات عدة بالعصي وإطلاق الرصاص العشوائي تحت أقدامهم، وفق رواية النجار، ثم سُرقت كل متعلقاتهم وأموالهم، وتبخرت فجأة كل وعود جاب الله، الذي لم يبق له أثر.

يقول الشاب المصري: “جاء إلينا أحد الأشخاص متحدثاً باللهجة السورية، وحثنا على ضرورة التواصل مع أهلنا، وطلب مبلغ الفدية، 80 ألف جنيه مصري (5 آلاف دولار أميركي)، وإلا فسوف يقتلوننا، وهو ما حدث بالفعل مع شاب مصري اسمه مايكل، أطلقوا النار عليه. تملكنا الرعب، وطلبنا هواتف حتى نتواصل مع الأهل، وبالفعل بعد أسبوع دبّر أهلي الأموال، وأطلقوا سراحي”.

حلم الهجرة الذي تبخّر

في مخزن التعذيب تعرف النجار إلى شاب مصري آخر كان يعمل في ليبيا، وعندما أُطلق سراحهما معاً، ساعده على إيجاد فرصة عمل في مهنة الرخام، واستقر النجار لمدة 4 أشهر في بنغازي، ثم انتقل إلى الشرق نحو بلدة زوارة، وبدأ يستكمل العمل في مهنة الرخام، وحلم الهجرة لا يزال يراوده. وخلال 5 أشهر استقر الشاب المصري في زوارة وتعرف إلى أحد المهربين، وطلب مساعدته في الهجرة إلى إيطاليا.

في شهر أيار (مايو) 2021 ومن قرية أبو كماش في منطقة زوارة خلف مصنع البلاستيك القديم، بدأت رحلة الشاب المصري إلى إيطاليا، بمساعدة المهرب الليبي. وفي مركب طوله 40 متراً تكدس نحو 80 شخصاً من جنسيات مختلفة. وبعد ساعة من الإبحار ارتفعت الأمواج فجأة، وفقد المركب وجهته، حتى دخل المياه الإقليمية التونسية، ووصل إلى شاطئ قريب من الحدود الليبية. تفرق الركاب. وبعد معاناة على الحدود الليبية التونسية، عاد علي إلى بلدة زوارة مجدداً، ولا يزال متعلقاً بحلم الهجرة.

طلب الشاب المصري من المهرب الليبي أن يساعده مرة أخرى في عبور المتوسط، ومن قرية أبو كماش تحرك مجدداً، بصحبة عائلتين، إحداهما يمنية والأخرى سودانية، وبعد نحو 250 متراً تسللت المياه إلى المركب، وغرقت قبل أن تبدأ الرحلة، ولحسن الحظ أُنقذ جميع الركاب.

يقول النجار: “منذ هذه اللحظة قررت العودة إلى مصر بعدما واجهت الموت في عام واحد 4 مرات”. وعبر رحلة جديدة من شرق ليبيا إلى غربها، وصل إلى امساعد التي اختطف فيها قبل عام، وبصورة من بطاقة هويته أرسلها له الأهل عبر تطبيق “واتساب”، عبر الحدود المصرية في منتصف شهر حزيران (يونيو) الماضي.

وبحسب المادة الثانية من قانون مكافحة الهجرة غير الشرعية رقم 82 لسنة 2016، لا تترتب أي مسؤولية جنائية أو مدنية على المهاجر المهرَّب عن جرائم تهريب المهاجرين المنصوص عليها في القانون، ووفقاً لهذه الحماية القانونية، استطاع الشاب المصري أن يعود لأسرته وأطفاله، بعدما أضناه حلم الهجرة إلى الشمال، وقرر أن يعيش ما تبقى له من عمر في قريته بدلتا مصر.