تخطي إلى المحتوى

موقع السفينة

السفينة

القائمة الرئيسية
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • الافتتاحية
  • مقالات رأي
  • أدب وفن
  • الأرشيف
  • من نحن
  • الرئيسية
  • المحرر Editor
  • أحمد عبد المعطي حجازي لـ”المجلة”: لا تنافس بين الشعر والرواية وقصيدة النثر ليست شعرا
  • أدب وفن

أحمد عبد المعطي حجازي لـ”المجلة”: لا تنافس بين الشعر والرواية وقصيدة النثر ليست شعرا

المحرر Editor 31 أكتوبر، 2026 تمت قراءة 1 دقيقة

 

السيد حسين…. المجلة

أحمد عبد المعطي حجازي المولود عام 1935 بمدينة تلا في أقصى شمال غرب محافظة المنوفية في مصر، يعد واحدا من أبرز الأسماء في الشعر العربي المعاصر. ارتبط اسمه بالحراك الثقافي والشعري الذي شهدته الحياة الأدبية في القرن العشرين، ولا سيما معركة “الشعر الحر” التي شارك فيها إلى جانب الشاعر صلاح عبد الصبور، في مواجهة عدد من الاتجاهات الأدبية المحافظة آنذاك. ولم يقتصر حضوره على الإبداع الشعري، بل امتد إلى العمل الثقافي والنقدي، فتولى عددا من المناصب، من أبرزها رئاسة لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة، ورئاسة بيت الشعر العربي بالقاهرة.

بدأ حجازي مسيرته الشعرية بإصدار ديوانه “مدينة بلا قلب” عام 1959، ثم أتبعه في العام نفسه بديوان “أوراس”، لتتوالى بعد ذلك أعماله الشعرية، ومنها “لم يبق إلا الاعتراف” عام 1965، و”مرثية العمر الجميل” عام 1972، ثم “كائنات مملكة الليل” عام 1983، و”أشجار الإسمنت” عام 1989.

حصل على عدد من الجوائز والتكريمات، منها جائزة كفافيس اليونانية المصرية عام 1989، وجائزة الشعر الأفريقي عام 1996، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1997، ثم جائزة النيل عام 2013. هنا حوار “المجلة” معه.

بعد هذه الرحلة الطويلة مع الشعر، ما الذي بقي وماذا تغير في فهمك للشعر؟

لا أظن أني اختلفت كثيرا عما كنت عليه، لا أقول طبعا في شبابي الباكر، ولكن في المرحلة التي يمكن أن أعتبرها مرحلة نضج واكتمال أدوات، وبعدما أصبح لي مكان معترف به، واصلت الطريق حتى الآن. أما الشعر طبعا، فهو يتغير بمعنى أنه يستقبل في كل مرحلة شعراء من أجيال متتالية، هذا هو التغير الذي يحدث للشعر. نستطيع أن نتوقع أن ينشئ جيل من الأجيال حركة جديدة، أو يساعد بما يبدعه في الوصول الى مرحلة جديدة تضاف الى المراحل السابقة.

الطبيعة والمدينة

تتحول الطبيعة عندك إلى لغة موازية تنبض بالرموز والدلالات، هل هذا أثر الذاكرة الأولى وبيئة التكوين، أم ثمرة رؤية فكرية تتخذ من الطبيعة شريكا في صوغ الوعي الشعري؟

الطبيعة تترك تأثيرا فعالا في فهم الشاعر، وفي فكره وخياله ووجدانه. ولا بد أن يكون هناك فارق ملموس لمن ينشأ بالقرب من الطبيعة كما كانت نشأتي، لأني نشأت في مكان هو بين القرية والمدينة، وكنت في طبيعة الأحوال أقف أمام الحقول، وأتسلق الأشجار، وأسبح في الترعة التي نروي بها حقولنا، وكان جيراننا من الفلاحين، فكنت أراهم وأعيش معهم، وأرى حيواناتهم، وإلى آخر هذه الصور التي يعرفها كل من عاش في الريف المصري.

