منذ بدء الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/ شباط الماضي، تعيش الدول العربية في المشرق أزمة استراتيجية قاسية جداً حتى بمعايير المنطقة المأزومة تاريخياً، فمنذ أزمة السويس عام 1956، والنكسة عام 1967، وحرب الخليج الأولى عام 1979، والثانية عام 1990، واحتلال العراق عام 2003، وتدمير غزّة منذ نهاية 2023، لم تشهد المنطقة مثل هذه المخاطر الاستراتيجية.
ليست منطقة الخليج العربي مجرد خزان اقتصادي لدولها فحسب، بل هي صندوق إمداد مالي لدول عربية كثيرة، ما يجعل أي اهتزاز فيها ذا تأثير سلبي على دول عربية أخرى، فكيف الحال بحربٍ مستمرة منذ نحو سبعة أشهر، أُربكت فيها عمليات تصدير النفط والغاز؟
لم تكشف هذه الحرب الاستهتار الأميركي بمصالح دول الخليج (الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة) وأمنها فقط، بل كشفت أيضاً العطب الاستراتيجي لدول المنطقة جميعها، خصوصاً إيران ودول الخليج. … لم تعد المسألة مجرّد إيجاد بدائل اقتصادية للنفط والغاز، مثل الصناديق السيادية، ولم تعد المسألة مجرّد توسيع خيارات التخزين النفطي في الخارج، ولم تعد المسألة مجرّد وضع مقاربة فوق محلية ذات بعد إقليمي لأنابيب النفط والغاز، كما لم تعد المسألة على المستوى الاستراتيجي العمل على إيقاف الحرب، ولم تعد المسألة أيضاً مرتبطة بتغيير الاستراتيجية العسكرية لدول الخليج، ذلك أنه من الصعوبة بمكان مجاراة القدرات العسكرية لإيران وإسرائيل، وإنما المسألة الكبرى هي ماذا بعد انتهاء الحرب؟ وما هي الاستراتيجية العربية بشكل عام والخليجية بشكل خاص لتأمين المصالح الوطنية والقومية؟ وما هي الطرق الكفيلة بمنع وقوع مثل الحرب التي تكون فيها دول الخليج ساحة نار للمتصارعين؟
لقد انهارت تماماً المقاربة الاستراتيجية الخليجية القائمة على حماية من الولايات المتحدة، كما انهارت قبلها بسنوات قليلة المقاربة الاستراتيجية العربية التي تجد في الولايات المتحدة ضامناً لمنع إسرائيل من قتل الشعب الفلسطيني على مرأى ومسمع من العالم.
المطلوب خليجياً التفكير خارج الصندوق، عبر وضع استرايجيات داخل الإطار الإقليمي بما يشمل إيران نفسها، بحيث تكون هذه الاستراتيجية انعكاساً لمصالح الإقليم نفسه، بعيداً عن المصالح الأميركية غير المتطابقة مع المصالح الخليجية والإيرانية على السواء. وأولى هذه الاستراتيجيات وضع آليات مؤسّسية لإدارة الخلافات، بحيث إن الخلافات الجانبية لا تؤثر على البعد الاستراتيجي المشترك. لقد أرهقت دول المنطقة نفسها وشعوبها بسبب الخلافات العربية العربية، وحالت دون نشوء كتلة عربية تاريخية قادرة على التأثير الإقليمي والدولي.
ثاني هذه الاستراتيجيات، إذا أمكن، التوصل مع إيران إلى تفاهمات إقليمية ذات بعد جيوسياسي، فالجغرافيا تفرض نفسها في نهاية المطاف، ولا يمكن لدول الخليج القضاء على المقدّرات الإيرانية، ولا تتحمل المنطقة إبقاء إيران دولة عدوة لدوداً للعرب.
صحيح أن أصحاب العمائم في طهران هم من يتحمّلوا المسؤولية الرئيسية عن خراب المنطقة، بدءاً بلبنان، ثم العراق، فسورية فاليمن، وصحيح أنهم عاثوا تخريباً في هذه الدول الأربع لأجل السيطرة عليها، وتحويلها إلى منصّات في خدمة مشروعها كما بينت التجارب في البلدان العربية الأربعة سابقة الذكر. وصحيحٌ أيضاً أن إيران المثقلة بالتاريخ الفارسي وبأيديولوجية طائفية ما تزال تنظر إلى ثورتها أنها مستمرّة لم تكتمل بعد، وأن الساحة العربية هي المكان الأمثل لتحقيق مطالب الثورة المُضمرة. …
ولكن ما العمل إذا كانت إيران قدر التاريخ والجغرافية بالنسبة للمشرق العربي؟ لا يقدم هذا المقال أجوبة عن أسئلة شائكة ومعقدة للغاية، لكنه يطرح إشكالاً استراتيجياً تعاني منه المنطقة، ومن دون إيجاد الحلول المحلية، ستبقى المنطقة بين نوسان الخلافات الإقليمية ـ الإقليمية والتدخلات الأميركية. والخطاب الإيراني، حتى اللحظة، غير ناضج، ولا يبدو أن صنّاع القرار في طهران قد أجروا مراجعة استراتيجية لسلوكاتهم في المنطقة بعد الخسائر الكبرى التي تلقوها في لبنان وسورية، ولعل كلام الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يؤكد هذا، ففي مقابلة قناة الجزيرة معه، قال بزشكيان بطريقة سوريالية غير مفهومة، إن “بلاده لم تتمكن بعد من إقامة علاقات مع الحكومة السورية الجديدة بسبب النظرة والانطباع الذي أوجدوه”.
هذا مثال واضح على العمى السياسي الإيراني، وهو عمى يمكن أن يستمر طويلاً وعامّاً، يشمل الرؤية الإيرانية إلى كل دول المنطقة، لكن ما العمل في هذه الحالة؟ كيف يمكن جلب إيران إلى منطقة وسطى مع دول الخليج العربي؟
الأثمان الباهظة التي تكبدتها دول الخليج هذا العام تتطلب حلولاً خلاقة، لا مكان فيها للولايات المتحدة التي عاثت في منطقتنا فساداً وتخريباً مع إسرائيل.