بينما كانت دلال تقف خارج خيمتها في مخيم “روج” شمال شرق سوريا في أوائل شهر أغسطس/آب، اخترق صوت إطلاق النار سكون المكان، ووسط حالة من الذعر، هرعت دلال إلى الداخل لتطمئن على ابنتها صاحبة الثماني سنوات، وابنها صاحب السنوات التسع.
تقول دلال: “كانت هناك صرخات وجلبة كبيرة”، وتتذكر كيف أصابت الرصاصات ثلاجة إحدى جاراتها، وكادت أن تودي بحياة طفل يقف بالقرب منها.
تزامن إطلاق النار مع دخول “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وهي القوة التي يقودها الأكراد وكانت تسيطر على المخيم آنذاك، بمركبات مدرعة لمواجهة نساء كنّ يتظاهرن. فمنذ أواخر شهر يوليو/تموز، تنظم النساء المقيمات في المخيم وقفات احتجاجية، للمطالبة بوقف ما وصفنه بالانتهاكات وبمزيد من الحريات، مشيرات إلى تعرضهنّ لسنوات من الاحتجاز غير القانوني، وتدهور الظروف المعيشية، والقبضة الأمنية الصارمة.
وقد وثّقت منظمة “إعادة الأطفال إلى الوطن” غير الحكومية ومقرّها السويد، في تقرير لها، هذه الأوضاع المتردية، مستندة إلى شهادات أكثر من 40 امرأة في المخيم، كما تحدثت “قنطرة” مع نساء داخل المخيم بمساعدة المنظمة المذكورة، التي سهّلت التواصل معهنّ.
لطالما كان صوت إطلاق النار مألوفًا في المخيم منذ فترة طويلة، لكن بالنسبة لدلال، فإن سماع عناصر “قسد” يطلقون النار على مقربة من المكان الذي كان أطفالها ينامون فيه، جعل الخوف يتجسّد أمام عينيها: “كانوا يطلقون النار لترويعنا. أبقى في خيمتي معظم الوقت لأنني حقا أخشى من تلك الاضطرابات، وخائفة على أطفالي”.
مخيم نشأ في أعقاب هزيمة تنظيم داعش
يقع مخيم روج بالقرب من الحدود العراقية في محافظة الحسكة، ويضم أكثر من 2300 شخص ينتمون إلى نحو 54 جنسية، ووصل معظمهم إلى المخيم بعد سقوط الباغوز في 2019، وهي آخر معاقل داعش في سوريا، عندما فرّ آلاف الأشخاص أو احتجزتهم قوات سوريا الديمقراطية خلال المراحل الأخيرة من الحملة العسكرية المدعومة من الولايات المتحدة ضد التنظيم.
يُعتقد أن غالبية محتجزي المخيم مثل دلال، بوسنية الجنسية، من النساء والأطفال الأجانب، الذي يعتقد أنهم زوجات وأطفال الأشخاص المشتبه في انتمائهم لتنظيم “داعش”، إلى جانب مدنيين علقوا في خضم المعارك. وتقول كثير من النساء إن أزواجهنّ أو أقاربهنّ غرّروا بهنّ ودفعوهنّ إلى السفر إلى سوريا.
ويُشتبه في أن بعض النساء المحتجزات في المخيم يواصلن دعم التنظيم، لكن دلال تؤكد أنها ليست كذلك؛ وتقول إن زوجها انضم إلى التنظيم ثم أجبرها لاحقًا على السفر معه إلى سوريا. وفي عام 2017، وعقب مقتل زوجها، احتجزتها القوات الكردية بالقرب من منطقة الباغوز بينما كانت حاملاً في شهرها الثامن.
أما بالنسبة للأطفال في مخيم روج، فقد وُلد بعضهم داخل المخيم، بينما نُقل إليه آخرون وهم رُضّع، ليقضوا طفولتهم خلف جدرانه الخرسانية وأسلاكه الشائكة. ونشأ هؤلاء الأطفال في ظلّ فرص محدودة للتعليم والرعاية الصحية، ورُسمت ملامح طفولتهم تحت أعين الحراس المسلحين ووطأة نقاط التفتيش.
