خالد سليمان – صحافي وكاتب كردي عراقي
يناير 31, 2020
تُدار الغرفة الأمنية الخاصة بملف الاحتجاجات إدارة مشتركة بين الحكومة والمجموعات المسلحة، وإلا ماذا يعني اقتحام قوات الصدمة والقوات الأمنية الرسمية، ساحات الاعتصام في البصرة وإحراق خيم المحتجين واعتقال العشرات منهم؟

حين قُتل الصحافيان أحمد عبد الصمد وصفاء غالي في الأسبوع الثاني من كانون الثاني/ يناير 2020، كان عدد القتلى بين المحتجين العراقيين تجاوز 600 شخص. وكانت الحكومة العراقية وأجهزتها الأمنية وجيشها ومجموعاتها المسلحة المنفلتة، تصرّ حتى ذلك اليوم على أن هناك طرفاً ثالثاً قتل هذا العدد الكبير من المتظاهرين، متغاضية عما يدور في البصرة والناصرية والديوانية والنجف وكربلاء من عنف حي. وقال الصحافي المغدور به عبد الصمد قبل ساعات من اغتياله مع صفاء: هل عرفتم الآن من هو الطرف الثالث؟ وبما أن الصحافي كان ينقل مع سؤاله المحير ذاك، مشهد عنف حي ويزيح الستار عن “اعتقالات عشوائية من قبل قوات الصدمة والقوات الأمنية” في الشوارع، لم يرجئ الطرف الثالث قتله وتجديد رسالة كتم الأصوات المعارضة للحكومة ومجموعاتها المسلحة ومنابعها العقائدية.

وبقي “الطرف الثالث” منذ بدء الاحتجاجات الشعبية في العراق، شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2019، من جهة الدور الذي كُلف به، ليس كطرف لترهيب المتظاهرين وإخلاء ساحات الاحتجاج فحسب، بل كغطاء لمصادر قرارات الحكومة المتعددة بحق المحتجين السلميين، وحام لها بطبيعة الحال. وفي الحقيقة ليس هذا “الطرف” اسماً وهمياً ابتكرته المخيلة الأمنية، بل هو مظلة تحوي غالبية القوى المسلحة، الرسمية منها وغير الرسمية، وتحول من قاتل مجهول خارج عن القانون كما أرادت الحكومة تعريفه، إلى وحش متعدد الرؤوس ينشر الرعب في كل الاتجاهات. وتعرّت بذلك حقيقة النظام السياسي في العراق، إذ أصبح لـ”شيعة الحكم” قاتل تزداد قائمة المرشحين أمامه للقتل كلما قتل أكثر، ويقف على رأس كل حارة يسكنها ناشط أو صحافي أو متظاهر. يقول لي صحافي من الجنوب العراقي إنه لجأ إلى الاختفاء في إحدى القرى النائية كي ينجو من بطش “الطرف الثالث”، فيما لجأ صحافي آخر إلى التنقل بين دار ذويه في بغداد لإبعاد شبح القاتل. “إنهم يلجأون إلى التحقيق حتى مع أصحاب “الدكاكين” الصغيرة في بغداد والمدن الأخرى بغية الحصول على المعلومات عن الناشطين وسبل اصطيادهم”، يقول لي هذا الصحافي.

وفي أعقاب إقدام الولايات المتحدة على اغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، في الثالث من كانون الثاني 2020، أصبح اصطياد النشطاء والصحافيين وتهديد ساحات الاعتصام بإخلائها، نقطة ضوء في ظلام الإنكار الحكومي والميليشياوي استهداف المتظاهرين. تالياً، لم يعد خافياً على أحد أن الأطراف جميعها تلعب دور الطرف الثالث، بما فيها حكومة تصريف الأعمال ورئيسها المقال عادل عبد المهدي. وللعراقيين حكايات كثيرة مع انتشار قتلة أحرار في عاصمتهم، يدخلون إلى ساحات الجريمة عبر حدائق السياسة الخلفية، أو تعفيهم السياسة ونظامها من العقاب. لقد تحول “أبو طبر”، ذلك السفاح القاتل المخيف الذي ظهر في بداية سبعينات القرن المنصرم، إلى بعبع حرم سكان العاصمة من النوم خوفاً من قادم مجهول لم يتحرر منه تاريخ العراق السياسي من آثار جرائمه إلى اليوم. ولم يرتكب أبو طبر جرائم سياسية، إنما ظهر في فترة التصفيات التي قام بها الديكتاتور العراقي السابق صدام حسين، بما فيها التخلص من ناظم كزار مدير الأمن العام في زمن حكم أحمد حسن البكر عام 1973.

قال الصحافي المغدور به عبد الصمد قبل ساعات من اغتياله مع صفاء: هل عرفتم الآن من هو الطرف الثالث؟

وفي الأعوام التي أعقبت سقوط نظام صدام حسين والاحتلال (2003)، تحولت بغداد إلى مدينة أشباح إثر انتشار قتلة أحرار يظهرون من كل حدب وصوب. واستلهم الروائي أحمد سعداوي فكرة رواية “فرانكشتاين في بغداد”، حيث يقوم هادي العتاك وهو شخص عادي يعمل في بيع الأشياء والأغراض البسيطة في حي البتاوين وسط العاصمة ويقوم بعملية جمع بقايا الجثث التي خلفتها التفجيرات اليومية شتاء عام 2005، ومن ثم إلصاق تلك البقايا بعضها مع بعض مشكِّلاً منها كائناً تُبعث فيه الحياة ويبدأ بالانتقام من جميع المجرمين الذي قتلوا أصحاب الجثث. وفي تداخل رهيب للأحداث والشخصيات ومطاردات شائكة ومثيرة في أحياء بغداد وشوارعها، يكتشف جميع الناس أنهم بشكل أو بآخر يشكلون ذلك الكائن المخيف ويمنحونه أسباب النمو والبقاء.

