سلام حربه… جريدة المدى
في المجتمعات العربية والاسلامية تتشكل الهوية الشخصية للمواطن من عدة عوامل سياسية واجتماعية وعلمية وبيئية ونفسية وغيرها، لكن هناك شعورا بأن هذه الهوية قاصرة وإن شيئا ينقصه على الدوام ويحاول أن يسد هذا النقص بالبحث عن ما يرضي غروره وينقله الى الخط الأول في الترتيب الاجتماعي ولم يجد بحساباته الذهنية مثل السياسة القادرة أن تنتشله من محنته الوجودية الى مرتبة أعلى بحيث يكون قادرا على التحكم بمصير الآخرين وبحاضرهم ومستقبلهم.
في هذه المجتمعات وأنظمتها السياسية والاقتصادية الفاشلة القائمة على المحاصصة الطائفية والعرقية والاثنية لا تتشكل الهوية الوطنية من القدرات العلمية ولا من الطاقات الانسانية والثقافية والأدبية حيث تعج ساحات البطالة بالأطباء والمهندسين والقانونيين والعلماء والمفكرين وكبار الأدباء من الشعراء والروائيين والنقاد واصحاب الفكر الخلاق دون أن يلتفت اليهم أحد ويثني على منجزاتهم وابداعهم وقد يتعرضون الى أقسى أنواع البطش إن حاولوا المطالبة يحقوقهم وهذا ما نلاحظه من انتهاك لحقوق الانسان وخنق حرية التعبير واستهداف وتهميش للرموز العلمية والقامات الأدبية والثقافية وتقزيم وانهاك كل المؤسسات الثقافية والفنية والعلمية والغاء دورها المدني والحضاري لأنها تشوش على السياسي الذي يقود البلد وتسحب من جبروته وكبريائه وغروره وتكشف هشاشته وفساده ونواياه التخريبية وهذا ما يلمسه المواطن العادي في الأنظمة ( الديمقراطية ) التي تتبجح هذه البلدان المتخلفة وتدّعي بأنها راعية لحقوق الانسان وهي تعمل على قتل كل ما هو انساني وكل ما يمت بصلة الى العقل والمنطق العلمي.
ما يدفع الى هذه المقدمة هو المقارنة بين العقل المتحضر في المجتمع الغربي والعقل المتحجر في البلدان العربية والاسلامية. لقد صرح الرئيس السويسري غي بارميلان الاستقالة من منصبه يوم 2/10/2026، علما أن سويسرا هي بلد رفاهية المواطن الأول في العالم سواء في دخل الفرد أو جمال المدن والطبيعة، وقد برر استقالته بأنه لم يشعر باللذة والدهشة من وجوده رئيسا تنفيذيا والحياة لها أوجه وجودية أفضل من السياسة ومناصبها الادارية والزمن يمضي ولا يتوقف عند أحد ومعظم العلماء والمفكرين والقادة والملوك الذي كانوا يعتقدون أن عجلة الحياة لا يمكن أن تمضي بدونهم حاليا ليسوا سوى قبور وشواهد نُقشت عليها أسماؤهم.
حين يقارن هذا النمط من التفكير مع ما يجري في بلد مثل العراق سيصاب الانسان بالصدمة حيث التكالب من قبل بعض السياسيين الذين لا تأريخ سياسي عريق يشهد لهم واستحواذهم على المناصب الرفيعة في البلد كنواب لرئيس الجمهورية أو نواب لرئيس الوزراء أو وزراء لوزرات أصلية أو مستحدثة سيكتشف عندها محنة الهوية في هذا المجتمع.
هذا الوزير أو نواب السلطة التنفيذية، الرئاسة ومجلس الوزراء، والبعض من أعضاء مجلس النواب ومحافظي المدن ليس همهم خدمة المجتمع وتسخير قدراتهم وطاقاتهم وعلومهم، إن وجدت، في سبيل رقي المجتمع ودفعه نحو الذرى الحضارية بل إشباع غرائزهم في أن يكونوا أسيادا متسلطين على الآخرين وابراز جبروتهم وجنونهم وأنواتهم المتعالية ويحاولون أن يسدوا النقص في شخصياتهم لأنهم يشعرون على الدوام أن لا وجود لهم خارج المناصب السياسية وهم يعرفون جيدا إن امكانياتهم محدودة وعلومهم قاصرة وتأريخهم الشخصي والسياسي مشوه والحياة تصبح بنظرهم منصبا وسعادتهم لا تكتمل الا برؤية الآخرين منكسة رؤوسهم أمام سطوتهم وسلطاتهم السياسية وقد منحتهم هذه المناصب السيادية الحق بأن تمتد أياديهم الى المال العام، بعد أن عملوا على شل يد السلطات القضائية والرقابية في ملاحقتهم من خلال قوانين وضعوها تنتهي عند محاصرتهم بقانون العفو العام، علما إن المناصب التنفيذية والتشريعية في كل العالم المتحضر هي تكليف اجتماعي من أجل خدمة المجتمع وتحقيق ما يطلبه المواطن وإن ظهر قصور المسؤول في أداء الواجب المكلف به ينسحب بهدوء بعد الاعتذار من الشعب ويخرج كما دخل الى المنصب بنعله أو دراجته الهوائية وقد يسجن إن ارتكب مخالفة بسيطة مادية أو ادارية ليحلف بأغلظ الايمان أن لا يعود الى العمل السياسي ثانية.
لقد وصل الأمر ببعض السياسيين المقاومين، الذين لا تأريخ نضالي يشهد لهم، التنصل عن مبادئهم وشعارات النضال والمقاومة أمام الأجنبي الذي يتحكم، بالمشهد السياسي ويحدد من يجلس على هذا الكرسي أو ذاك، وعاهدوه على تدمير مؤسساتهم العقائدية والعسكرية والرضا بالتبعية والتطبيع وتحقيق المشروع الاستعماري المرسوم لهذا البلد، مقابل القبول أن يتبوأ هذا المنصب السيادي أو ذاك كي تكتمل هويته وتتحقق نرجسيته وتُطلق يده، دون حساب من أحد، حتى وإن قام بتخريب الذات الوطنية وهدم مفاصل المجتمع المهمة.
المنصب في هذا البلد ليس للخدمة العامة بل لتحقيق هوية افتراضية للمسؤول من أجل استعباد الآخرين وعلاج العقدة النفسية المأزومة التي يعانيها طيلة حياته، ولن يخطر بباله يوما الاستقالة حتى لو كان يلفظ أنفاسه الأخيرة، ليقينه أن المنصب هو الهوية الحقيقة وبدونه لا وجود له وهو والعدم سواء..