الثلاثاء. نوفمبر 30th, 2021
تخضع عفرين لسيطرة المعارضة بإشراف تركي (عمر ألفين/ الأناضول)

عاد القصف العنيف ليستهدف مناطق سيطرة “الجيش الوطني” السوري المعارض ومناطق النفوذ التركي، شمالي سورية، إذ أوقعت هجمات صاروخية أول من أمس الجمعة ثلاثة قتلى وعدداً من المصابين في مدينة عفرين شمالي حلب، والتي تخضع لسيطرة المعارضة بإشراف ونفوذ تركي، منذ طرد “قوات سورية الديمقراطية” (قسد) منها، ربيع عام 2018. وتشكّل عودة القصف بهذا الشكل محطة لتوجيه الأنظار نحو الخيارات التركية حيال تنفيذ عمل عسكري جديد ضد “قسد”، بعدما كانت قد خفّت حدة التصريحات التركية حول عمل وشيك خلال الأيام الماضية، فيما كان مسؤولون أتراك، من بينهم الرئيس رجب طيب أردوغان، قد لوّحوا بإبعاد ما وصفوها بـ”الأخطار الإرهابية” عن الحدود. وكانت الهجمات والخروقات من قبل “قسد” قد تزايدت في الآونة الأخيرة، ما دفع أنقرة إلى مطالبة كلّ من موسكو وواشنطن بالضغط على حلفائهما الأكراد للابتعاد عن الحدود بمقدار 32 إلى 35 كيلومتراً تنفيذاً للتفاهمات التركية – الروسية من جهة، والتركية – الأميركية من جهة أخرى، والتي أعقبت عملية “نبع السلام” التي قادتها أنقرة بالتشارك مع المعارضة خريف عام 2019 شمال شرقي سورية.

توجّهت الاتهامات مباشرة بالقصف نحو “قسد”، سواء من قبل تركيا أو المعارضة

وفور وقوع القصف الجمعة، توجهت الاتهامات مباشرة نحو “قسد”، سواء من قبل تركيا أو من المعارضة، لكن مصادر أكدت لـ”العربي الجديد” أن مصدر القصف الذي تعرضت له أحياء سكنية متفرقة في مدينة عفرين، كان قرية كالوطة شمالي حلب، وهي منطقة انتشار مشترك لكل من “قسد” وقوات النظام السوري، بالإضافة إلى وجود مليشيات فيها تقاتل إلى جانب قوات النظام. وفي حين لم تستطع المصادر تحديد الجهة التي أطلقت الصواريخ الثمانية من نوع “غراد” التي استهدفت عفرين، سواء أكانت من قبل قوات النظام أو “قسد” أو المليشيات، وذلك لصعوبة الأمر، كون جميع هذه الأطراف تمتلك هذا النوع من الصواريخ، فإن المصادر رجّحت أن تكون قوات النظام هي التي نفّذت القصف، بهدف إعادة خلط الأوراق، وتوريط “قسد” بمواجهة أمام تركيا. وبعد القصف، ردّت المدفعية التركية على المواقع التي انطلقت منها الصواريخ واستهدفتها بالصواريخ والمدفعية الثقيلة، واتهم ناشطون مقرّبون من “قسد” قوات النظام المتمركزة في المنطقة بالوقوف خلف عملية القصف، بينما اتهمت مصادر تركية رسمية القوات الكردية بالمسؤولية عن القصف

وزادت حدة الاشتباكات شمالي حلب بين فصائل المعارضة المدعومة من تركيا من جهة، وقوات النظام و”قسد” من جهة أخرى، وذلك في أعقاب القصف الذي تعرضت له عفرين، إذ قصفت القوات التركية وفصائل “الجيش الوطني” فجر أمس السبت بالمدفعية الثقيلة مناطق انتشار “قسد” وقوات النظام في ريف حلب الشمالي، واستهدفت محيط قرية الزيارة وقرى مياسة وبرج قاص وحرش قرية صوغانكه، وذلك في أعقاب قصف مماثل على مواقع قرب القاعدة الروسية على أطراف دير جمال، وقرى المالكية وشوارغة وقلعة شوارغة ومرعناز وابين وتنب والارشادية، في ناحية شرا التابعة لمدينة عفرين.