أرادت القوى الشيعية الحاكمة، من خلال تحميل طرف مجهول مسؤولية ما يحصل في البلاد، إخفاء ما يمكن إخفاؤه من عنف الدولة المُنظم ضد المحتجين من خلال الاقتناص، وذلك عبر إطلاق يد قتلة ومجرمين يشبهون أبي طبر وبطل هادي العتاك، من دون أن تعترضهم القوات الأمنية والجيش والشرطة. وعلى رغم فداحة الهجمات التي تستهدف المحتجين والناشطين في المدن المنتفضة لم تكشف الأجهزة الأمنية، حتى اليوم، عن هذه المجموعات المسلحة الطليقة بمركباتها وأسلحتها ورجالها الملثمين. وتشير منظمات دولية حقوقية من بينها “منظمة مراقبة حقوق الإنسان” و”منظمة العفو الدولية”، إلى أن الهجمات والأحداث، “تحصل بعلم السلطات العراقية وأجهزتها، إن لم تكن بتوجيه منها”.

إنها سياسة “باطنية” تخفي ما تنطق به في النهار ليلاً، وتحاول استمالة الرأي العام العالمي إلى حين القضاء على حلم العراقيين بامتلاك وطن يليق بطموحاتهم وتطلعاتهم. لم تتورع هذه الباطنية عن اتهام مئات الآلاف من المحتجين بالمندسين وعملاء “السفارة” وعصابات الجوكر في الخفاء، وممارسة سياسة تسقيط صور الاحتجاج من خلال تسميات واتهامات شتى أمام الرأي العام “الشيعي” في البلاد والمنطقة. واحتلت تسمية “عصابات الجوكر” على سبيل المثال، مساحة كبيرة في وسائل إعلام تابعة لإيران أو قريبة من عقيدتها السياسية في العراق، كما في لبنان وسوريا واليمن. عراقياً، تركت الجهات الرسمية هذه التسميات منذ بدء الاحتجاجات، للميليشيات المسلحة وقادتها، زارعة بذلك انطباعاً عاماً بأن الدولة تقف مع مطالب “أبنائها” المحتجين في ساحات الاحتجاج، وما لبثت أن ظهرت حقيقة باطنية السياسة الحكومية تجاه المحتجين وارتكبت قوات تابعة للجيش العراقي بقرار من الفريق جميل الشمري مجزرة مريعة في مدينة الناصرية، قتل فيها أكثر من 30 شخصاً ناهيك بعشرات الجرحى. وقد أوكلت مهمة الملف الأمني في المحافظة في نهاية شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2019 إلى الشمري من قبل رئيس الوزراء العراقي وقائد القوات المسلحة عادل عبدالمهدي. ولم تتخذ الحكومة أي إجراءات قانونية بحق المذكور.

يقول لي صحافي من الجنوب العراقي إنه لجأ إلى الاختفاء في إحدى القرى النائية كي ينجو من بطش “الطرف الثالث”.

قصارى الكلام، تُدار الغرفة الأمنية الخاصة بملف الاحتجاجات إدارة مشتركة بين الحكومة والمجموعات المسلحة، وإلا ماذا يعني اقتحام قوات الصدمة (قوات تابعة لميليشيات كتائب “حزب الله” العراقية) والقوات الأمنية الرسمية، ساحات الاعتصام في البصرة وإحراق خيم المحتجين واعتقال العشرات منهم؟ ماذا يعني قيام مسلحين ملثمين “مجهولين” بفتح النار على محتجين سلميين وتكرار مشهد القتل في الناصرية؟ ماذا يعني قرار رجل الدين مقتدى الصدر سحب أنصاره من ساحات الاحتجاج وإعطاء الضوء الأخضر لاقتحامها؟ ماذا يعني عزل مئات الآلاف من المحتجين وتركهم للرصاص الحي؟ إنها أسئلة تقطع الشك باليقين بشأن علم الحكومة بما يحصل، كما تقطع الخيط الرفيع الذي يربطها بالطرف الثالث.

يعيدنا ذلك، من جانب إلى سؤال أحمد عبدالصمد قبل ساعات من اغتياله، “هل عرفتم من هو الطرف الثالث؟”، ذاك أنه كان ينقل مشهد عنف، بدا فيه الطرف المجهول العاصي عن النظر، مخلوقاً مُجرّداً من أوصاف الحكومة ومجموعاتها المسلحة، مخلوقاً يطلق النار بكل الاتجاهات واستوجب إخفاؤه عن الأنظار رصاصة في صدر الصحافي. ويعيدنا من جانب آخر إلى مصنع للصق أجزاء العراق بغية صناعة قتلة أحرار تعفيهم الدولة من العقاب على القتل، وهو مصنع شبيه بذلك الذي ابتكرته مخيلة بطل (فرانكشتاين في بغداد) هادي العتاك للانتقام من منفذي التفجيرات الإرهابية التي تميزت بها يوميات العاصمة العراقية إبان سنوات ما بعد 2003. طوال عقدين من الزمن لم تختلف مخيلة شيعة الحكم عن مخيلة العتاك، وتبتكر ما بوسعها من الوسائل لصناعة بطل قادر على الانتقام ولو على أشلاء الضحايا الشيعة.