 

الامر اختلف قليلا أو كثيرا حين انتقلت الى الحياة في العاصمة، حيث الطبيعة ليست في متناول البصر على الأقل، ليست قريبة منا. وفي السنوات الأولى التي عشت فيها في القاهرة كانت الشوارع عامرة بالشجر، وكان النيل مفتوحا أمام الجميع وله حضور قوي. الآن بعدما قامت الأبنية العالية وامتلأت الشواطئ بالمحلات والمؤسسات، حجب النيل ليس فقط عن العيون وإنما عن القلوب، لأن النيل ليس مجرد منظر ولكنه حياة. لهذا يمكن ربما سميت ديواني الأول “مدينة بلا قلب”، لأن العواطف تحتاج إلى الطبيعة، عندما تستغني المدينة عن الأشجار التي كانت تظللها وتلونها، وعن النهر العظيم الذي كان يمنحها شخصيتها، تصبح عندئذ بلا قلب.

 

غلاف “مدينة بلا قلب” 

عايشت التحولات الكبرى التي شهدتها التجربة الشعرية منذ خمسينات القرن الماضي، كيف تقرأ اليوم حركة الشعر العربي ومسارات تطوره؟

ينبغي أن نتحدث بصراحة في هذه المسألة، فالحديث عن الشعر العربي لا بد أن يقودنا إلى حال اللغة العربية، انظر إلى الفرق الواضح بين اللغة كما كانت في الخمسينات وقبل ذلك طبعا وما أصبحت عليه الآن، لا شعر بلا لغة، حتى شعر العامية لا أجد فيه جيلا يشبه تلك القامات التي عرفناها في بيرم التونسي وأحمد رامي وصلاح جاهين وفؤاد حداد، وبعد هؤلاء في عبد الرحمن الأبنودي وسيد حجاب.

نستطيع القول إن حضور الثقافة عموما، وليس اللغة فحسب، لم يعد كما كان في الخمسينات وقبلها. ما دام لم يعد لدينا من يواصل ما قدمه طه حسين، وما قدمه الشعراء الكلاسيكيون من البارودي إلى شوقي وحافظ، وما قدمه الشعراء الرومانسيون مثل أحمد زكي أبو شادي وعلي محمود طه ومحمود حسن إسماعيل وإبراهيم ناجي والهمشري والشرنوبي إلى آخر هؤلاء، ثم المجددون.

طبعا لا يمكن أن تخلو البلاد من عدد من الشعراء المجيدين، ولدينا الآن شعراء مجيدون، لكن المناخ العام لا يساعدهم ولا يساعد غيرهم، لأننا حين نتحدث عن الإبداع عامة لا بد أن نتحدث عن وسائله وأدواته والمناخ الذي يساعد أو لا يساعد. كان لدينا في أربعينات القرن الماضي ما يقرب من 20 مجلة أدبية. ما الذي نملكه الآن؟

 

الصحف التي كانت تحتفي بالشعر والقصة والنقد لم تعد تحتفي بهذه الفنون. والأمر نفسه في النشر والتوزيع اللذين تراجعا إلى حد لا يصدق، في الوقت الذي أصبحنا نملك فيه مؤسسات ثقافية لم نكن نملكها من قبل، لم نعد ننتج الثقافة والإبداعات التي كنا ننتجها من قبل. ولا أتحدث فقط عن الشعر أو عن الأدب عامة، بمعنى أن هذا الكلام يصح على الإنتاج المسرحي، والفنون التشكيلية، والأغنية المصرية. مصر التي أعطت في الأغنية ما أعطته في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وفي القرن العشرين حتى السبعينات وما بعدها، الآن أين أصبحت هذه الأغنية اليوم؟

الثقافة العربية

في كتابك “عروبة مصر” ناقشت علاقة الهوية المصرية بالبعد العربي، كيف ترى اليوم حضور الثقافة العربية في تشكيل الوعي المصري؟

أتابع باهتمام ما ينشر من أخبار حول موضوع الهوية الذي يناقش في مكتبة الإسكندرية، وأرى أن هذا العمل بالغ الأهمية، لأننا في حاجة حقيقية إلى أن نعي هويتنا وندرك مكوناتها بصورة واضحة وعميقة. وهذا الوعي لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن التاريخ، بل يتطلب أن نتمثل تاريخنا بمختلف مراحله، من تاريخنا القديم، إلى تاريخنا في العصور الوسطى، وصولا إلى العصر الحديث.

فالتاريخ ليس مجرد أحداث مضت وانتهت، وإنما هو ركن أساس وفاعل في تكوين الهوية، وتراث ممتد لا يمكن أن نسمح بنسيانه أو ضياعه. من هنا تبرز المشكلة في أن مؤسساتنا المختلفة، سواء التعليمية أو الثقافية، لا تولي قضية الهوية ما تستحقه من اهتمام، ولا تجعلها حاضرا أساسيا في برامجها ومناهجها.