ومنذ أن خرجت عفرين عن السيطرة الكردية، فإنها تعرّضت مع العديد من المناطق التي تخضع للنفوذ التركي لهجمات وتفجيرات أدت إلى مقتل وإصابة مئات الأشخاص، آخرها الهجوم الذي طاول أحد مستشفيات المدينة، في يونيو/ حزيران الماضي، وأدى إلى مقتل وجرح 79 مدنياً، بينهم أفراد من الكوادر الطبية ومتطوعون في المنظمات الإنسانية وفِرق الإنقاذ، ودائماً ما كانت تُتهم “قسد” بالوقوف وراء تلك الهجمات والتفجيرات.

وتشكّل فرضية توريط النظام لـ”قسد” أمام القوات التركية فرضية منطقية، لا سيما أن الطرفين، أي “قسد” والنظام، وصلا إلى طريق مسدود حيال خلق آلية مشتركة للتنسيق بينهما بوساطة روسية، إذ تطلب “قسد” وجناحها السياسي “مجلس سورية الديمقراطية” (مسد) الاعتراف بـ”الإدارة الذاتية” الكردية للمناطق التي تسيطر عليها حالياً، الأمر الذي لم يوافق عليه النظام ولا يتوقع أن يرضخ له. وأخيراً عزّزت قوات النظام من حضورها داخل مناطق السيطرة الكردية بموافقة “قسد”، وبعد جهود وتنسيق من موسكو، بيد أن الأخيرة لم تنجح إلى الآن في إيجاد صيغة للتلاقي بين الطرفين، لا سيما مع تعنّت النظام ووضعه شروطاً تعجيزية أمام الأكراد.

من جهته، قال المتحدث باسم “الجيش الوطني”، الرائد يوسف حمود، لـ”العربي الجديد”، إنه لم يعد مهماً تحديد الجهة التي قصفت عفرين، سواء كانت قوات النظام أو “قسد” أو المليشيات المرتبطة بإيران، لا سيما أنها جميعاً باتت توجد مع بعضها بشكل مشترك في الكثير من المناطق على خطوط التماس، وهي تنسق مع بعضها بإشراف روسي، مضيفاً أن “تفاعل هذه الجهات مع بعضها، يجعل أي خطر يأتينا من قبلها هو خطر من منطقة معادية واحدة، يصدر فيها أمر مشترك، ويجب التعامل معها أياً كان المسؤول عن وضع يده على الزناد والإطلاق”. وتابع: “سابقاً تعاملنا مع مثل هذه الهجمات، والتي حدّدنا مصدر الوقوف وراءها بكونها قوات النظام، بأن رددنا على الطرفين، أي قسد والنظام، لكون قوات النظام منتشرة في مناطق سيطرة قسد، وبالتالي تتحمل تبعات سماحها للانتشار”. وحول الجهة من بين الأطراف الثلاثة (قسد، النظام والمليشيات) التي يمكن أن تكون لها مصلحة في خلط الأوراق من خلال التصعيد والقصف، أشار حمود إلى أن الجميع لديهم مصلحة، أولاً لإثبات الوجود والتنبيه له، لا سيما قبل اللقاء المتوقع بين المسؤولين الروس والأتراك في الفترة المقبلة لبحث ملفات مهمة حيال الشمال السوري، وكل منهم يريد توجيه رسالة للمجتمعين بعد أيام بأن يأخذوه بعين الحسبان حيال أي اتفاقات مقبلة.

وكانت أنقرة قد أظهرت رغبة في تنفيذ عملية عسكرية واسعة نطاق ضد “قسد” بالتشارك مع المعارضة المدعومة من قبلها، وذلك بهدف دحر المسلحين الأكراد عن مزيد من المساحات التي يسيطرون عليها، شمالي وشمال شرقي سورية، إذ يتذرع المسؤولون الأتراك في تبريرهم العملية بتزايد الهجمات على المدنيين وخطوط التماس من قبل “قسد”، وأيضاً لتنفيذ التفاهمات الدولية التي تقضي بابتعاد المجموعات الكردية عن الحدود السورية ـ التركية. ومع تزايد التخوف الكردي من هجوم تركي، جاء السماح لمجموعات من قوات النظام والمليشيات المساندة له بالدخول إلى مناطق السيطرة الكردية بتنسيق روسيا. لكن محللين، يشيرون إلى أن النظام سيلجأ لنكص جديد في العهد مع “قسد” بعدم المساندة ضد أي هجوم جديد، كما فعل في معارك عفرين قبل نحو ثلاثة أعوام.