وبذلك بات مخيم روج الآن المخيم الكبير الوحيد المتبقي في شمال شرق سوريا للمحتجزين المرتبطين بتنظيم الدولة الإسلامية، بعد انهيار مخيم الهول الأكبر مساحة، عندما شنت قوات الحكومة السورية هجومًا في يناير/كانون الثاني 2026 ضد قوات سوريا الديمقراطية، التي كانت تسيطر آنذاك على مخيمي روج والهول.
وانسحبت قوات سوريا الديمقراطية من مخيم الهول، ما ترك فراغًا أمنيًا مع تقدم القوات السورية نحو المخيم. وفي أثناء ذلك، فرّ آلاف النساء والأطفال، ما أثار مخاوف بشأن الاتجار بالبشر والاستغلال، واحتمال عودة التواصل مع شبكات تنظيم الدولة الإسلامية.
وبات مخيم روج تحت مسؤولية الدولة السورية منذ إعلان قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، حلّ القوات في 25 أغسطس/آب، في تطور قد يمهّد الطريق لإغلاقه في وقت قريب. ومع ذلك، لا يزال أثر قرار حلّ قوات سوريا الديمقراطية على الوضع الأمني في مخيم روج غير واضح.
نهاية وبداية جديدة في آن واحد
انتهى عهد الإدارة الذاتية التي يهيمن عليها الأكراد في شمال شرق سوريا، وعادت وحدة البلاد إلى حد كبير، على الأقل شكليًا، فهل لمجتمع فُرض تماسكه بالقوة العسكرية أن يندمج فعلًا؟
الأوضاع في مخيم روج
وازدادت وتيرة الانتهاكات، مثل المضايقات وسوء المعاملة، منذ مطلع العام الجاري، بحسب تقرير منظمة إعادة الأطفال إلى الوطن. تقول ليتا تايلر، مستشارة مكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط لدى منظمة هيومن رايتس ووتش، لـ”قنطرة”: “بعد التغيرات السياسية وانسحاب القوات الأمريكية من شمال شرق سوريا في وقت سابق من هذا العام، تحول وضع النساء والأطفال المحتجزين داخل مخيم روج من سيئ للغاية إلى مرعب”.
وتضيف: “أخبرتني العديد من النساء بأنهن بالكاد ينمن ليلًا، خشية تعرضهنّ أو أطفالهنّ للضرب أو السرقة أو التهديد على يد حراس المخيم، أو حتى الاختطاف والاحتجاز سرًا بسبب مخالفات بسيطة مثل حيازة هاتف محمول”.
ويوثّق تقرير منظمة إعادة الأطفال إلى الوطن، حالات فصل الأطفال عن أمهاتهم أثناء العمليات الأمنية؛ إذ تحدثت محتجزات عن عمليات مداهمة ليلية، وحالات ضرب وسرقة وتهديد وإطلاق نار، فضلاً عن تراجع فرص الحصول على الرعاية الصحية والخدمات الأساسية.
وتقول دلال: “يستخدم الجنود سياراتهم لصدم النساء والأطفال بهدف ترهيبهم، أو عندما يحتاجون استجوابهنّ، وأغمي على أحد الأطفال عندما اقتاده الجنود؛ حيث احتُجز لمدة ساعة ثم أُعيد إلى والدته”.
كما تصف محتجزة أخرى تعرّضها لمضايقات مماثلة من حراس المخيم، إذ تقول إنهم دخلوا خيمتها وسرقوا أموالًا ومقتنيات شخصية.
وتضيف لموقع قنطرة: “وُجِّهت بندقية كلاشينكوف نحو ظهر ابني لأنه ذهب إلى المتجر في وقت لم يكن مخصصًا له لشراء المثلجات”. كما تزعم المرأة أن مركبات تابعة لقوات سوريا الديمقراطية انحرفت عمدًا باتجاه ابنها أثناء سيره لمسافة قصيرة إلى المدرسة، على ما يبدو لتخويفه. ومنذ ذلك الحين، لم تعد تدعه يذهب إلى المدرسة وباتت تتابع معه دروسه في المنزل، خشية على سلامته.