ولست واثقا تماما من مدى كفاءة البرامج الدراسية المتعلقة بالتاريخ، إذ إن كتابة التاريخ قد تتعرض أحيانا للاختزال أو الانتقاء، فيغفل بعض العصور أو يتجاهل بعض الشخصيات والأعمال، لسبب أو لآخر. ومن الطبيعي أن يتحمس البعض لحضارتنا الفرعونية، وهذا حق مشروع، فقد قدمت مصر من خلال هذه الحضارة الكثير للعالم وللإنسانية، ولا تزال هذه الحضارة مصدرا ثريا للعطاء والمعرفة والفخر. لكن هذا الاهتمام لا ينبغي أن يكون على حساب العصور التي تلتها، ولا يجوز أن نتجاهل حقيقة أن مصر، ومنذ ما يزيد على ألف عام، انتقلت من لغة إلى لغة، ومن تراث إلى تراث، وأصبحت جزءا أصيلا من الثقافة العربية. ولم نكن في هذا التراث العربي مجرد متلقين أو مستهلكين، وإنما أصبحنا، على مدى قرون، منتجين ومبدعين، بل ومؤسسين في مجالات عديدة.

شعراء ونقاد

كتبت عن شعر إبراهيم ناجي وخليل مطران، هل كنت تقرأ تجربتيهما بوصفهما جزءا من تاريخ الشعر فقط، أم باعتبارهما حوارا مستمرا مع أسئلة الشعر الحديث؟

كنت أقرأ شعر الشاعر، وأحاول في قراءتي أن أقدم ما فهمته منه، لا من القصيدة وحدها، وإنما سعيت إلى الوقوف على مكانته في شعرنا الحديث، وتحديد موقع مطران وناجي ضمن مسيرة الشعر العربي الحديث.

ولماذا مطران وناجي تحديدا؟ لأنني كنت ألاحظ أن الحديث عن شعراء جيلهما كثيرا ما يتجه إلى شوقي، ثم يذكر حافظ، بينما يغيب مطران أحيانا عن هذا السياق، أو لا يمنح المكان الذي أراه مستحقا له.

والحقيقة أن مطران أدى في حركة الشعر العربي الحديث، ولا سيما في المرحلة التي عاشها، دورا مهما وملحوظا. ولا أقصد بذلك أن أفاضل بينه وبين غيره من الشعراء أو أن أنتقص من أدوار الآخرين، وإنما أحاول أن أعترف بدوره، وأن أضعه في موضعه الذي أراه وأشعر به وألمسه في مسيرة الشعر العربي الحديث.

وكذلك الأمر بالنسبة إلى ناجي، فإذا كان هناك من يتجاهل مطران ضمن شعراء المدرسة الكلاسيكية، فقد كان كثيرون أيضا يتجاهلون إبراهيم ناجي بين شعراء المدرسة الرومانسية، إلى أن غنت أم كلثوم قصيدته الشهيرة “الأطلال”. عندها بدأ الناس يتحدثون عن ناجي، وعن صاحب القصيدة التي أسرت وجدانهم. وأردت أن أقول لهم إن ناجي ليس “الأطلال” فحسب، وإنما هو شاعر له تجربة شعرية ثرية ومتنوعة، تجلت في دواوينه المختلفة، وما قدمه فيها من شعر يستحق أن يقرأ ويدرس بعيدا عن الشهرة التي ارتبطت بقصيدته الأشهر.

وأستحضر في هذا السياق أيضا ما كتبه عن ديوانه الأول عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين. وقد شعرت – وربما كنت مخطئا في ذلك – أن طه حسين لم يمنح ناجي ما يستحقه من تقدير، على النحو الذي فعله مع علي محمود طه.

 

تشكل كتبك النقدية جانبا موازيا لشعرك، فهل ترى أن الشاعر يحتاج بالضرورة إلى أن يكون ناقدا لتجربته، أم أن النقد قد يهدد أحيانا عفوية الإبداع؟

الشاعر موهبة، لكنه في الوقت نفسه صناعة وفن وأدوات، وهو امتداد لعصور طويلة من التجربة والتاريخ الحافل. وهذه الحقيقة لا تنطبق على الشعر العربي أو لغتنا وحدها، وإنما تمتد إلى الشعر في العالم كله، إذ لا تكاد توجد جماعة إنسانية، حتى تلك التي تعيش في أكثر البيئات بساطة وعزلة، إلا وتحتاج إلى الشعر وتبدعه بطريقتها الخاصة.

