لماذا يبدو أبناء دير الزور والرقة والحسكة اليوم أكثر حضورًا في دمشق وحمص وغيرها من المدن السورية؟ ولماذا تحول هذا الحضور إلى مادة للحنق الاجتماعي والأحكام الجماعية؟
الإجابة لا تبدأ من سقوط نظام بشار الأسد، بل من عقود سبقت الثورة، حين تعامل نظام البعث مع الشرق السوري الغني بالنفط والغاز والحبوب والمياه بوصفه خزّانًا للموارد أكثر منه مجتمعًا يستحق التنمية. بقيت الطرق والمستشفيات والتعليم والاستثمارات وفرص العمل دون حاجات السكان، فيما انتقلت الثروة إلى المركز. لذلك لم تصنع الحرب مأساة الشرق من الصفر، بل ضاعفت تهميشًا قديمًا.
كانت دير الزور من أوائل المحافظات التي ثارت، وأصبحت الرقة أول مركز محافظة يخرج بالكامل عن سيطرة النظام عام 2013، لكن المعارضة أخفقت في استثمار الفرصة لتقديم نموذج حكم بديل. ومع تمدد “داعش”، ضُرب ما تبقى من الحياة المدنية، وغادر أطباء ومدرسون وموظفون وناشطون وأصحاب خبرات، فيما قُتل واعتقل آخرون.
ثم جاءت حرب التحالف الدولي على التنظيم، وغاب في كثير من الأحيان عن صورتها مجتمع كامل يعيش تحت سطوته. عوملت مناطق سيطرة “داعش” ضمنيًا كأنها بيئته الحاضنة، رغم أن سكانها كانوا من ضحاياه. وانتهت المعارك إلى تدمير هائل في بنية متهالكة أصلًا، خصوصًا في الرقة ودير الزور.
وامتدت الحرب إلى محيط دير الزور، حيث المواقع العسكرية والاستراتيجية، وأعادت المعلومات التي ظهرت لاحقًا حول البرنامج النووي السوري و”منشأة الكبر” التذكير بمفارقة قديمة: المنطقة لم تكن هامشية عندما تعلق الأمر بالمواقع الاستراتيجية، لكنها كانت كذلك عندما تعلق الأمر بالمستشفيات والجامعات والطرق. وقُتل في هذه الجغرافيا مئات الشبان من أطراف مختلفة، وتحوّلت مناطق إلى مقابر جماعية مفتوحة، من دون تغطية إعلامية تتناسب مع حجم المأساة.
نزوح لم يبدأ اليوم
من هنا يجب قراءة كثافة أبناء الشرق في دمشق. فكثيرون منهم ليسوا وافدين جددًا، بل نازحون منذ 2013 و2014. عاشت عائلات في الشوارع والحدائق والمساكن المتضررة أو في أبنية غير مكتملة وبين أنقاض دمشق وريفها وحمص وريفها، فيما دخل القادرون على الاستئجار سوقًا عقارية استغلت حاجتهم.
وفي سوق العمل، تحول النازح الشرقي إلى يد عاملة رخيصة في البناء والزراعة والنقل والمطاعم. وفوق الاستغلال الاقتصادي جاءت الوصمة: كان على القادم من دير الزور أو الرقة أن يثبت أنه ليس من “داعش”، مثلما كان عليه في سياقات أخرى أن يثبت أنه ليس معارضًا مطلوبًا للنظام.
استثمرت إيران هذا الفراغ والحاجة. لم تعتمد على النشاط الديني ونشر التشيع وحدهما، بل استخدمت المال والحماية والتجنيد وشبكات المصالح، واستقطبت أفرادًا ومجموعات عشائرية وربطت أجزاء من الاقتصاد المحلي بنقل السلاح والتهريب والمخدرات. وساعد الامتداد العشائري بين شرق سوريا وغرب العراق على ذلك، فيما دُعمت شخصيات وزعامات محلية لتنفيذ أجندات مرتبطة بالقوة المسيطرة.
وفي الاتجاه المقابل، نزح آخرون إلى شمال غربي سوريا، وشكل بعضهم فصائل أو انضموا لاحقًا إلى الجيش الوطني المدعوم من تركيا، وشاركوا في عمليات داخل مناطق ذات حضور كردي، فيما دخل آخرون في تشكيلات وتيارات انتهت ضمن “هيئة تحرير الشام” أو محيطها. وهكذا توزع أبناء الجغرافيا نفسها بين قوى ومشاريع متناقضة، بينما جرى مرارًا اختزال ملايين السكان في صورة الطرف المسلح الأكثر ظهورًا.
تغيرت الشبهة وبقي التصنيف
بعد سقوط النظام، تنفس النازحون الصعداء. تراجعت شبهة المعارضة أو الانتماء إلى “داعش”، وشارك أبناء الشرق بكثافة في المجال العام والاحتفالات. لكن سرعان ما ظهر تصنيف جديد. وبعد أحداث الساحل، نُسبت انتهاكات إلى أفراد ومجموعات قادمة من بيئات عشائرية وشرقية، ثم ضاعفت مشاركة مجموعات عشائرية في معارك السويداء الاحتقان، بالتزامن مع تسليط الضوء على شبكات تهريب ومخدرات مرتبطة ببعض العشائر.
ورغم أنه لا يجوز إنكار أي انتهاكات أو حماية مرتكبيها خلف الانتماء العشائري، لكن المسؤولية يجب أن تبقى فردية ومحددة. فتعميمها على ملايين السوريين يعيد إنتاج المنطق نفسه الذي حوّل القادم من الرقة سابقًا إلى مشتبه بانتمائه إلى “داعش”.
