
3 أفلام عن الهوية والإرث في مهرجان لوكارنو (ملف فيلم “رحمت”)
ملخص
هذا العام، يعرض مهرجان لوكارنو السينمائي (من الخامس حتى الـ15 من أغسطس- آب الجاري) في مسابقته الدولية 17 فيلماً طويلاً تتنافس على “النمر الذهبي”.
لا بد لمتابعي أفلام المسابقة في مهرجان لوكارنو، من أن يلاحظوا الشؤون التي تلتقي فيها الأعمال هذه، فثراء المضامين واستلهام التفاصيل من الواقع الاجتماعي يجعلانك تستخرج ما يجعل هذه البقعة من الأرض تشبه تلك الأخرى، على رغم التحفظ الكبير على المعالجات التي تضعف أحياناً حجج بعض الأفلام. وغالب الظن أن مهمة النقد هي التقاط هذه التفاصيل الجامعة ومعاينتها.
ثلاثة أفلام عن الهوية والانتماء وما نرثه، شاركت في هذه المسابقة “بعيداً من الأشجار” للإسبانية مريتشل كولل أباريسيو و”نادراً ما أستيقظ حالماً” للألمانية إيزابيل ستيفر و”رحمت” للهندي غورفيندر سينغ.
رسالة حب إلى الأجداد
في “بعيداً من الأشجار”، نتعرف إلى أديلا، فنانة مكسيكية متخصصة في الصوت. تسافر أديلا من الغابة إلى جبال الأنديز برفقة لوتشو الذي يعمل دليلاً ومترجماً، على خطى جدّها، الجمهوري الإسباني الذي نُفي إلى المكسيك. من خلال هذه الرحلة، تنسج هذه السيدة خريطة صوتية للغات مهددة بالاندثار، بيد أن الخوف سيحول الرحلة عاجلاً أم آجلاً إلى عبور حميم للقاء الذاكرة والفقد والاقتلاع والهوية.
تقول المخرجة “هذه رسالة حب إلى الأجداد الذين لم أتمكن من توديعهم، وتكريم لأقارب ذهبوا إلى الحرب وهم في الـ17، وحملوا معهم صمتاً ولد من أهوال لا يمكن تخيّلها، قبل أن يصل هذا الصمت إلينا، نحن حفيداتهم، من دون أن نعرف من أين جاء”.
تروي أباريسيو أنها تؤمن بفكرة التعرض للخطر من أجل سرد حكايات بصدق وأمانة، ومن أجل سينما تنقلنا إلى عوالم أخرى كي تصل بنا إلى أعمق نقطة في طبقات الروابط العائلية والهوية. باختصار، سينما تجد العاطفة في فعل البحث عبر الصورة والصوت.
الفيلم هو في النهاية بورتريه لأديلا، المرأة المتعنتة التي اضطرت إلى مغادرة موطنها كي تكرس نفسها لما تحب. فهي فنانة رائدة في مجالها، وتجسد في الحين نفسه تناقضات نساء قلما يجدن مكاناً لهن على الشاشة. من خلال المرأة الساحرة التي أصبحت عليها في الـ50، والطفلة الفضولية التي كانتها في الثامنة، تحكي أباريسيو القصة الأقرب إلى وجدانها.
يتحدث الفيلم عن جمال الاقتلاع وألمه، وعن هويات تناثرت في المنفى، وعن الحزن كنوع من أنواع الخسارة والتحرر في آن معاً. ويستكشف أيضاً الطريقة التي تتشكل بها هوياتنا من خلال أصولنا، والصعوبة الكامنة في تكريم الماضي، فيما نحاول في الوقت نفسه بناء شيء جديد.
على نقيض منظومة الحرب
في “نادراً ما أستيقظ حالماً”، الهوية ذاتها ساحة للحرب، ففي بلد يخوض حرباً من أجل البقاء، لا تعود الأسئلة المتعلقة بالهوية شأناً فردياً. هذا هو المنطلق الذي يبني عليه الفيلم حكايته، علاقة أوليا وأوليخ تدخل مرحلة جديدة حين تتقاطع رحلة التحول الجندري التي يخوضها أحدهما مع الهجوم الروسي الشامل. ما كان في البداية تحوّلاً شخصياً واختياراً يتعلق بالجسد، يجد نفسه فجأة في مواجهة واقع سياسي وعسكري يفرض تحولاته بالقوة.
من خلال هذه العلاقة، يضع الفيلم سؤالاً يبدو بسيطاً، لكنه يكتسب تعقيداً مضاعفاً خلال زمن الحرب، ماذا يعني أن تكون رجلاً في بلد يقاتل من أجل هويته وحقه في الوجود؟ وبدلاً من البحث عن إجابة مباشرة، يضع الفيلم شخصياته داخل ظروف تجعل مفاهيم الذكورة والأنوثة والانتماء والحرية موضع اختبار مستمر.