وبطبيعة الحال، هناك شعراء كثيرون اكتفوا بالنظم ولم يقتربوا من مجال نقد الشعر، لكن التاريخ الأدبي يقدم لنا أيضا نماذج عديدة لشعراء جمعوا بين الإبداع الشعري والممارسة النقدية، سواء في العصور القديمة أو الحديثة. فأبو تمام، على سبيل المثل، لم يكن شاعرا فحسب، وإنما كان ناقدا أيضا، ويتجلى ذلك بوضوح في كتابه “الحماسة”. وكذلك عرف العصر الجاهلي شعراء كانت لهم مكانة نقدية، ومن أبرزهم النابغة الذبياني، الذي كان يدعى إلى سوق عكاظ، ويحتكم إليه في المفاضلة بين الشعراء والحكم على أشعارهم.

 

وفي العصر الحديث، نجد نماذج متعددة لشعراء مارسوا النقد وكتبوا فيه، من بينهم أحمد زكي أبو شادي، والشاعر التونسي أبو القاسم الشابي، وصلاح عبد الصبور. وعلى المستوى العالمي، يمثل ت. س. إليوت نموذجا بارزا للشاعر الذي لم يقتصر حضوره على الإبداع الشعري، بل كان أيضا ناقدا أدبيا مؤثرا وصاحب إسهام مهم في الفكر النقدي. ومن ناحية أخرى، فإن الناقد الأدبي يحتاج، في تقديري، إلى أن يقترب من تجربة الكتابة الشعرية، وأن يجرب النظم ولو بالقدر الذي يتيح له ملامسة بعض أسرار العملية الإبداعية، فهناك جوانب في الشعر لا تكشفها القراءة وحدها، وإنما تتضح أيضا من خلال الممارسة والكتابة ومحاولة الخلق والإبداع. وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، الانتقاص من قيمة الشاعر الذي لم يكتب في النقد، فالشعراء ليسوا مطالبين جميعا بأن يكونوا نقادا. وإنما المقصود أن النقد حق مشروع للشاعر، كما أن الشعر، من حيث التجربة والمعرفة والممارسة، حق مشروع للناقد، لأن الاقتراب من التجربة الإبداعية يمكن أن يفتح أمام كل منهما آفاقا أعمق لفهم الآخر.

مستقبل الشعر

بعيدا من جدلية أفول الشعر في عصر الرواية، كيف تقرأ ملامح مستقبله؟

إذا أردنا استشراف مستقبل الشعر، فعلينا أولا تأمل ماضيه، فالشعر لم يكن فنا طارئا ظهر في مرحلة متأخرة من تاريخ الإنسان، وإنما نشأ مع اللغة نفسها، بل يمكن القول إن اللغة في بداياتها الأولى كانت شعرا. فالإنسان حين بدأ يتكلم لم يكن يستخدم الكلمات لمجرد تسمية الأشياء أو تقديم معلومات تقريرية عنها، وإنما كان يعبر من خلالها عن مشاعره وانفعالاته، ويرسم بها الصور في ذهنه، ويمنحها إيقاعا ونغما. كانت اللغة بالنسبة إليه صورة وموسيقى وعاطفة في آن واحد.

 

ومن هنا يمكن القول إن اللغة بدأت شعرا، وإنها لا تستطيع أن تستغني عنه مهما تطورت أشكال التعبير وتعددت الفنون. فمستقبل الشعر ليس منفصلا عن ماضيه، بل هو امتداد طبيعي له. كما أن ظهور فن جديد أو ازدهار جنس أدبي معين لا يعني بالضرورة أفول فن آخر أو انتهاء دوره، فلكل فن خصوصيته وقدرته على التعبير، ولا يستطيع فن أن يحل محل فن آخر بصورة كاملة.

وفي هذا السياق، يشير الشاعر والكاتب الفرنسي بول فاليري إلى أن الحركة الشعرية يمكن أن تكون حاضرة في كل فن يستخدم اللغة، وهو ما يعني أن الشعر لا يقتصر على القصيدة وحدها، وإنما يمكن أن يتسلل إلى مختلف أشكال الكتابة الإبداعية. ومن هنا أيضا فإن الرواية الجيدة لا تستطيع أن تستغني عن الشعر، لأن الرواية، مهما اختلفت طبيعتها، تظل في حاجة إلى الصورة والإيقاع وكثافة التعبير.