“كفى تأجيلًا للحل”
لسنوات، حثت السلطات التي يقودها الأكراد ومنظمات حقوق الإنسان الحكومات الأجنبية على استعادة مواطنيها من المخيمات والسجون في شمال شرق سوريا، لكن الحكومات أبدت في الغالب ترددًا في استعادة مواطنيها، متذرعة بالمعارضة الداخلية، ومخاوف الأمن القومي، وصعوبات ملاحقة المشتبه في انتمائهم لتنظيم الدولة الإسلامية قضائيًا.
ومع ذلك، ظهرت بوادر تحرك في الأشهر الأخيرة، ففي أبريل/نيسان، نُقل 13 أستراليًا، أربع نساء وتسعة أطفال، من مخيم روج إلى دمشق وسُلّموا إلى مسؤولين أستراليين، كما غادرت عدة عائلات إندونيسية المخيم أيضًا كجزء من عملية استعادة منسقة بعدها بشهرين.
لكن حالات المغادرة هذه تظل استثناءات وليست مسارًا واضحًا للعودة إلى الوطن أمام من بقوا داخل المخيم، ومع انتقال مسؤولية إدارة المخيم إلى السلطات السورية في دمشق، تتزايد حالة عدم اليقين بشأن مستقبلهم.
توضح دلال: “لقد أرسلنا رسائل بريد إلكتروني عديدة للاستفسار عن المغادرة، لكن سلطات المخيم تخبرنا دائمًا أن الأمر معقد، وأنهم بحاجة إلى مساعدة من المجتمع الدولي”.
ويُعتقد أن شبكات تنظيم الدولة الإسلامية لا تزال نشطة في شمال شرق سوريا ومحيطها، فيما أثار انهيار الأوضاع في مخيم الهول مخاوف بشأن ما قد يحدث عندما يتفرق أعداد كبيرة من المحتجزين دون توفر ضمانات كافية.
وقالت تايلر، من منظمة “هيومن رايتس ووتش”: “هناك مخاوف حقيقية من انضمام النساء اللواتي أُطلق سراحهن من مخيم روج إلى تنظيم الدولة الإسلامية أو جماعات مسلحة أخرى في سوريا، سواء طوعًا أو قسرًا، ومن إجبار أطفالهن على فعل الشيء نفسه”.
وأضافت: “هذا سبب آخر يدعو الدول إلى المبادرة بإعادة مواطنيها الآن بدلاً من الاستمرار في تأجيل التعامل مع هذه القضية”.
وإذا اتبعت السلطات السورية النهج نفسه الذي طُبّق في مخيم الهول، فقد يواجه مخيم روج أيضًا خطر الإغلاق في الأشهر المقبلة. ولكن مع استمرار العديد من الدول في رفض دعوات استعادة مواطنيها، فإن إغلاق المخيم لن ينهي حالة الفراغ القانوني والوضع المأساوي الذي يعيشه سكانه؛ إذ قد يواجه البعض، اعتمادًا على جنسياتهم، الملاحقة القضائية في بلدانهم الأصلية، بينما قد يتعرض آخرون للتعذيب أو لانتهاكات جسيمة أخرى لحقوق الإنسان.
ورغم ذلك، فإن دلال، مستعدة لتحمل هذه المخاطرة من أجل العودة إلى البوسنة مع أطفالها، وتقول: “أريد العودة إلى الوطن، حتى لو اضطررت لمواجهة الملاحقة القضائية”.
لقد شاهدت دلال أطفالها يكبرون خلف الأسوار، دون تعليم مستقر أو شعور واضح بالانتماء: “أريد العودة إلى الوطن ليحظى أطفالي بهوية وتعليم. فالأهم بالنسبة لي هو أن يتحرر أطفالي”.
ترجمه من الإنجليزية: سارة عرفة
قنطرة ©