وفي الوقت ذاته، هناك سبب اقتصادي للحنق أقل ظهورًا حيث اعتادت المدن طوال سنوات على يد عاملة نازحة ورخيصة. واليوم، مع تغير موازين القوة، بدأ عمال يطالبون بأجور أعلى وحقوق أفضل. وفي اقتصاد منهار تتحول المنافسة على العمل والسكن والخدمات إلى احتقان مناطقي. المجتمع الذي تقبّل العامل حين كان رخيصًا قد يتذمر منه عندما يصبح قادرًا على التفاوض.
لماذا لا يبقون في الشرق؟
ولا يمكن فصل النزوح أيضًا عن الجفاف وتراجع مياه الفرات والسياسات المائية التركية، حيث تضررت الزراعة والكهرباء ومياه الشرب مع انخفاض التدفقات، فيما أدت زيادتها في فترات أخرى إلى غمر أراض وقرى وإنتاج موجات نزوح جديدة.
وفي مناطق سيطرة الإدارة الذاتية، لم تتحول الثروة النفطية والزراعية إلى تنمية تتناسب مع موارد المنطقة. بسبب استنزف الإنفاق العسكري جانبًا مهمًا من الإمكانات، وبقي استخراج النفط في مواقع كثيرة بدائيًا، فيما ظلت الطرق والخدمات الصحية والتعليمية وفرص العمل محدودة. لذلك، قبل السؤال عن سبب مجيء أبناء الشرق إلى دمشق، يجب السؤال: ما الذي يسمح لهم بالبقاء في الشرق؟
وبعد سقوط النظام كان يفترض أن تتغير المعادلة، لكن المنطقة لا تزال تُناقش أساسًا بوصفها نفطًا وغازًا وقمحًا ومعابر و”قسد” وعشائر. وحتى الاتفاقات والمفاوضات مع “قسد” تركز على الدمج العسكري والأمن والحقول والمعابر، فيما يبقى تمثيل السكان ومصالحهم التنموية أقل حضورًا. كما تحاط إدارة الثروات بتكتم شديد، فلا يعرف السكان بوضوح حجم الإنتاج والإيرادات وكيفية توزيعها أو الحصة التي ستعود إلى مناطقهم.
وتظهر المفارقة بوضوح في مستشفيات دمشق وحمص المكتظة بمرضى قادمين من الحسكة والرقة ودير الزور بعد مئات الكيلومترات على طرق متهالكة بحثًا عن اختصاصي أو علاج غير متوافر لديهم. فالمنطقة تصدر النفط والقمح والغاز، ثم تصدر مرضاها وطلابها وعمالها بحثًا عن الخدمات.
العودة إلى ماذا؟
وبعد التحرير كثر الحديث عن عودة سكان مخيمات الشمال إلى مدنهم وقراهم، لكن قلما طُرح مصير النازحين من الشرق المقيمين منذ عقد في دمشق وحمص وغيرها. إلى ماذا سيعودون؟ إلى منزل مدمر، أم مستشفى بلا اختصاصيين، أم طريق متهالك، أم أرض أنهكها الجفاف، أم اقتصاد لا يوفر فرصًا خارج شبكات القوة والمحسوبية؟ وبالتأكيد لا يمكن مطالبة الناس بالعودة إلى الجغرافيا وحدها، لأن العودة تحتاج إلى شروط حياة.
وأخطر ما يمكن أن تفعله سوريا الجديدة هو اختصار الشرق بالعشائر، والعشائر بالمقاتلين. دير الزور والرقة والحسكة ليست خزانات بشرية للحروب، ولا مجرد حقول نفط وقمح، ولا مشكلة أمنية بين دمشق و”قسد”. إنها مجتمع كامل أفرغته عقود التهميش وأربعة عشر عامًا من الحرب من جانب مهم من طبقته الوسطى وكوادره، بينما جعل اقتصاد الحرب السلاح والعشيرة والتهريب العناصر الأكثر ظهورًا.
لذلك فالحضور الكثيف لأبناء الشرق في دمشق ليس “غزوًا” اجتماعيًا للعاصمة، بل نتيجة لفشل طويل في جعل مدنهم قابلة للحياة. والحنق تجاههم، رغم وجود أسباب يومية حقيقية تتعلق بالعمل والسكن وبعض السلوكيات والانتهاكات، يصبح خطيرًا عندما يتحول إلى إدانة مناطقية جماعية.
هذا الملف يقف عند حدود الانفجار. فمجتمع يرى الثروة تخرج من أرضه ولا يعرف أين تذهب عائداتها، ويسافر مئات الكيلومترات إلى طبيب، ويعيش بين الجفاف والفيضانات والبطالة والسلاح، لن يقبل إلى ما لا نهاية بأن تكون أهميته في موارده فقط. ولا يكفي لمعالجة ذلك توزيع المناصب على شيوخ العشائر. المطلوب إعادة إعمار، وطرق ومستشفيات وجامعات واستثمارات زراعية وفرص عمل، وإدارة شفافة للنفط والغاز وتمثيل سياسي ومدني لا يختزل المنطقة في زعاماتها العسكرية.
وإذا أعادت السلطة الجديدة إنتاج المعادلة القديمة ــ ثروة الشرق للدولة، والسلاح للعشائر، والفقر والهجرة للسكان ــ فلن يكون السؤال لماذا يوجد أبناء دير الزور والرقة والحسكة بكثافة في دمشق، بل لماذا، بعد كل ما تغير في سوريا، لا يزال على ابن المنطقة التي تنتج الثروة أن يغادرها كي يجد طريقًا أو مستشفى أو عملًا أو دولة؟