 

العلاقة بين الشعر والرواية ليست علاقة صراع أو تنافس، وإنما هي علاقة تفاعل وتأثير متبادل. فالرواية يمكن أن تزدهر حين تزدهر اللغة الشعرية، والشعر بدوره يتأثر بالفنون الأخرى

 

 

ولعل الحوار الذي دار بين نجيب محفوظ وعباس محمود العقاد يقدم مثلا دالا على هذه المسألة. فقد كان نجيب محفوظ يرى أن العصر هو عصر الرواية، في إشارة إلى ازدهار هذا الفن ومكانته المتنامية، بينما رد عليه العقاد مستشهدا ببيت من الشعر:

وتلفتت عيني فمذ خفيت

عني الطلول تلفت القلب

ورأى العقاد أن بيتا شعريا واحدا قد يغني عن الف رواية. ولا شك أن موقف العقاد كان حادا في التعبير عن مكانة الشعر، غير أن الفكرة الأهم هنا تتمثل في أن ازدهار فن من الفنون لا يعني بالضرورة أن عليه أن يلغي فنا آخر أو يدفعه إلى التراجع والاختفاء.

والحقيقة أن العلاقة بين الشعر والرواية ليست علاقة صراع أو تنافس، وإنما هي علاقة تفاعل وتأثير متبادل. فالرواية يمكن أن تزدهر حين تزدهر اللغة الشعرية، والشعر بدوره يتأثر بالفنون الأخرى ويستفيد من تطورها، غير أن الشعر يظل، في جوهره، من أصول التعبير اللغوي، ولذلك يمتلك قدرة كبيرة على التأثير في مختلف الأشكال الأدبية والفنية التي تعتمد على اللغة.

 

جدال قصيدة النثر

أثرت قبل سنوات جدالا حول قصيدة النثر، هل ما زلت متمسكا بأفكارك حولها، أم أن هناك ما تغير في نظرتك إلى هذه القصيدة؟

ما زلت أؤمن بأن الشعر لا يمكن أن يتحقق من دون الموسيقى، وأن موسيقى الشعر تتجلى بصورة أساسية في الأوزان. وقد يستطيع الشاعر أن يجدد في طريقة استخدامه للوزن، وأن يبتكر في علاقته بالإيقاع، لكنه لا يستطيع أن يستغني عن الوزن والموسيقى الشعرية استغناء تاما.

ويرى البعض أن الوزن مجرد حلية إضافية أو زينة يمكن الاستغناء عنها، وكأن نزع هذه الزينة لا يؤثر في جوهر الشيء المتزين بها. غير أن هذا التصور، في رأيي، غير صحيح، فالشعر ليس حلية تضاف إلى الكلام، ولا زينة يمكن حذفها دون أن يتغير جوهره، وإنما الموسيقى والإيقاع من الشروط الأساس التي تقوم عليها اللغة الشعرية.

فمن خلال هذه الموسيقى نستطيع بلوغ الصورة التي نريد التعبير عنها، والانتقال إلى العاطفة التي نريد إيصالها، وتشكيل الخيال بالصورة التي نريدها. ولذلك تبقى الموسيقى عنصرا لا غنى عنه في التجربة الشعرية، مهما اختلفت طرائق التعبير وتنوعت أشكال الكتابة.

قصيدة النثر ليست شعرا، هي نثر جيد ربما، نثر ممتع، وهذا لا يمنعني، بالطبع، من الاعتراف بأن بعض قصائد النثر قد تكون نصوصا ذات قيمة فنية عالية، وقد تقرأ ويستمتع بها، بل قد تتميز بجمال لغوي وإبداعي واضح. لكنني لا أضعها، مع ذلك، في إطار مفهوم الشعر الذي أتحدث عنه، لأنها، في تقديري، لا تحقق الشرط الموسيقي الذي أراه جوهريا في القصيدة.

