السبت. أكتوبر 16th, 2021

خمسون عاماً نزداد خراباً ” البيعة” و “الحداثة ” يداً بيد! – بقلم جمال سعيد   جمال سعيد… كاتب سوري… نواة سوريا

.

منذ نصف قرن ، استطاع حافظ الأسد، وزير الدفاع في سورية أن يقود انقلاباً، وأطلق عليه اسم “الحركة التصحيحية المباركة” وأحياناً “المجيدة”.  تحول الوزير المذكور بموجب الانقلاب إلى رئيس للجمهورية، وأقام تقليداً ينتخبه فيه الشعب كل سبع سنوات بصفته المرشح الوحيد لرئاسة الجمهورية. عشية انقلابه وزعت آلاف الصور التي تطلق عليه لقب:” ابن الشعب”، وتكرر في إذاعة دمشق بث أغنية للمطرب مصطفى نصري، تصفه باللقب إياه. ثم أطلق عليه   “لقب قائد المسيرة” بناء على مقررات المؤتمر القطري الخامس العادي لحزب البعث الذي انعقد من 8-14 أيار مايو 1971. أشارت تلك المقررات إلى أن:”التاريخ بدون شك ليس تاريخ أفراد وإنما تاريخ شعوب” وسوغت إرساء أسس التهليل للأسد وعبادته بالإصرار على أن (شعبنا) نتيجة الظروف التي رافقت تطوره الخاص يؤكد على ضرورة وجود قائد، ويرى في الرفيق حافظ الأسد تجسيداً لهذا القائد. في الدستور المؤقت،  الذي تم وضعه بعد الانقلاب بأشهر، يتكرس حزب البعث بصفته قائداً للدولة والمجتمع. قدمت وثائق المؤتمر الخامس العادي تبريراً لحلول قائد المسيرة الفرد محل  حزب البعث مفاده أن “التفاف الجماهير حول قائدها لا ينقص القيادة دورها، فالرفيق حافظ الأسد حزبي ملتزم بقرارات القيادة العليا متفاعل معها”.
عبرت مؤتمرات البعث عن حالة من الارتياح الشعبي “للقيادة التاريخية الاستثنائية”، ففي عام 1984 مرض حافظ الأسد وحاول أخوه رفعت،  قائد سرايا الدفاع،  الاستيلاء على الحكم مستغلاً فرصة المرض هذه. وبسسب فشل انقلابه أضحى “قائد الفرسان”- وهو لقب رفعت – خارج البلاد. وفي عام 1985 انعقد المؤتمر القطري الثامن وبذل المؤتمرون جهوداً تعبيرية وصوتية كبيرة، اتفقوا من خلالها على أن “الولاء لحافظ الأسد هو ولاء للحزب والشعب وقضيته، وأن الإخلال بالولاء تحت أي صورة كانت يشكل انحرافاً خطيراً يرفضه الحزب وترفضه الجماهير”. (يمكن لمن يظن أني أبالغ أو أسخر ، مراجعة  التقرير السياسي الصادر عن المؤتمر القطري الثامن عام 1985- الصفحة 7 ). واخترعت آلة الألقاب في الحزب شعار:” قائدنا إلى الأبد .. الأمين حافظ الأسد” ، وأقر المؤتمر القطري الثامن الشعار المذكور لمواجهة رفعت، وكل من تسول له نفسه القيام بانقلاب. كتب ذلك الشعار بأنواع متعددة من الخطوط العربية، على العديد من الأسوار والجدران، واستمر ترديد ذلك الشعار في المدارس والثكنات حتى بعد موت حافظ الأسد. ولاحقه بعثُه بالألقاب إلى قبره، حيث أطلق عليه لقب “القائد الخالد” الذي يتكرر حالياً في الصحف السورية ومواضيع الانشاء واللقاءات مع القبيسيات وحيثما يستدعي الأمر خطاباً رسمياً.
في عام 1991 كنت أتجول في شوارع دمشق، كان حضور صور حافظ الأسد في شوارع الشام كثيفاً. صورة هائلة تغطي شبابيك مبنى المحافظة، صورة أخرى بزي قاض وقد كتب تحتها القاضي الأول، وأخرى بزي محام مع دعوة لانتخاب المحامي الأول، وقرأت أيضاً ألقاباً أخرى مثل: الطالب الأول والفلاح الأول والعامل الأول وغيرها من ألقاب تصلح للسخرية من بهلول أو من دكتاتور .
قرب فندق الشام -بناية الكويتي سابقاً- اقتحم الشارع فجأة مجموعة من العسكريين ببدلات مموهة ، كانت أزرار الستر مفتوحة وكان العسكريون يركضون وقد غرسو على نحو واضح في في لحم صدورهم دبابيس تنتهي بدوائر معدنية عليها صورة لحافظ الأسد. كانوا يصرخون بإيقاع يتماشى مع ركضهم رملاً :”حافظ.. أسد .. رمز الثورة العربية”. أما السيارات والمارة فكانوا يفسحون الطريق للجنود الذين يستسيغون لقب :”وحوش الحرس الجمهوري”. نقلت بصري بين الجنود واللافتات، وتذكرت باقي أدوات “استقرار” المجتمع إلى حد اليباس.  وخطر لي أن الألقاب التي تطلقها “لافتات المنظمات الشعبية” وباعة الجملة والمفرق على حافظ الأسد في أسواق دمشق تزيد ربما على 99 لقباً.
أمام مكتبة ميسلون ( كفت عن أن تكون مكتبة  لاحقاً  مثل  مكتبات عريقة أخرى) التقيت إبراهيم ، أحد زملاء الدراسة القدامى. هنأني بالخروج من السجن، وقال لي أنه كان بالإمكان تجنب التضحية المجانية. قال لي: “البلاد كما ترى!” ثم رسم بيده دائرة حولنا  مشيراً إلى الصور والأغاني التي تحيط بنا، وتحول هواء المدينة إلى مستعمرة للضجيج. محلات كثيرة كانت تضخم الأغاني التي تمتدح ” قائد الأمة ورمز عزتها”، وتذيع مقتطفات من خطبه، عبر مكبرات صوت موصولة بأجهزة تسجيل  . على سور نادي الضباط علقت ملصقات عليها مقتطفات من أقوال حافظ الأسد،  منها:”لا حياة في هذا القطر إلا للتقدم والاشتراكية ” وعند مدخل شارع الحمراء نبهني ابراهيم إلى صورة لحافظ الأسد بثياب الإحرام في الحج. وقد كتب تحتها “الرئيس المؤمن”.
 في لافتة مواجهة لي ولإبراهيم قرأت بصوت واضح “غرفة تجارة دمشق تعاهد باني سورية الحديثة على تجديد البيعة .. وبخط أصغر كتب: “تقدمة محلات …” سألت زميل الدراسة:
– إبراهيم، كيف يمكن أن تجتمع “الحداثة” مع “البيعة” ؟
– كما يجتمع المشايخ ورئيس اتحاد الكتاب وقادة احزاب الجبهة من شيوعيين وناصريين وغيرهم من الموالين في دبكة واحدة ، وكما يجتمع الأخوان المسلمون والشيوعيون والناصريون وغيرهم من المعارضين في سجن واحد.