القصة مستوحاة من وقائع حقيقية، واختارت المخرجة ستيفر منح أدوار الشخصيات الرئيسة لشباب غير محترفين في التمثيل، تانيا ميرونشينا في دور أوليا، وماركوس برايت في دور أوليخ. واختيارهما لم يكُن مجرد قرار فني، إذ إنهما يعيشان، بدرجات مختلفة، التهديد نفسه الذي تعيشه الشخصيات التي يؤدونها. وتجربتهما الشخصية أصبحت جزءاً من عملية صناعة الفيلم، ومنحته بذلك صلة مباشرة بالواقع الذي يتناوله.
لا يختزل الفيلم الشباب في صورة الضحايا. ما يهم هو ما يمثلونه من قيم تتجاوز حدود أوكرانيا، الحرية الفردية والحق في اختيار الهوية والعلاقات القائمة على المساواة والقدرة على تصور المستقبل خارج القوالب المفروضة. وهي قيم يتشاركها كثير من الشباب في أوروبا وخارجها، وتتناقض جذرياً مع المنظومة التي أنتجت الحرب.
وبدلاً من بناء سرد يستند بالكامل إلى مشاهد الحرب وآثارها المباشرة، يراقب العمل الطريقة التي تنتقل بها الحرب من المجال العام إلى أكثر المناطق خصوصية في حياة الإنسان. في النهاية، يضع الفيلم تحول أوليا إلى جانب التحول الذي أصاب بلداً بأكمله. كلاهما يبحث عن هوية، لكن في اتجاهين مختلفين، أحدهما يحاول الوصول إلى الذات التي اختارها، والآخر يقاتل كي يحافظ على حقه في تقرير من يكون.
العيش معاً في منطقة منهكة
يقتبس “رحمت” من قصص أجيت كور، قاصة هندية تُعد من أبرز الأسماء في الأدب البنجابي الحديث، ومن رائدات الكتابة النسوية. على مدى أعوام طويلة، اطلع المخرج على كتاباتها إلى أن قرر تدريجاً إنجاز فيلم مستوحى من عالمها الذي يمتد عادة على عقود عدة، بدءاً من مرحلة ما بعد التقسيم في الهند، حين هاجرت وهي فتاة صغيرة من لاهور إلى دلهي. وتتناول معظمها صلابة الإنسان وإصراره على البقاء في ظروف المدينة القاسية التي كانت تتغير بسرعة بعد الاستقلال، ولا سيما بالنسبة إلى المرأة.
الفيلم يبدأ مع سيما التي تُفاجأ في منتصف الليل برجل سيخي جريح يختبئ داخل مخزن منزل والدتها. تتردد في البداية، ثم تقرر مساعدته وإخفاءه عن الشرطة، قبل أن تكتشف معطيات جديدة تقلب موقفها، ربما يكون الرجل على صلة بالجماعة التي قتلت شقيقها الذي لا تزال ترثيه. فيتحول فعل التعاطف جراء ذلك إلى امتحان أخلاقي. من الناحية المقابلة، فإن اختفاء هذا الرجل ترك عائلته في حيرة منذ أكثر من عام. يكافح أطفاله غيابه في المدرسة والمنزل، فيما يجد الجد نفسه مضطراً إلى استعادة دور رب الأسرة، محمَّلاً بأعباء العمل والقرارات المستحيلة وضغوط المحيط. هناك قصة ثالثة، يعود رشيد علي لقريته في البنجاب بعد عقود في إنجلترا، ويدّعي في البداية أنه “الله”، قبل أن يكشف عن هويته الحقيقية كطفل اقتُلع من أرضه عشية تقسيم 1947، ليجد في وطن لا تزال ندوبه ماثلة حباً ورحمة.
في المحصلة، فإن الفيلم يولد من تشابك ثلاث حكايات في البنجاب المعاصر، جريح يجد ملاذاً في منزل، وعائلة تواجه الفقد واختيارات تبدو مستحيلة، ثم رجل غامض يظهر مدّعياً أنه الله. ومن خلال هذه الحكايات، يحملنا الفيلم إلى الذاكرة الجماعية، واضعاً إيانا داخل التصدعات التي خلّفها التاريخ، والأعباء التي يحملها الأفراد من ماضيهم. ويقول المخرج سينغ “في منطقة أنهكتها الصراعات السياسية والدينية، وددت رسم صورة أناس يجدون أنفسهم عالقين في خضم قوى تسعى إلى تفريقهم وزرع الانقسام بينهم. ومع ذلك، يواصلون حياتهم، متمسكين، على رغم كل شيء، بإمكان العيش معاً”.