 

قصيدة النثر ليست شعرا، هي نثر جيد ربما، نثر ممتع، وهذا لا يمنعني، بالطبع، من الاعتراف بأن بعض قصائد النثر قد تكون نصوصا ذات قيمة فنية عالية

 

 

ويمكن أن نضيف إلى ذلك أن من أبرز القيم الجمالية في لغة القرآن الكريم تلك الموسيقى العميقة التي تتغلغل في بنائه اللغوي وإيقاعه. وقد أسهمت هذه القيمة الموسيقية في ظهور أصوات قرآنية عظيمة، مثل الشيخ محمد رفعت والشيخ عبد الباسط عبد الصمد، وغيرهما من القراء الذين استطاعوا أن يكشفوا عن جانب فني بالغ التأثير في تلاوة القرآن. فالقرآن الكريم حين يتلى بهذه الأصوات لا يصل إلينا باعتباره كتاب هداية ودين فحسب، وإنما تنكشف لنا كذلك طاقته الجمالية والفنية، فنحن نقرأه أو نستمع إليه فنؤمن، ونتأثر، ونتدبر، ونجد في الوقت نفسه متعة جمالية وروحية عميقة.

ما جديدك شعرا ونقدا؟

إن الأصل أن يتولى أحد المهتمين جمع مقالاتي التي تناولت موضوعا واحدا، وترتيبها وإصدارها في كتاب، فقد كتبت، في مناسبات كثيرة، عددا من المقالات حول موضوعات بعينها، وهي في مجموعها تصلح لأن تجمع وتصدر في مؤلف واحد.

وأتمنى، خلال السنوات المقبلة، أن أتمكن من كتابة مذكراتي، وأن أستطيع أن أوثق فيها شيئا من تجربتي وما عشته من أحداث ومواقف. ولعلني أيضا أستطيع أن أقدم شيئا من الشعر.

 

عن المؤلف

المحرر Editor

Administrator

زيارة الموقع عرض كل المقالات

تصفّح المقالات

السابق: في الأدب الصنعي: «إما ذلك أو الموت»! قراءة في السجال الفرنسي حول دور الذكاء الصنعي في كتابة رواية تيليسون أوريليان
التالي: “انقلاب في وارسو”.. ما الذي يحدث في بولندا؟

قصص ذات صلة

Web-2026rewayah
  • أدب وفن

في الأدب الصنعي: «إما ذلك أو الموت»! قراءة في السجال الفرنسي حول دور الذكاء الصنعي في كتابة رواية تيليسون أوريليان

المحرر Editor 31 أكتوبر، 2026
  • أدب وفن

كبرنا… ولكن من قال إن اللعب للصغار؟ تعلمنا أن نعمل ونتحمل المسؤوليات وندفع الفواتير، لكننا لم نتعلم كيف نتخلى عن رغبتنا في أن نلعب

المحرر Editor 31 أكتوبر، 2026
  • أدب وفن

“أوديسة” إيلون ماسك تثير الشكوك في ذائقته الفنية

المحرر Editor 31 أكتوبر، 2026
https://www.youtube.com/watch?v=WC7ddVEJ4Y4

أحدث المقالات

  • مصدر لـ”الحرة”: حضور الشرع للمطار كاد يلغي زيارة الزيدي إلى دمشق
  • “لحظة بالغة الخطورة”.. سباق إقليمي لمنع ضربة جديدة على إيران
  • موقف دفاعي عن الإعلامية نور الهدى مراد،
  • خامنئي يوسّع بنك الأهداف ويتوعد برد إيراني بلا قيود جغرافية
  • “انقلاب في وارسو”.. ما الذي يحدث في بولندا؟

لربما فاتك

  • الأخبار

مصدر لـ”الحرة”: حضور الشرع للمطار كاد يلغي زيارة الزيدي إلى دمشق

المحرر Editor 31 أكتوبر، 2026
  • الأخبار

“لحظة بالغة الخطورة”.. سباق إقليمي لمنع ضربة جديدة على إيران

المحرر Editor 31 أكتوبر، 2026
Download (9)
  • الأخبار

موقف دفاعي عن الإعلامية نور الهدى مراد،

المحرر Editor 31 أكتوبر، 2026
Almada-logo
  • الأخبار

خامنئي يوسّع بنك الأهداف ويتوعد برد إيراني بلا قيود جغرافية

المحرر Editor 31 أكتوبر، 2026

AF themes

We mainly focus on quality code and elegant design with incredible support. Our WordPress themes and plugins empower you to create an elegant, professional and easy to maintain website in no time at all.

All Themes Plan
حقوق النشر والنسخ؛ جميع الحقوق محفوظة. | MoreNews بواسطة AF themes.